مر الأسبوع الأول منذ الضربة «الأمريكية - الإسرائيلية» على إيران، ورغم مقتل المرشد الأعلى، على خامنئى، لم يتحقق هدف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المنشود بتغيير نظام الحكم فى إيران، ولم يجلب على المنطقة سوى فوضى عارمة، وأضرار أصابت الأصدقاء قبل الأعداء، وسط حالة من الرفض داخل الشارع الأمريكى للخطوة التى قام بها ترامب دون انتظار الحل الدبلوماسى وتنبؤات بمخاطر اقتصادية عالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
فى استطلاع رأى أجرته شبكة CNN الأمريكية بالتعاون مع مؤسسة SSRS أظهر أن ستة من كل عشرة أمريكيين لا يوافقون على قرار الولايات المتحدة بالتدخل عسكريا فى إيران، حيث يرى معظمهم أن الأمر لن يكون قصيرا، وأن سيناريو الصراع العسكرى طويل الأمد بين البلدين هو الأرجح.
ويكشف الاستطلاع الذى أجرى بعد وقت قصير من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران أن أغلبية المشاركين فى استطلاع الرأى يشككون فى قدرة «ترامب» على التعامل مع الوضع، ويقول معظمهم إنهم يفتقرون إلى الثقة فى قدرة «ترامب» على اتخاذ القرارات الصائبة بشأن استخدام الولايات المتحدة للقوة فى إيران، حيث قال 60 فى المائة منهم إنهم لا يعتقدون أن لديه خطة واضحة للتعامل مع الموقف، بينما قال 62 فى المائة منهم إنه يجب عليه الحصول على موافقة الكونجرس لأى عمل عسكرى إضافى.
وكشف الاستطلاع أن حوالى 27 فى المائة أن الولايات المتحدة بذلت جهودًا دبلوماسيًا كافية مع إيران قبل اللجوء إلى القوة العسكرية، فى حين قال 39 فى المائة إن الولايات المتحدة لم تبذل جهودًا كافية فى البداية، بينما قال 33 فى المائة إنهم غير متأكدين من الأمر.
يُذكر أن هذا الاستطلاع أجرى قبل ورود أنباء عن مقتل ستة جنود أمريكيين فى المنطقة، وكان 59 فى المائة ممن شاركوا فيه أعربوا عن رفضهم للقرار الأول بشأن الضربة على إيران وذلك مقابل 41 فى المائة. كما أظهر الاستطلاع تأييد 12 فى المائة فقط احتمالية إرسال قوات برية أمريكية على إيران، فى حين عارض 60 فى المائة ذلك، مقابل 28 فى المائة لم يحسموا موقفهم.
الأرقام كلها تظهر معارضة الشارع الأمريكى لـ«ترامب» بين جميع الفئات الديموغرافية من البيض والأفارقة واللاتينيين، وبين الرجال والنساء، وكذا جميع الفئات العمرية، حتى قبل رد الفعل الإيرانى الذى أحرج «ترامب» على الأقل فى المدة الزمنية الذى كان مخططًا لها لإنهاء الحرب بعد اغتيال المرشد، وليس الشارع فقط فهناك انقسام حاد بين النخبة السياسية الأمريكية، فهناك 77 فى المائة فقط من الجمهوريين يؤيدون الضربة الأخيرة فى مقابل 18 فى المائة فقط من الديمقراطيين، كما يشكك أغلبية الديمقراطيين والمستقلين فى قدرة ترامب على التعامل مع الموقف. كما يعارض 38 فى المائة من الجمهوريين إرسال قوات برية إلى إيران.
الجميع فى الولايات المتحدة، سواء من السياسيين أو العامة، يعلمون حقيقة واحدة وهى أن «الاقتصاد الأمريكى فى خطر»، فبعد تضخم مستعصٍ وورسوم جمركية وإغلاق حكومى غير مسبوق، تمكنت أمريكا من تجنب الركود الاقتصادى نوعًا ما ومواصلة مسيرتها، إلا أن سوق العمل يظهر آثارًا سلبية، حيث أفاد أصحاب العمل بتسريح 92 ألف موظف فى فبراير الماضى، وهو مؤشر خطير على الاقتصاد الأمريكى.
ليأتى بالتزامن مع ذلك الضربة على إيران التى تكلف الولايات المتحدة ما يقارب مليار جنيه يوميا وفقا لمصادر فى الكونجرس، ومع استمرار الحرب يتوقع أن يزداد سعر النفط تدريجيا وقد وصل بالفعل إلى قرابة مائة دولار للبرميل الواحد، وبالتالى زيادة أسعار البنزين الذى وصل بالفعل إلى 3.32 دولار وهو أعلى سعر وصل إليه البنزين خلال فترتى رئاسة ترامب، وهناك عنصر آخر قابل للزيادة وهو الغاز، فالوضع متقلب للغاية.
