ليس من اليسير الاقتراب من نص مسرحي عالمي بحجم "دائرة الطباشير القوقازية " للكاتب الألماني برتولد بريخت، فهذا العمل لا يقف عند حدود كونه حكاية درامية، بل يمثل مشروعًا فكريًا متكاملًا يعيد طرح أسئلة عدة من منظور فلسفي عميق، مستندًا إلى تقنيات المسرح الملحمي التي ابتكرها بريخت ليجعل المتلقي شريكًا في التفكير، لا مجرد متلقٍ ينجرف خلف العاطفة.
وتكمن القيمة الحقيقية لأي عرض يتصدى لهذا النص في قدرته على إنتاج رؤية جديدة، لا في مجرد إعادة تقديمه، فنجاح المخرج لا يُقاس بمدى التزامه الحرفي بالنص الأصلي، وإنما بقدرته على اكتشاف آفاق جديدة داخله، تمنح الجمهور قراءة معاصرة تتجاوز حدود الزمن الذي كُتب فيه.
ومن هذا المنطلق جاءت تجربة فريق أتيليه المسرح بكلية الفنون الجميلة بجامعة العاصمة، بقيادة المخرج عمر رأفت، لتؤكد أن المسرح الجامعي بات قادرًا على خوض مغامرات فكرية وجمالية حقيقية، فقد تعامل صناع العرض مع النص باعتباره كائنًا حيًا قابلًا لإعادة الاكتشاف، لا أثرًا كلاسيكيًا جامدًا، فنجحوا في بث روح جديدة فيه، جعلته أكثر قربًا من المتلقي المعاصر دون أن يفقد جوهره الفكري.
ولا يكتفي النص بطرح حكاية طفل تتنازع عليه امرأتان، بل يفتح أمام المشاهد مساحة رحبة للتأمل في مفهوم العدالة، ويطرح سؤالًا يظل حاضرًا حتى اللحظة الأخيرة: من الأحق بالامتلاك؟ أهي الأم التي أنجبته، أم تلك التي ضحت من أجله وربته؟
ومنذ اللحظات الأولى يضع العرض جمهوره داخل عالم مضطرب يظل فيه الإنسان البسيط الضحية الأولى، ولم يلجأ الكاتب إلى المباشرة أو الخطابة، بل نسج هذا العالم من خلال شخصيات تتحرك داخل واقع مأزوم، لتتحول كل شخصية إلى موقف فكري قبل أن تكون مجرد شخصية درامية.
وتتجلى قوة العرض في قدرته على تحويل النص، بعد إعداده على يد عمر رأفت، ورندا عصام، وجورج فارس، إلى مساحة للحوار العقلي والتأمل، بعيدًا عن الاستهلاك العاطفي، كما نجح البناء الدرامي في تصعيد الصراع تدريجيًا حتى بلغ ذروته في مشهد دائرة الطباشير، الذي تجاوز كونه اختبارًا للأمومة ليصبح محاكمة رمزية ينتصر فيها الضمير على النصوص الجامدة، ويعلو فيها الاستحقاق الإنساني على روابط الدم وحدها.
كما أتاح النص للمخرج مساحة رحبة لبناء رؤيته البصرية، لأن عالمه المسرحي لا يعتمد على الإبهار الشكلي بقدر اعتماده على الصورة الدالة، وهو ما جعل الحركة والإيقاع والعلاقات بين الشخصيات أدوات أساسية في إنتاج المعنى، وقد نجح المخرج عمر رأفت في استثمار هذه المساحة بوعي واضح، مقدمًا معالجة إخراجية انطلقت من فهم عميق لفلسفة النص قبل الانشغال بجمالياته الشكلية.
ولا تتجسد قيمة "حكايات دائرة الطباشير القوقازية" في نهايتها وحدها، وإنما في الرحلة الفكرية التي يخوضها المتلقي حتى يصل إليها. فالعمل لا يقدم إجابات جاهزة، بل يدعو الجمهور إلى مراجعة قناعاته، وإعادة النظر في معاييره وهو يصدر أحكامه على الشخصيات والأحداث.
وفي النهاية يؤكد العرض أن المسرح الحقيقي لا يكتفي بسرد الحكايات، وإنما يصنع الأسئلة الكبرى، ويضع الإنسان في مواجهة ضميره.
