نواصل حديثنا عن ملامح وعناصر انهيار المشروع الصهيونى فى المنطقة والعالم، ونتحدث اليوم عن الأمساخ التكنولوجية والعقائدية والقانونية، وهى أمساخ حولت الجندى الصهيونى إلى مسخ غير أخلاقى، يزعم الليبرالية والتحرر، وهو يمارس القتل والإبادة باعتبارها عبادة وعقيدة!
هذا هو محور الفصل السادس من دراستنا تلك، وهو يتناول (الأمساخ الأخلاقية)، حين يرتد الاعتلال البنيوى إلى الداخل، (المختبر السلوكى الصهيونى، وديناميكية التآكل الذاتى)، فبعد أن استعرضنا تشريح (الصهيونى الوظيفى) فى تجلياته الخارجية، وبعد أن كشفنا خديعة الترجمة والتضليل اللغوى التى تمهد الطريق لكل ذلك، لابد أن ننتقل إلى مستوى أعمق وأكثر إيلاما من التحليل، تشريح الأمساخ الأخلاقية، التى يفرزها الاعتلال البنيوى من داخل المجتمع الصهيونى ذاته، فإذا كان الصهيونى الوظيفى يؤدى دورا فى المنظومة الداعمة من الخارج، وإذا كان الصهيونى الوظيفى اللغوى يسمم الوعى بالكلمات، فإن المسخ الأخلاقى هو نتاج عضوى للبنية الداخلية المعتلة، وهو تجسيد حى لما يحدث للإنسان عندما يتحول لأداة وظيفية فى ماكينة الاحتلال والإبادة .
إن إسقاط مفهوم (الأمساخ الأخلاقية) على الكيان الصهيونى يكشف عن حالة فريدة من المختبر السلوكى، فالمجتمع الصهيونى بحكم طبيعة نشأته الاستعمارية الاحتلالية، طور آليات متقدمة لتحويل أفراده إلى أدوات وظيفية لممارسة القمع والإبادة، ليس فقط ضد الآخر الفلسطينى، بل كعملية تحويل داخلى تعيد صياغة الإنسان الصهيونى نفسه ليكون متوافقا بالكامل مع بنية الاحتلال ومتطلباته الأخلاقية المنحرفة، وهذه العملية ليست إنتاج جنود أو مستوطنين، بل هى إنتاج كائنات أخلاقية جديدة أعيدت برمجتها بالكامل.
ولفهم هذه الظاهرة بعمق يجب أن ننتقل من التحليل الفلسفى العام إلى التشريح الملموس لنماذج هذه الأمساخ وكيفية اشتغالها داخل المجتمع الصهيونى.
أولا : نماذج الأمساخ الوظيفية فى السياق الصهيونى:
• المسخ التكنولوجى.. قنص الأرقام واختفاء الدم: فى طليعة هذه الأمساخ يقف ما يمكن تسميته (المسخ التكنولوجى) وهو نتاج التزاوج المشؤوم بين التكنولوجيا العسكرية المتطورة، والاغتراب الأخلاقى الكامل، وخير مثال على ذلك هو العاملون فى وحدات النخبة التكنولوجية مثل (الوحدة 8200) الاستخبارية، والتى تستخدم خوارزميات متقدمة وذكاء اصطناعيا لتحديد الأهداف البشرية فى قطاع غزة والضفة الغربية، وفى هذا السياق يتحول الضابط أو المحلل إلى مسخ أخلاقى من نوع خاص: إنه لا يرى دماء، ولا يسمع صراخا، ولا يشهد معاناة، كل ما يراه أمامه على شاشة حاسوبه هو (بيانات، وأهداف وأرقام) فيتم نسف مربع سكنى بالكامل، يضم مئات العائلات والأطفال والنساء، بناء على توصية من نظام ذكاء اصطناعى حلل أنماطا سلوكية، أو اتصالات مشبوهة، وفى هذه العملية يتم تحييد الأخلاق بالكامل لصالح الكفاءة والتقنية والدقة التكنولوجية!.
