فى كل صيف، تشهد المدن الساحلية المصرية حركة غير مسبوقة من المواطنين والسياح، تتحول معها هذه المدن إلى مراكز اقتصادية نابضة بالحياة. لا يقتصر الأمر على الجانب الترفيهى فحسب، بل يمتد ليشمل قطاعات عدة؛ العقارات، السياحة الداخلية والخارجية، المطاعم، المقاهي، الأسواق التجارية، والخدمات الموسمية، هذا الحراك الاقتصادى يعود بفوائد جمة على الاقتصاد الوطني، ويوفر آلاف بل ملايين فرص العمل، ويدعم خزينة الدولة عبر الإيرادات الضريبية والرسوم المختلفة.
فى هذا التقرير، ترصد «المصور» الأثر الاقتصادى للمصايف المصرية، وتستعرض جهود الدولة لتنظيم هذا القطاع الحيوي، وتعظيم عوائده، وتحويل المدن الساحلية الجديدة إلى نموذج تنموى متكامل.
تتمتع مصر بساحلين طويلين على البحر المتوسط والبحر الأحمر، بالإضافة إلى العديد من البحيرات والخلجان، مما يجعلها تمتلك مقومات سياحية فريدة. تمتد السواحل المصرية لنحو 3 آلاف كيلومتر، تتنوع بين شواطئ رملية خلابة، وشعاب مرجانية نادرة، ومنتجعات عالمية المستوى.
ثروة حقيقية من المصايف
تمتلك مصر ثروة حقيقية من المصايف التى تلبى احتياجات كافة مستويات الأسر المصرية، كما يقول الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولي، موضحا أن «لدينا مصايف راقية مثل شرم الشيخ والعلمين الجديدة، ومصايف متوسطة مثل الإسكندرية والغردقة، ومصايف شعبية تناسب الأسر الأقل دخلًا مثل بلطيم ورأس البر وجمصة، هذا التنوع هو ثراء بعينه، لأنه يضمن عدم إقصاء أى فئة، ويخلق حركة اقتصادية دائرية تشمل الجميع”.
ويشير إلى أن تنوع المنتج السياحى المصرى لا يقتصر على الشواطئ فقط، بل يمتد إلى السياحة الثقافية والطبيعية والدينية والعلاجية، مما يعزز من قدرة مصر على جذب السياح على مدار العام، وليس فقط فى موسم الصيف.
ويبين د. سالم أن انتقال المواطنين بأعداد كبيرة إلى المصايف خلال موسم الصيف يحدث حراكًا اقتصاديًا هائلًا، ينعش السياحة الداخلية، وينعكس إيجابًا على القطاعات المرتبطة بها. مضيفا: «عندما يقرر مليون مصطاف قضاء إجازتهم فى مدينة ساحلية، فهذا يعنى طلبًا هائلًا على السكن المؤقت، والطعام، والشراب، والملابس، والهدايا، والترفيه، والمواصلات. كل هذا الطلب يترجم إلى إيرادات للفنادق، والشقق المفروشة، والمطاعم، والمحلات التجارية، وشركات النقل».
ويتابع: «حركة الشراء والبيع فى المدن المصيفية تشمل كافة السلع والخدمات. فعلى سبيل المثال، تشتهر مدينة دمياط بصناعة الحلوى، وتجد خلال موسم الصيف إقبالًا كبيرًا من المصطافين على شراء الحلوى الدمياطية، مما يدعم هذه الصناعة التقليدية ويوفر دخلاً للعديد من الأسر. كذلك، فى رأس البر، يتحول السوق المركزى إلى وجهة يومية للمصطافين، حيث يجدون كل ما يحتاجونه من ملابس وأحذية وإكسسوارات ومنتجات يدوية».
توفير فرص عمل
الخبير الاقتصادى يلفت إلى أن الحركة الصيفية توفر فرص عمل لنحو مليون مصرى بشكل مباشر أو غير مباشر، قائلا: «هذا الرقم ليس مبالغًا فيه، فهناك العاملون فى الفنادق والقرى السياحية، والعاملون فى المطاعم والكافيتريات، والباعة فى الأسواق، وسائقو سيارات الأجرة والحافلات، وشركات تنظيم الرحلات، وفرق النظافة والأمن، وغيرهم الكثير. بل إن المشروعات الكبرى مثل منتجعات البحر الأحمر وحدها وفرت أكثر من 170 ألف وظيفة حتى الآن، وفق إحصاءات رسمية».