ومن أبرز عناصر قوة العرض اعتماده على البطولة الجماعية، بعيدًا عن فكرة النجم الأوحد، وهو ما منح جميع الممثلين مساحة متكافئة لإبراز قدراتهم. وقد ضم العرض مجموعة من المواهب الشابة، هم: يوسف معروف، زياد عشري، بيشوي عادل، ديفيد علاء، زياد وحيد، فريدة خالد، ياسمين علاء، سارة جميل، نور فيصل، مروان محمد، فيرونيا أشرف، اندراوس جوزيف، يسرا عبد اللطيف، عمر أنور، سلمى نبيل، عمرو عاطف، فريدة عبد العزيز، عمر عشري، فريدة فتحي، أدهم مجدي، سارة حاتم، جيسيكا أمجد، آدم الخطيب، ويوسف عمر رأفت.
وقدم هؤلاء الشباب أداءً جماعيًا منضبطًا، عكس فهمًا واعيًا لطبيعة الأداء البريختي، الذي لا يذوب فيه الممثل داخل الشخصية بصورة كاملة، وإنما يحتفظ بمسافة نقدية تسمح له بتقديمها بوصفها فكرة بقدر ما هي إنسان، واتسم الأداء بالوضوح والاتزان، مع قدرة ملحوظة على التنقل بين مستويات الانفعال المختلفة دون الوقوع في فخ المبالغة أو الميلودراما، وهو ما منح العرض قدرًا كبيرًا من الصدق الفني.
وعلى مستوى السينوغرافيا، جاءت الحلول البصرية معتمدة على الذكاء الفني أكثر من اعتمادها على الإمكانات الإنتاجية، فقد قدمت ندى عبد المجيد ديكورًا بسيطًا يتلاءم مع طبيعة المسرح الجامعي، دون أن يفقد قدرته على التعبير، حيث وظفت الأقفاص البلاستيكية داخل تشكيلات بصرية مبتكرة، استطاعت من خلالها أن تمنح الفضاء المسرحي دلالات متغيرة تخدم الحدث وتنسجم مع فلسفة العرض.
أما الإضاءة، التي صممها صابر السيد، فلم تؤدِّ دورها التقليدي في إنارة الخشبة فحسب، بل أصبحت عنصرًا دراميًا فاعلًا في تشكيل الحالة النفسية، متنقلة بانسيابية بين أجواء الحرب والمحاكمات والمشاهد الإنسانية.
ولعبت الموسيقى التي وضعها الدكتور مروان فوزي، ونفذتها مايا مندور، دورًا مؤثرًا في الربط بين المشاهد، وتعزيز الإيقاع الدرامي، دون أن تطغى على الحدث أو تزاحم أداء الممثلين، بما يعكس وعيًا بأهمية الموسيقى بوصفها عنصرًا مكملًا للبناء المسرحي.
كما جاءت الأزياء، التي صممتها هند الشيمي، متوافقة مع البيئة الدرامية للنص، ومتناغمة مع أبعاده الرمزية، فأسهمت في رسم ملامح الشخصيات وتعزيز الهوية البصرية للعالم المسرحي.
وفي المجمل، يقدم عرض "حكايات دائرة الطباشير القوقازية" تجربة تؤكد التطور اللافت الذي يشهده المسرح الجامعي في السنوات الأخيرة، فلم يعد مجرد نشاط طلابي أو مساحة للتدريب، بل أصبح فضاءً حقيقيًا للتجريب والبحث الجمالي، قادرًا على إنتاج عروض تمتلك رؤية فكرية وفنية واضحة، وتحاور نصوص المسرح العالمي بثقة ووعي.
ويأتي اختيار العرض ضمن أفضل عروض مهرجان جامعة العاصمة، ثم تقديمه على خشبة مسرح نهاد صليحة، ليؤكد المستوى الفني الذي وصل إليه فريق العمل، ويعكس امتلاك هذه التجربة لمقومات تؤهلها لمواصلة التطور، والمنافسة بقوة في المهرجانات المسرحية الأكبر، بما يجعلها واحدة من التجارب الجامعية الجديرة بالاحتفاء والتوثيق.