رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«توت عنخ آمون».. ضيوف مصر فى حضرة الملك الذهبى


5-11-2025 | 15:12

.

طباعة
كتبت: أمانى عبدالحميد

مائة عام من العزلة قضتها مقتنيات الملك توت عنخ آمون داخل أقبية المتحف المصرى بالتحرير، ومن قبلها أكثر من ثلاثة آلاف عام مكدسة ومتراصة داخل حجرة الكنز الضيقة فى مقبرته الملكية بوادى الملوك بمدينة الأقصر، لتعود للمرة الأولى منذ اكتشافها، تحيط بملكها وتمنحه هيبة الملكية، بكلمات يلقيها على كل مَن يراه: «لقد عدتُ إلى النور- وعاد معى مجد مصر الأبدى».

 

داخل قاعة مهيبة لن ترى العين فى جمالها، ووسط كنوز ذهبية لا مثيل لها فى العالم، يطلّ قناع الملك توت عنخ آمون يرقب كل مَن يدخل حرم قاعة العرش، بملامحه الصغيرة التى تفيض بالحكمة، بعيون واثقة تشعّ بحياة لم تنطفئ، ونظرة ثاقبة يتلألأ داخلها بريق خفىّ، وابتسامة بادية على استحياء، يتوسط البهو العظيم، حيث تنسدل إضاءة خافتة خفية، كأنها ذؤابة شعاع شمس قادمة من زمن سحيق، ليقف فى قلب دائرة من الضوء، تحت سقف مصمم كى يشابه قبة السماء، وكأن إشعاع الذهب يستمد نوره من أبدية الأهرامات.

إنها لحظة اللقاء التى انتظرها العالم أكثر من 100 عام، ها هو الملك توت عنخ آمون يخرج من جديد كى يعود إلى النور، يستقيم وسط أسرته وما يملكه، داخل قاعته التى لا تشبه غيرها من القاعات المتحفية، تخطف القلب قبل العين، تأسر كل مَن يراها، لا يملك أحد أمامها سوى الوقوف ذهولًا، ليتأمل قصة الحب الخالدة بين ملك وكنوزه، والتى باتت معلنة، ويمكن للعالم كى يتأملها على مهل.

هناك، داخل المتحف المصرى الكبير، الملك الذهبى لا يشيخ، حكم أرض مصر وهو طفل صغير لم يتجاوز التاسعة من عمره، عاش سنوات شاقة مليئة بالتحدى والمرض، ورحل دون أن يكمل عامه التاسع عشر قبل أن يذكره التاريخ كملك عظيم مثل أجداده الملوك، وعلى الرغم من عراقته الملكية فإنه أصبح من أشهر ملوك مصر بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام من وفاته، عندما شاء القدر أن تبقى مقبرته الوحيدة التى لم تمتد إليها يد اللصوص، وظلت على حالها منذ أن دخلها الملك الصغير، مغلقة بأختامها الملكية حتى عام 1922، حين أضاءت مصابيح الجاز البدائية باطن الأرض، ووقف هوارد كارتر مذهولا أمام مشهد لم ترَ مثله البشرية، كنوز من ذهب وأحجار كريمة ومقتنيات مذهلة، تحكى عن حياة ملك ذهبى وموته المقدس.

ومنذ اكتشاف المقبرة، ظلت مقتنيات الملك توت عنخ آمون تتنقل بين المخازن والمتاحف، حبيسة الصناديق لعقود، دون أن تنعم بالضوء الذى يليق بها، حتى قررت الدولة المصرية بناء متحف عملاق يليق بحضارتها وبتاريخ ملوكها المعظّمين، وهو القرار الذى أنهى عزلة الملك الذهبى وأخرج كنوزه إلى ضوء النهار مرة أخرى.

