رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

هُدَيات مصر.. الهُدى والنور والصبايا الحور


28-8-2025 | 16:22

.

طباعة
بقلـم: د. جيهان زكى

شَمسُ الـ«هُدى»

فى القلبِ تُشرقُ ساطِعَهْ
تَمحُو الدُّجى

والروحُ تَغدو خاشعة

أما قلب المعجم فقد رادف اسم «هُدى» بالرشاد والاستقامة..

ومن آيات القرآن الكريم، (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) سورة البقرة ـ آية 120

وتَوَج قاموس الأسماء «هدى» بتتويجها على رأس قائمة الأسماء المؤنثة التى توحى بالطمأنينة والنور والهداية.

وعلى امتداد التاريخ المصرى الحديث، كان اسم «هدى» قد ارتبط بعدد من هذه الشخصيات، التى تحولت إلى رموز تركت بصمات عميقة فى مجالات السياسة، الفن، الفكر، والمجتمع، حتى صار من الممكِن أن نطلق عليهن هديات مصر.

 

أسمعك عزيزى القارئ وأنت تُعلى صوتك فور قراءة عنوان المقال وتنطق باسم هدى شعراوى! بالفعل، كل الحق عندك..

فإن هذا الاسم يأتى فى تاريخ مصر المعاصر على رأس قائمة هديات مصر كرائدة فى قضايا المرأة، وأيقونة لحركة الدفاع عن حقوق المرأة فى بداية القرن العشرين.

دعنى هنا أصطحبك داخل أروقة هذه الأيام، وأرسم لك فى أسطر وجيزة بورتريه لهذه السيدة، التى ولدت من قلب الصعيد ونشأت على حكاوى أمها وجدتها، وتفردت فى شبابها بالكلمة الحكيمة لاسيما المختلفة واختيارات صعبة لاسيما متميزة بالفطنة والجراءة.

كانت شخصية هدى تجمع بين الأناقة الأرستقراطية وبين الشجاعة الثورية، وبين الوعى الوطنى والانفتاح العالمى، وكانت هذه الخلطة السحرية بدون شك حافزا لها لقيادة حركة الدفاع عن حقوق المرأة، وتأسيس «الاتحاد النسائى المصري» الذى صار منبرًا للمطالبة بحقوق النساء فى التعليم، والعمل، والمشاركة السياسية للبدء هكذا فى مرحلة جديدة من تمكين المرأة المصرية.

لا تُعتبر هدى شعراوى فقط رائدة فى قضايا المرأة، بل كانت أيضًا جزءًا لا يتجزأ من الحركة الوطنية المصرية، وكانت مقالاتها وخطاباتها تترك أثرًا فعالا على المجتمع؛ حتى إنها اعتبرت أيقونة لمرحلة كاملة من التحول الاجتماعى والسياسى فى مصر.

أما عن نشأة هذه السيدة المصرية القوية، فقد جاءت فى بيت أرستقراطى عام 1879، وأسرة مدركة أن التعليم هو مفتاح الحرية، فساعدتها فى معركتها الكبرى للمطالبة بالتعليم للنساء جميعًا.

سطع نجمها بقوة مع ثورة 1919، حيث خرجت إلى الشوارع وسط النساء؛ لتشارك فى المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، وإثبات أن قضية الوطن لا تنفصل عن قضية المرأة. ومن هنا، برزت كزعيمة نسائية وسياسية فى آنٍ واحدٍ.

وسطع نجمها على الساحة الدولية؛ حين برزت بخطابها الملهم فى المؤتمر الدولى للمرأة فى روما عام 1923، وكان هذا إعلانًا عن ميلاد عهد جديد: عهد تؤكد فيه المرأة المصرية أنها شريكة فى الفضاء العام وليس مجرد ظل فى البيت!

أما فى عالم الفن السابع..

«إن كنت ناسى أفكرك»

 هدى سلطان، نجمة عصرها وأيقونة المسرح وشاشة السينما، صوتها الدافئ وأدوارها المؤثرة جعلتها وجهًا من وجوه مصر المضيئة فى منتصف القرن العشرين، امرأة حملت ملامح القوة ودفء القلب معًا!