ويشدد على أن قطاع السياحة يعد أحد أهم أركان الاقتصاد المصري، وهو ثالث أكبر مصدر للدخل القومى بالعملة الصعبة، بعد الصادرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج. قائلا: «العام الماضي، على سبيل المثال، بلغت إيرادات السياحة نحو 15 مليار دولار، وهو رقم كبير يعكس أهمية هذا القطاع، وعندما تنشط السياحة الداخلية، فإنها تعزز من قوة الشركات السياحية المصرية، وتجعلها أكثر قدرة على تقديم خدمات متميزة تجذب السائحين من الخارج. فالموسم الصيفى الناجح داخليًا هو تدريب عملى وإعداد مسبق للموسم السياحى الخارجي».
ويضيف: «السياحة المصرية ليست مجرد أرقام، بل صناعة متكاملة تشمل النقل، والإقامة، والإطعام، والترفيه، والتسوق، والخدمات المصرفية، والتأمين، وغيرها. كل دولار يتم إنفاقه فى قطاع السياحة يدور فى الاقتصاد عدة مرات، ويولد دخلاً لعدة أطراف، ويدعم خزينة الدولة عبر الضرائب والرسوم».
المدن الجديدة.. قاطرة استثمار وتنمية
فى السنوات الأخيرة، شهدت مصر طفرة فى إنشاء مدن ساحلية جديدة على غرار العلمين الجديدة ورأس الحكمة والجونة، إلى جانب تطوير المدن القائمة مثل شرم الشيخ والغردقة. هذه المدن لم تكن مجرد مشروعات عقارية، بل تحولت إلى مراكز اقتصادية جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية.
ويعلق د. سالم قائلا: «مدينة العلمين الجديدة، على سبيل المثال، لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، واليوم أصبحت وجهة عالمية تستقطب آلاف المصطافين من مصر والعالم العربى وأوروبا. هذا المشروع وحده وفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وجذب استثمارات ضخمة فى قطاعات العقارات والبناء والتشييد والخدمات. كما أن مهرجان العلمين الذى تنظمه الدولة سنويًا أصبح علامة فارقة فى الترويج السياحى لمصر، ويجمع بين الترفيه والثقافة والفنون، مما يخلق زخمًا سياحيًا يمتد لأشهر».
ويتابع: «المدن الجديدة مثل رأس الحكمة تجذب استثمارات خليجية وعالمية كبيرة، وتسهم فى توفير العملة الصعبة، وتنقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية، وتخلق فرص عمل للمهندسين والعمال والفنيين، كما أن هذه المدن مصممة وفق أحدث المعايير العمرانية والبيئية، مما يجعلها نموذجًا للمدن المستدامة».
تكامل لا تنافس
د. سالم يؤكد أن تنشيط السياحة الداخلية لا يتعارض مع جذب السياحة الخارجية، بل يكملها ويعززها، فالمدن الساحلية التى تستقطب المصطافين المصريين والعرب والأجانب تسهم فى تحسين الخدمات ورفع كفاءة البنية التحتية، مما يجعل الوجهة أكثر جذبًا للسياح من مختلف دول العالم. فوجود إقبال داخلى قوى يحفز الفنادق والمنتجعات على رفع جودة خدماتها وتوسعة طاقتها الاستيعابية، وهذا يفيد السياح الأجانب أيضًا».
ويشير إلى أن قضاء المصريين إجازاتهم داخل البلاد بدلًا من السفر للخارج يمثل توفيرًا كبيرًا للعملة الصعبة، موضحا: «لو افترضنا أن مليون أسرة مصرية كانت ستسافر إلى تركيا أو اليونان أو إسبانيا، وأن متوسط إنفاق الأسرة هو 5 آلاف دولار، فهذا يعنى خروج 5 مليارات دولار من البلاد. ولكن عندما تقضى هذه الأسر إجازتها فى العلمين أو شرم الشيخ أو الغردقة، فإن هذه الأموال ستظل داخل الاقتصاد المصري، وتدعم الأعمال المحلية، وتوفر فرص عمل، وتزيد من الإيرادات الضريبية».
جهود الدولة لتعظيم عائد السياحة
من جانبه، يؤكد الدكتور حسن الصادى، أستاذ ورئيس قسم التمويل والاستثمار بكلية التجارة جامعة القاهرة والخبير الاقتصادي، أن الدولة المصرية تدرك أن جزءًا من النشاط الاقتصادى فى المدن الساحلية كان يتم خارج إطار الاقتصاد الرسمي، خاصة فى عمليات تأجير الوحدات السكنية للأفراد، أو بعض المطاعم والمحلات الصغيرة. غير أن الدولة اتخذت خطوات جادة وحاسمة لتقنين أوضاع هذا القطاع وإدماجه فى الاقتصاد الرسمي.