والمأساة الأعماق تكمن فى الانفصام الذى يعيشه هذا المسخ، فهو بعد أن ينهى نوبة عمله التى أصدر خلالها أوامر أدت إلى مقتل عشرات المدنيين، يعود إلى منزله فى تل أبيب أو حيفا أو أى مغتصبة كانت ليمارس حياته كشاب ليبرالى متمدن، يذهب إلى المقهى، ويشاهد فيلما، ويتناقش فى السياسة، ويغضب من انتهاكات حقوق الإنسان فى أى مكان آخر فى العالم، مفصولا تماما بين وظيفته كآلة قتل، وحياته كإنسان، هذا الانفصام، وهذه القدرة على العيش فى جزيرتين أخلاقيتين منفصلتين تماما، هو جوهر المسخ التكنولوجى، إنه إنسان فقد القدرة على الربط بين الفعل والنتيجة، بين الضغط على الزر وسقوط الجثث، بين الخوارزمية والمجازر!.
• المسخ العقائدى.. فتات الدم وتطهير المقدس: إنه على الطرف الآخر من الطيف يقف المسخ العقائدى، وهو التجسيد الأكثر فجاجة وبدائية للتحول الأخلاقى، يمثل (فتية التلال وميليشيات المستوطنين المسلحة)، النموذج الأكثر تطرفا لهذا المسخ، هؤلاء ليسوا مجرد جنود أو مستوطنين عاديين، بل هم نتاج عملية شحن أيديولوجى مكثف تمارسها مؤسسات دينية وتعليمية كاملة، تعيد قراءة النصوص التوراتية بطريقة تحول الفلسطينى ليس إلى عدو وجودى مطلق، بل إلى (نجس) يجب تطهير الأرض منه!.
وفى وعى هؤلاء أن هذا الفلسطينى تم إخراجه بالكامل من دائرة البشر، لم يعد جارا ولا إنسانا له حقوق، ولا حتى عدوا محترما، إنه مجرد عائق فى طريق تحقيق المشروع الإلهى، أو حجر عثرة فى مسيرة (الاستيطان المقدس)، وعندما يهاجم هؤلاء قرى مثل (حواره ودوما)، ويحرقون البيوت والممتلكات، ويقتلون الأبرياء، فإنهم لا يرون فى أفعالهم جرائم بالمعنى القانونى أو الأخلاقى بل يرونها تطهيراً للمقدس وتنفيذا للمشيئة الإلهية!..
إنهم أمساخ أخلاقية تمت إعادة برمجتها بالكامل بحيث أصبحت قادرة على ارتكاب أبشع الجرائم بضمير مرتاح، بل بشعور من الفخر والرضا الدينى، هذا المسخ هو أخطر أنواع الأمساخ لأنه لا يعانى من أى تأنيب للضمير، بل يحول جريمته لفضيلة وعبادة!.
• المسخ القانونى.. شرعنة الجريمة وتجميل القبح: وهو المسخ الأكثر خبثا وتأثيرا على المدى الطويل، هؤلاء هم القضاة والمستشارون والأكاديميون المتخصصون فى القانون الدولى، الذين يستخدمون معرفتهم القانونية ليس لتحقيق العدالة بل للعثور على ثغرات وتفسيرات واجتهادات تبرر الممارسات الإسرائيلية أمام العالم.
هؤلاء هم أمساخ يرتدون الأردية السوداء (إشارة إلى لبس القضاة)، وظيفتهم الأساسية هى تحويل الإبادة والتطهير العرقى والاحتلال إلى إجراء قانونى مقبول دوليا، أو على الأقل قابل للجدل، إنهم يبتكرون المبررات القانونية لهدم المنازل بدعوى البناء غير المرخص، وللتعذيب بدعوى الضرورة الأمنية، ولقصف المستشفيات والمدارس بدعوى استخدامها من قبل المسلحين، وللاستيطان بدعوى أن الأرض متنازع عليها، إنهم يحولون (الخطيئة الأصلية) التى تحدث عنها (بابى) إلى (حق قانونى)، ويحولون (الأبارتهايد) الذى وثقته المنظمات القانونية إلى وضع مؤقت أو إجراءات أمنية استثنائية، هذا المسخ القانونى هو العمود الفقرى لاستمرار المشروع، لأنه يوفر الغطاء الشرعى الذى يسمح للمسخ التكنولوجى والعقائدى بمواصلة العدوان دون خوف من المساءلة القانونية الجادة، وهو قريب جدا فى وظيفته من الصهيونى الوظيفى اللغوى، الذى يحرف المصطلحات!.