على عكس هدى شعراوى التى وُلدت وجاءت فى بيت أرستقراطى عام 1879 فقد ولدت هدى سلطان فى بيت بسيط فى طنطا عام 1925 باسم بهية عبد الغنى الحوّا، لكن القدر أراد لها طريقًا مختلفًا، فشقيقها الأصغر، المطرب والملحن محمد فوزي، فتح أمامها بوابة الفن. ومنذ اللحظة الأولى التى وقفت فيها أمام الميكروفون، كان واضحًا أن صوتها يحمل شيئًا من الأرض المصرية: صلابة الحقول وحنان النيل. وسرعان ما انتقلت إلى السينما، حيث صارت إحدى نجمات الجيل الذهبي. أدوارها لم تكن مجرد تمثيل، بل كانت مرآة للمرأة المصرية: الزوجة الصبورة، الأم الحنون، والمرأة الشعبية التى تواجه قسوة الحياة بصلابة. فى فيلم امرأة على الطريق وقفت بجوار رشدى أباظة وشادية، وأعادت للأذهان صورة الأم الأسطورية التى تحفظ البيت لكن وراء الأدوار، كانت هناك شخصية مختلفة قوية مع زملائها، صارمة فى اختياراتها، واثقة من نفسها، لكنها فى الوقت ذاته حنونة على أسرتها. زواجها من فريد شوقى جمع بين الفن والحياة، وأنجبا أبناءً وذكريات، ثم انتهى، لكنها بقيت واقفة، كما اعتادها جمهورها دومًا صوتها فى الغناء ظل يرافق المصريين بأغانيها الشعبية والرومانسية، بينما ملامحها على الشاشة بقيت رمزًا للمرأة الأصيلة. حتى بعد رحيلها عام 2006، ظل اسمها حاضرًا فى ذاكرة الفن، ليس فقط كفنانة كبيرة، بل كسيدة حملت هوية مصرية صافية، تجمع بين الصلابة والعاطفة، بين القوة والدفء.

أما فى المسرح والفكر النقدي، فقد صنعت هدى وصفى لنفسها مكانة فريدة كأكاديمية وناقدة مسرحية. فهى صاحبة مقولة «إن المسرح ليس ترفًا، بل فعل حياة، وأن الفن قادر على أن يغير وعى الناس ويمنحهم أفقًا جديدًا».

وعندما يُذكر المسرح التجريبى فى مصر، لا بد أن يتردد اسم هدى وصفى التى أسست مرحلة جديدة فى المسرح التجريبى بمصر، وأدارت مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى لسنوات، فاتحة الباب أمام جيل كامل من المسرحيين، منذ بداياته فى أوائل التسعينيات. كما، فتحت أبواب مصر أمام عروض من مختلف أنحاء العالم؛ لتجعل القاهرة ملتقى للتجارب المسرحية العالمية، وفى المقابل، منحت المسرحيين المصريين فرصة للاحتكاك بتيارات حديثة وصوت عالمي. حيث كان المهرجان فى زمنها ورشة كبرى للفكر والفن، ونافذة يرى منها الجمهور والمبدعون معًا وجوهًا جديدة للمسرح.

وفى شبابها اختارت أن تسلك طريقًا صعبًا فى زمن كان فيه النقد المسرحى حكرًا على أسماء قليلة. درست الأدب الفرنسى والمسرح، وانفتحت على المدارس الفنية فى أوروبا، لكنها حين عادت إلى القاهرة، لم تحمل معها مجرد أفكار نظرية، بل مشروعاً لتجديد المسرح المصري. لم تكن هدى وصفى مجرد مسئولة إدارية، بل كانت امرأة ذات رؤية ثقافية شاملة، وقد آمنت بالثقافة كجسر للتواصل بين الشعوب، واعتبرت المسرح أداة لمخاطبة الوعي، لا مجرد متعة لحظية. ولهذا، ظل تأثيرها ممتدًا حتى بعد ابتعادها عن المناصب، فاسمها ظل محفورًا كأستاذة وموجهة لجيل كامل من المسرحيين. صحيح أنها رحلت عام 2012، لكن حضورها لم يغادر الذاكرة. وبقيت سيرتها دليلاً على أن المرأة المصرية قادرة على أن تقود مشروعًا ثقافيًا ضخمًا بوعى وجرأة، وأن المسرح، حين يجد عقلًا مؤمنًا به مثل عقلها، يمكن أن يصبح وطنًا للفكر والحرية معًا!