ومتوقع أن تظهر التداعيات المترتبة على ارتفاع أسعار النفط سريعا، وستنتقل تكاليف النفط والغاز إلى أسعار السلع والخدمات، لا سيما تلك التى تعتمد على الشاحنات فى النقل، ومحتمل أن ترتفع أيضا تذاكر الطيران وهو ما حدث بالفعل، وسيتبع ذلك ارتفاع فواتير المواد الغذائية وأسعار الكهرباء إذا طالت الحرب.
ويتوقع أن تلعب إيران على وتر النفط بأقصى طاقة ممكنة لها كورقة أخيرة لضمان بقائها والانتصار فى هذه الحرب، وليس فقط عن طريق مضيق هرمز، بل عن طريق استهداف محطات توليد الطاقة ومصافى النفط فى الخليج، وهو ما يحدث بالفعل وسيؤدى إلى تفاقم التداعيات المالية للحرب إذا لم يتغير الوضع.
ورغم ارتباط مضيق هرمز بالنفط فإنه يعد شريانًا حيويًا لنقل الأسمدة التى كانت أساسًا مرتفعة الأسعار قبل الحرب الإيرانية، والآن يواجه المزارعون الأمريكيون صفعة قوية بسبب زراعات الربيع وارتفاع أسعار سماد اليوريا بسبب الحرب.
ومع استمرار العمل بالتعريفات الجمركية التى يسعى البيت الأبيض جاهدًا لإعادة العمل بها فيما يعرف بنظام التعريفات الجمركية الشاملة بنسبة 15 فى المائة الذى ألغته المحكمة العليا، وإذا استمرت الحرب فى إيران لأشهر؛ فسيزيد ذلك من الارتفاع المتوقع فى أسعار المواد الغذائية والأثاث، وغيرها الكثير.
ويواصل «ترامب» هجومه على حلفائه القدامى، لا سيما فى أوروبا. ومؤخرا، كانت إسبانيا هدفًا لغضبه عندما رفضت الحكومة السماح للطائرات الحربية الأمريكية باستخدام قواعدها فى الحرب مع إيران. وهدد ترامب حينها بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، العضو فى حلف شمال الأطلسى والاتحاد الأوروبى، ولا أحد يعلم أى دولة ستواجه الرئيس فى مأزق تالٍ.
وفى هذا السياق، قال السفير رخا حسن، مساعد المساعد الأسبق لوزير الخارجية: «ترامب» أخطأ فى اعتبار إيران كفنزويلا وأنه سينفذ ضربة خاطفة يغير بها النظام، ونسى النزعة الدينية والقومية الفارسية للإيرانيين، فالنظام الإيرانى نظام دينى لكنه نظام دستورى ناجح فى عملية انتقال وتداول السلطة، كما أن أهمية المرشد بالنسبة للطائفة الاثنى عشرية فى إيران وغيرها من الدول المجاورة كأهمية بابا الفاتيكان بالنسبة لمسيحى العالم، وقد غفل «ترامب» أن المساس بالمرشد سيجمع أتباعه حول العالم، حتى إن المعارضين لنظام الحكم فى إيران بعد التدخل الأمريكى وقفوا خلف النظام بسبب قوميتهم الفارسية التى لا تسمح لغريب بفرض رؤيته لبلادهم.
«حسن»، أكد أن «هناك انقسامًا حادًا حول ضربة ترامب لإيران وهو ما ظهر فى تصويت الكونجرس الذى أيّد الضربة بنسبة 53 فى المائة مقابل 47 فى المائة وهى نسبة متقاربة»، مضيفًا أن «إسرائيل ليست وحدها السبب فى هذه الحرب بل كره اليمين المتطرف الذى ينتمى إليه ترامب والدوائر القريبة منه فى الحكم للمسلمين هو دافع أساسى أيضا لما يحدث الآن، ويسعى ترامب ونتنياهو لإنهاء جميع أهدافهما قبل انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر القادم، والتى ستتأثر بالتأكيد بما يحدث الآن».
ورجح المساعد السابق لوزير الخارجية، أن الولايات المتحدة ستحمّل أعباء هذه الحرب أو على الأقل جزءا كبيرا منها لدول الخليج بدافع أنها كانت تحميها من الخطر الشيعى الإيرانى، وإذا لم تنتهِ هذه الحرب فإن كلفتها ستزيد لا سيما وسط الأنباء المسربة عن نفاد الذخيرة الأمريكية الإسرائيلية، واجتماع ترامب مع الأربع شركات الكبرى لإنتاج الأسلحة لمضاعفة الإنتاج للتمكن من مواصلة الحرب.