وفى واحدة من أعظم عمليات النقل الأثرى فى التاريخ، انتقلت 5992 قطعة من كنوز الملك، معظمها لم يُعرض من قبل، إلى معامل الترميم بالمتحف، هناك، استعادت بريقها الملكى، وتنفست بعد صمت آلاف السنين، الرحلة لم تكن مجرد نقل مقتنيات، بل كانت إعادة بعث للروح المصرية القديمة، نالت ما تستحقه من رعاية واهتمام وتوثيق، وخضعت كل قطعة منها للفحص والتدقيق والترميم، حتى تخرج فى أبهى صورة لها، كما أبدعت صناعتها أيدى المصرى القديم أول مرة.

واليوم، ما إن يعبر الزائر عتبة قاعة الملك توت عنخ آمون حتى يشعر أنه قد دخل معبدًا للدهشة، قاعة تشبه قلب المقبرة الأصلية فى وادى الملوك، لكنها تتنفس فى فضاء عصرى بديع، يجمع بين القداسة والحداثة، فيها توزعت مقتنيات الملك فى تسلسل يحكى قصة حياته، من طفولته الملكية إلى عرشه، حتى طقوس موته ورحلته إلى العالم الآخر، حيث تأخذنا مقتنيات الملك التى تمثل حياته اليومية، مثل المقاصير الخشبية الذهبية المزخرفة، والمقاعد المطعّمة بالعاج، والأوانى المرمرية، ثم تتوالى رموز السلطة، مثل العصا والصولجان والتاج الملكى.

وفى وسط القاعة المتسعة يكمن الإبهار، للمرة الأولى تتراصّ العجلات الحربية التى خاض بها الملك رحلاته، والأقنعة والأوانى الكانوبية التى حفظت أعضاءه بعد التحنيط، ثم يكتمل المشهد فى النهاية أمام القناع الذهبى الملكى كتحفة تمثل وجه الخلود أمام أعين البشرية جمعاء، وهناك يقف القناع الملكى فى منتصف القاعة داخل فاترينة عرض زجاجية مصممة على أحدث ما توصل إليه علم المتاحف، مقاومة للزلازل والتقلبات الجوية، تسكن داخلها وسط درجة حرارة ورطوبة مضبوطة بدقة، بينما تتعانق معها الشاشات التفاعلية التى تتيح للزائرين رؤية تفاصيل دقيقة لم تكن تُرى بالعين المجردة من قبل.

فلسفة العرض المتحفى لم تقُم على فكرة عرض المقتنيات الثمينة فقط، لكنها تعيد بناء عالم الملك بكل طقوسه ومعتقداته، فالملك قد يموت لكن الحضارة خالدة ولن تموت، فاعتمدت على السرد الزمنى والإنسانى، بحيث يمر الزائر فى تجربة تمزج بين التاريخ والعاطفة، ففى كل زاوية من زوايا القاعة هناك حكاية، ولكل قطعة معنى، الصوت الخافت للترانيم المصرية القديمة، والظلال التى تتحرك مع الإضاءة، تجعل الزائر يشعر وكأنه فى رحلة مقدسة داخل كتاب الموتى، يعيش لحظة انتقال الملك من الحياة إلى الخلود، كى تصبح التجربة روحانية عاطفية، وليست بصرية فحسب.

داخل قاعة الملك الذهبى تتحدث الحضارة بلغة التكنولوجيا دون أن تفقد وقارها، فهى مزوّدة بتقنيات عرض رقمية تمنح للزائر الفرصة كى يرى ما وراء الذهب، كيف صنع المصرى القديم تلك القطع البديعة، وأى مواد استخدمها، وما رمزية كل تفصيلة من زخارفها، حيث إن كل شاشة تفاعلية، وكل نموذج مجسم، وكل صوت خافت؛ تم توظيفه لشرح شيء لا تراه العين فقط، بل تفهمه الذاكرة، على سبيل المثال يستطيع الزائر أن يرى نسخة رقمية ثلاثية الأبعاد للمقبرة الأصلية للملك، ويستطيع أن يتنقل داخلها كما تنقّل من قبله مكتشفها «كارتر»، وأن يقارن بين حالة القطعة الأثرية أمامه ومقارنتها بوضعها، كما كانت فى اللحظة التى اكتشفها قبل أكثر من مائة عام مضت.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة