«توطين الصناعة» و«جذب الاستثمارات الأجنبية»، جناحا نسر الاقتصاد المصرى خلال السنوات القليلة الماضية. وفى هذا الإطار، تحركت الدولة المصرية مؤخرًا باتخاذ العديد من الإجراءات التحفيزية والتشجيعية من أجل حثّ المستثمرين الأجانب والمصريين على ضخ استثماراتهم، فى ظل حالة الاستقرار الأمنى والسياسى التى تمر بها مصر منذ فترة طويلة.
وفى كل مناسبة، لا يفوّت الرئيس السيسى الفرصة دون التأكيد على ضرورة توطين الصناعات المختلفة فى مصر محليًا، مع نقل التكنولوجيا للمصريين من أجل الوصول إلى منتج محلى قادر على المنافسة فى الأسواق العالمية.
بداية، قال الدكتور محمد عبد الهادى، أستاذ الاقتصاد والتمويل فى الأكاديمية العربية المصرفية: إن الدولة المصرية خلال الفترة الماضية اتخذت مجموعة من الإجراءات الهامة لتوطين الصناعة وجذب الاستثمارات، منها - على سبيل المثال - التعديل الذى أقرّته الدولة فى الخريطة الاستثمارية، والتى بدورها تجذب الاستثمارات نحو الدولة المضيفة، بما يعنى أن كل دولة تحاول قدر الإمكان عرض خريطتها الاستثمارية مع توضيح مناخ الاستثمار فى الدولة من خلال تحديد القطاعات الهامة التى يجب الاستثمار فيها. وأفضل القطاعات التى ركزت عليها الدولة المصرية هو قطاع الطاقة، خاصة الطاقة النظيفة كـالطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأضاف «د. محمد» أن الدولة المصرية بدأت فى تدشين مبادرات من قبل البنك المركزى بأسعار فائدة منخفضة لتشجيع الاستثمار المباشر لضخ استثمارات داخل الدولة، فضلًا عن إتاحة «الرخصة الذهبية» بمزايا كبيرة للمستثمرين، والتى تتيح القيام بكافة الإجراءات التى يحتاجها المستثمر لإصدار التصاريح وتقنين أوضاعه من خلال «شباك واحد»، بعيدًا عن البيروقراطية التى تعكّر صفو المناخ الاستثمارى فى أى دولة. لذلك، فإن «الرخصة الذهبية» تعمل على تشجيع الاستثمار المباشر من خلال تبسيط وتيسير كافة الإجراءات اللازمة.
كما أوضح أن الدولة مؤخرًا اتبعت سياسة «المؤتمرات»، حيث تتم دعوة الدول وكبرى الشركات العالمية، وكذلك كبار المستثمرين من أجل عرض الفرص الاستثمارية المتاحة لدى الدولة المصرية. وبالفعل، أنتجت هذه السياسة اهتمامًا بالغًا من الصين بضخ استثمارات مباشرة فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الأمر الذى ساهم فى توطين الصناعة والتكنولوجيا داخل الأراضى المصرية فى العديد من الصناعات.
وأضاف أن الدولة المصرية عليها دور كبير فى جذب المستثمرين من أجل تكوين صناعة قوية، وذلك من خلال توفير حزمة إجراءات تحفيزية مثل طرح إعفاءات ضريبية وتوفير عدد من القروض الميسرة مع تخصيص أراضٍ صناعية بأسعار رمزية، وهو ما تحقق على أرض الواقع مع الصين، التى بدأت بالفعل فى توطين عدد من الصناعات محليًا.
ولفت «عبد الهادى» الانتباه إلى أن الفترة الماضية شهدت زيارة لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى إلى دولة اليابان من أجل تكرار التجربة الصينية وجذب استثمارات يابانية إلى الدولة المصرية، فضلًا عن تدريب الكوادر الشابة من أبناء الشعب المصرى، خاصة فى التكنولوجيا اليابانية المتميزة.
وأضاف أن «توطين التكنولوجيا والصناعة» ساهم بشكل كبير وإيجابى أداء الاقتصاد المصرى، فبجانب زيادة تدفق الأموال، فقد ساهم توطين الصناعة وجذب الاستثمارات فى تحسين مستوى أداء الجنيه المصرى أمام الدولار، وكذلك تقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج فى كثير من المجالات، ما يؤدى إلى توفير العملة الصعبة، مع تقليل نسبة البطالة بسبب المشروعات الصناعية المتعددة التى تنشأ جراء توطين الصناعة، إلى جانب زيادة الناتج المحلى الإجمالى للدولة المصرية.
وتابع: هناك الكثير من الصناعات المهمة التى أصبح إنتاجها محليًا وبأيدٍ مصرية، والتى انتشرت داخل السوق المحلى، كما توسعت الدولة المصرية فى تصديرها للخارج. ولكن، لا يزال أمامنا وقت حتى نستطيع منافسة الصناعات الأوروبية المتقدمة.
وشدّد أستاذ الاقتصاد والتمويل فى سياق حديثه على ضرورة زيادة الوعى لتغيير ثقافة المستهلك المصرى، حيث تتوارث الأجيال أفكارًا مغلوطة مفادها أن المنتج المستورد أفضل من المنتج المحلى، وهو اعتقاد خاطئ يحتاج من الإعلام التركيز على تصحيحه، مع العمل على تشجيع المنتج المحلي. كما يقع على الحكومة دور كبير فى توضيح مدى قوة المنتج المصرى وفاعليته عبر خطط تسويقية قوية ومناسبة للجمهور، وخاصة الشباب.
وأشار «د. محمد» إلى أن الدولة المصرية فى الآونة الأخيرة أطلقت عددًا من الاستراتيجيات التى تستهدف توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، والتى لا بد أن تؤتى ثمارها خلال الفترة الحالية، وبشكل أكثر وضوحًا خلال الفترة القادمة، وتحديدًا مع تحقيق رؤية مصر 2030.
ولفت إلى أنه ينبغى على الدولة المصرية خلال الفترة المقبلة أن تحدد صناعة بعينها يتم التركيز عليها من أجل توطينها والارتقاء بها وصولًا لأعلى مستويات الجودة العالمية فى الإنتاج، كما هو الحال فى العديد من التجارب حولنا، كتجربة دولة المغرب مع صناعة السيارات، وكما كان الحال فى الدولة المصرية فى أربعينيات القرن الماضى عندما كانت مصر معروفة عالميًا بصناعة القطن.
واختتم «د. محمد» حديثه بالتأكيد على ضرورة المضى قدمًا فى خطط الدولة نحو توطين الصناعة، باعتبارها المخرج الأساسى للنهوض بمعدلات النمو الاقتصادى بالدولة، وذلك عبر عودة شعار «صنع فى مصر» ورؤيته فى أكبر الأسواق الأوروبية والأمريكية.