واستكمالا لما بدأته رائدات النهضة النسائية، تواصل (هدى بدران) مسيرة الدفاع عن حقوق المرأة من موقعها كناشطة ورئيسة الاتحاد النوعى لنساء مصر، وتعمل على تمكين النساء اقتصاديًا وسياسيًا، وتبذل جهودًا لمواجهة العنف والتمييز.

فمن قلب الحراك الاجتماعى والسياسى بمصر خلال العقود الأخيرة، برز اسم هدى بدران كواحد من الأصوات النسائية التى حملت هموم المرأة المصرية إلى الساحة العامة. لم تكن مجرد ناشطة حقوقية، بل جسّدت صورة المرأة القائدة التى تؤمن أن التغيير يبدأ من تمكين النساء، وأن النهضة لا تكتمل دون مشاركتهن.

شغلت بدران موقع رئيسة الاتحاد النوعى لنساء مصر، كما عملت لفترة كأمينة عامة للاتحاد النسائى العربى ومن خلال هذه المواقع، سعت إلى بناء شبكة واسعة من الجمعيات النسوية والمبادرات القاعدية التى تدافع عن قضايا النساء فى القرى والمدن على السواء.

مشروعاتها تنوعت بين تمكين النساء اقتصاديًا عبر مشروعات صغيرة، ومناهضة العنف ضد المرأة، وتعزيز مشاركة النساء فى الحياة السياسية، وكانت من الأصوات التى ظهرت بقوة بعد ثورة يناير 2011، حيث رفعت شعار أن «الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى دون النساء.

فهى تنتمى إلى جيل تربى على إرث هدى شعراوى ودور الاتحاد النسائى المصري، لكنها فى الوقت نفسه أدركت أن معارك القرن الحادى والعشرين تختلف: الفقر، العنف الأسري، الحقوق الاقتصادية، والمشاركة السياسية.

فى كل ظهور إعلامى أو ندوة، تكون هدى بدران متحدثة واضحة وصريحة، لا تخشى مواجهة التيارات المحافظة، ولا تتردد فى نقد السياسات التى تهمش النساء. لذلك، صارت رمزًا للمرأة التى لم تكتفِ بالتنظير، بل نزلت إلى أرض الواقع، لتصنع من الجمعيات الأهلية قوة ضغط حقيقية.

اليوم، تُذكر هدى بدران باعتبارها امتدادًا عصريًا لخط طويل من رائدات الحركة النسائية المصرية، لكن مع خصوصية تجعلها مختلفة: فهى امرأة عملية، واقعية، وميدانية، تؤمن أن التغيير لا يأتى من القاعات المغلقة وحدها، بل من الشارع والقرية والمدرسة ومكان العمل.

ومن بين سفيرات مصر كان هناك دبلوماسية مصرية سجل التاريخ أنها أول فتاة مصرية تلتحق بالسلك الدبلوماسى المصري، وتعمل بوزارة الخارجية المصرية بعد حصولها على ليسانس الآداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة الإسكندرية فى أوائل ستينيات القرن العشرين وهى هدى المراسي.

تلك الفتاة السمراء المهذبة، التى تكتسى ملامح وجهها بالابتسام دوما كانت قد لفتت انتباه الجميع، حينما تجرأت وتقدمت للاختبار السنوى الذى تعقده وزارة الخارجية المصرية لاختيار موظفيها الجدد، وقد اجتازت «هدى المراسي» ذلك الاختبار بكل ثقة واقتدار وعن جدارة واستحقاق، وكان ترتيبها هو الأول على جميع المتقدمين للاختبار فى ذلك الوقت.

ما أجمل أن تتحلى الفتاة بأناقة الفكرة والجرأة والإقدام! وما أروع أن تكون مثلا وقدوة لشابات اليوم!

عود على بدء..

بدأت هدى عملها بوزارة الخارجية فى إدارة البروتوكول والمراسم، وبعد مرور عامين تم اختيارها للعمل ملحقًا دبلوماسيًا فى السفارة المصرية بباريس، لتلفت أنظار الصحافة الفرنسية، وتكتب عنها الصحف الفرنسية وعن كفاءتها رغم حداثة سنها، فكانت بالكاد تخطت سن العشرين، إلا أنها كانت تتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة حتى يظن من يسمعها أنها فرنسية الأصل.

