تتفق الأطروحات حول الأعمار فى الرؤية الإسلامية على أنها من مفاتيح الغيب الخمسة التى استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمها. فمهما بلغ تقدم الطب، تظل آجال البشر، ومقادير الأعمار، ولحظات نهايتها مجهولة تمامًا للخلق، وحبيسة الغيب المطلق. يقول الشيخ ابن باز فى فتاواه: «لا يعلم الغيب إلا الله»، ليكون ذلك تأصيلًا شرعيًا واضحًا بأن علم الغيب، بما فيه مواعيد الموت وانتهاء العمر، أمر يختص به الله وحده، ولا يعلمه نبى مرسل ولا ملك مقرب.
ويُعرَّف عالم الغيب فلسفيًا بأنه كل ما يتجاوز حدود الحواس الإنسانية والعقل التجريبي. ويتقاطع هذا المفهوم مع مباحث الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)، حيث يحاول الفلاسفة فهم الحقائق المطلقة، وطبيعة الوجود، وماهية المطلق، من خلال التأمل العقلى والمنطق، بعيدًا عن القيود المادية.
ولعل أبرز المحطات الفلسفية فى مقاربة عالم الغيب هى الفلسفة اليونانية الكلاسيكية، التى تحتل مكانة بارزة فى هذا المجال. فنجد أن أفلاطون قسم الوجود إلى عالم المثل، وهو عالم الحقائق المطلقة الثابتة، وعالم المحسوسات، وهو عالم الشهادة والظلال المتغيرة. واعتبر أن المعرفة الحقيقية تأتى من إدراك عالم المثل بالعقل، لا بالحواس.
إن عالم الغيب هو كل ما غاب عن حواس الإنسان وعقله المحدود ولم يدركه. ويتقاطع هذا المفهوم فى الفلسفة مع مباحث الميتافيزيقا، التى تبحث فى ما وراء الطبيعة، والحقيقة المطلقة، والوجود الخفي، وأصل الأشياء، وماهية الكون خارج حدود التجربة المادية، ويعتمد إدراك عالم الغيب على التلقى الإيمانى ومصادر المعرفة الدينية والوحي، ولا يمكن استنتاجه بالعقل المجرد أو بالتجربة العلمية المحسوسة.
فالغيب لا يُستدل عليه بعقل مجرد، بل يُؤمن به ضمن منظومة دينية تؤطر المعرفة وتحدد مصادرها وهذه المقولة صحيحة؛ إذ تلخص منهجية التفكير السليم فى تلقى العقائد. فالعقل البشري، رغم عظمته، محكوم بحدود الزمان والمكان وعالم الشهادة، ولذلك لا يستطيع، اعتمادًا على الحواس والتجربة وحدهما، إدراك الغيبيات بصورة مستقلة.
وتتلخص حدود العقل وعلاقته بالغيب فيما يأتي:
أولًا: محدودية الإدراك
العقل أداة لاكتشاف قوانين عالم الشهادة، أى الكون والطبيعة، لكنه قاصر عن الإحاطة بعالم الغيب، كالذات الإلهية، والملائكة، واليوم الآخر؛ لأن هذه الأمور غائبة عن الحس والقياس المادي.
ثانيًا: مصدر المعرفة الغيبية
السبيل الوحيد لمعرفة الغيب هو الخبر الصادق، أو الوحى الإلهى المتمثل فى القرآن الكريم، وليس الاجتهاد العقلى وحده. وللعقل دور محوري، لكنه دور تصديقى لا استكشافي؛ إذ تتمثل وظيفته فى إثبات صدق الرسول الذى جاء بالوحي، ثم التسليم بما يخبر به من أمور الغيب.
وهكذا تظل الأعمار من أمور الغيب، فلا يعلم المرء متى ينتهى أجله، وإنما يعيش وفق ما قدره الله له. فلا يدرى الإنسان متى يحين أجله، فالأعمار بيد الله سبحانه وتعالى.
ولهذا، كان على الإنسان أن يسعى فى حياته إلى مداومة العمل الصالح، وإتقان عمله فى الدنيا، ليكون ذلك خير زاد له بعد الرحيل. ويقترن هذا السعى بشعور الإنسان بالرضا والسلام الداخلي، الناتج عن أداء مسؤولياته بأمانة وصدق، حتى إذا حان موعد الرحيل ترك وراءه أثرًا طيبًا، وبصمة إيجابية، تدفع الآخرين إلى ذكره بالخير، والدعاء له بالرحمة والمغفرة.