انتقلت هدى المراسى بعد ذلك للعمل فى السفارة المصرية فى داكار بالسنغال، ثم عملت كمستشار ووزير مفوض فى السفارة المصرية فى روما عاصمة إيطاليا، ليتم ترقيتها فى بداية تسعينيات القرن العشرين، وتحقق حلمها، وتصبح سفيرة لمصر فى العاصمة الإيطالية روما. وهنا كتبت صفحة مضيئة فى تاريخها كوجه دبلوماسى ناجح، ولكن أيضا كوجه نسائى نجح وتفوق فى ممارسة عمله على الساحة الدولية. توفيت عام 1992 بمستشفى شهير بفرنسا بعد إصابتها بهبوط حاد فى القلب وتقديرا لمسيرتها المهنية الاستثنائية، فقد كرمتها محافظة الإسكندرية بإطلاق اسمها على شارع بمنطقة لوران تخليدا لذكراها.

ومن رحاب جامعة القاهرة هناك هدى الصدة التى تتركز اهتماماتها البحثية فى مجال دراسات الجندر وحقوق النساء والدراسات الثقافية والأدب المقارن والتاريخ الشفوى وكتابات النساء.

وهى إحدى العلامات المضيئة التى جمعت بين الصرامة البحثية والالتزام المجتمعي. أستاذة الأدب الإنجليزى والمقارن بجامعة القاهرة، وناشطة نسوية مرموقة، استطاعت أن تضع بصمتها ليس فقط داخل قاعات الجامعات، بل أيضًا فى ساحات العمل العام.

تميز هدى الصدة يتجلى فى قدرتها على الجمع بين البحث العلمى والعمل المدني؛ فقد أسهمت فى تأسيس «مؤسسة المرأة والذاكرة»، التى تعد من أهم المبادرات الفكرية المعنية بإعادة قراءة التراث العربى من منظور نسوى نقدي. كما لعبت دورًا محوريًا فى لجنة الخمسين لوضع الدستور المصري، حيث قادت لجنة الحقوق والحريات، لتؤكد أن صوت المرأة يجب أن يكون حاضرًا فى صياغة مستقبل البلاد.

وعلى الصعيد الأكاديمي، تمتد إسهاماتها من جامعة القاهرة إلى جامعة مانشستر وجورجتاون، حيث حاضرت وبحثت فى قضايا الجندر والأدب والهوية. ولها مؤلفات رصينة أبرزها كتاب “الجندر والوطن والرواية العربية” الذى يُعد مرجعًا لفهم العلاقة المعقدة بين الأدب والسياسة والهوية فى العالم العربي.

إن تميز هدى الصدة لا يقتصر على كونها باحثة مرموقة، بل لأنها جعلت من المعرفة أداة تغيير فكري، ومن الدفاع عن حقوق النساء مشروعًا ثقافيًا متكاملًا. إنها واحدة من الأصوات التى تثبت أن الفكر يمكن أن يكون أداة لفتح مسارات جديدة نحو الاتزان المجتمعي.

ومن هدى الصدة التى تركت بصمة فكرية ومجتمعية بارزة فى ساحة الثقافة العربية، إلى الفتاة المكافحة الموهوبة «هدى» فى سيناريوهات الفن السابع. فعلى شاشة السينما، تمتعنا بقصتين، الأولى جاءت عام 1949 حين برزت نور الهدى فى عمل اجتماعى تناول صراع الابنة مع زوجة أبيها قبل أن تشق طريقها إلى الغناء. وبعد عقد كامل، عادت لبنى عبد العزيز عام 1959 لتجسد مأساة رومانسية مؤثرة عن فتاة يتيمة تصارع مرضًا عضالًا وتعيش تجربة حب تنتهى بالفقد.

هكذا تنوعت الدلالات، وبقى الاسم شاهدًا على تنوع صور المرأة بين القوة والانكسار، والطموح والألم ولكن فى الحالتين يظل «هدى» رمزًا لإصرار المرأة على التغلب على التحديات وصناعة الأمل.

وأختم مقالى هذا بمقولة ديكارت:

 «الأمل هو أعظم دواء يمنحه الله للإنسان».