ومن أبرز هذه الخطوات؛ تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية، وهى منظومة متطورة تهدف إلى تحقيق الشفافية فى المعاملات التجارية، وضمان تسجيل كل عملية بيع إلكترونيًا، مما يمكن الدولة من حصر الإيرادات وتحصيل الضرائب المستحقة بشكل عادل، فضلا عن ربط المنشآت السياحية والفندقية بقاعدة بيانات موحدة؛ إذ تعمل وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع وزارة المالية على إنشاء قاعدة بيانات شاملة لكل المنشآت السياحية، تشمل الفنادق والقرى السياحية والمطاعم والمحلات المرخصة.
وهذا يسهل عمليات الرقابة والمتابعة وكذا إطلاق حملات توعية لأصحاب الأنشطة، فتقوم مصلحة الضرائب ووزارة السياحة والآثار بحملات توعية مستمرة لأصحاب الأنشطة السياحية، تشرح لهم أهمية الالتزام بالإجراءات القانونية، والفوائد التى ستعود عليهم من الانضمام للاقتصاد الرسمي، مثل الحصول على تمويل بنكي، والمشاركة فى المعارض، والاستفادة من الحوافز الضريبية.
ويضيف «د.الصادى» أن تطوير البنية الرقمية للمدن الساحلية ملف تسعى الدولة للارتقاء به عبر تطوير شبكات الدفع الإلكتروني، وتشجيع استخدام المحافظ الرقمية والبطاقات البنكية، مما يقلل من التعاملات النقدية غير المسجلة، ويسهل على الدولة تتبع التدفقات المالية وإنشاء مدن جديدة بنظام إدارى وضريبى متكامل، فمدن مثل العلمين الجديدة تم إنشاؤها بنظام إدارى وضريبى حديث، يضمن تسجيل جميع الأنشطة، وتحصيل الإيرادات، وتقديم الخدمات للمستثمرين والمواطنين بشكل إلكترونى مبسط.
ويعلق على هذه الجهود، قائلا: «الدولة المصرية تسير بخطى ثابتة نحو رقمنة الاقتصاد بالكامل، وقطاع السياحة والمصايف ليس استثناء. هذه الجهود ستؤدى إلى زيادة الإيرادات الضريبية للدولة دون تحميل المواطن أعباء جديدة، بل على العكس، ستخلق منافسة عادلة بين المنشآت، وسترفع من جودة الخدمات، وستجذب المزيد من الاستثمارات».
مكاسب متبادلة
تحول المدن الساحلية إلى مراكز اقتصادية منظمة يعود بالنفع على جميع الأطراف، كما يوضح د. الصادي، فالدولة تحصل على إيرادات ضريبية ورسوم عادلة تعينها على توفير الخدمات العامة للمواطنين، مثل الطرق والكبارى والإضاءة والأمن والحدائق والمستشفيات والمدارس فى تلك المدن، كما تحصل على العملة الصعبة من السياحة الوافدة، وتقلل من الطلب على العملة الصعبة من خلال تشجيع السياحة الداخلية.
بينما يجد المواطن فرص عمل موسمية ودائمة فى مختلف القطاعات، ويحصل على خدمات أفضل بأسعار أكثر تنافسية نتيجة للتنظيم والرقابة والشفافية. كما يتمتع بمتنزهات وشواطئ ومرافق نظيفة وآمنة، والمستثمر يعمل فى بيئة مستقرة ومنظمة تحفظ حقوقه وتضمن له عوائد مجزية، ويستطيع التخطيط لمستقبل نشاطه دون خوف من المنافسة غير العادلة أو الممارسات غير القانونية. كما يستطيع الحصول على تمويل بنكى بسهولة أكبر لأنه مسجل رسميًا وله سجل ضريبى، وكذلك العاملون يحصلون على حقوقهم كاملة، من عقود عمل وتأمينات اجتماعية وصحية، ويتحسن مستوى معيشتهم.
تحديات قيد المعالجة
يختتم «د.الصادى» تصريحاته برؤية مستقبلية طموحة، قائلًا: «أحلم بأن تصبح السياحة فى مصر عشرة أضعاف ما هى عليه. نحن نمتلك مقومات سياحية لا مثيل لها فى العالم من تاريخ عريق، شواطئ ساحرة، صحراء خلابة، نيل عظيم، شعب كريم. ولدينا إرادة سياسية قوية لتطوير القطاع، ورؤية اقتصادية واضحة فى إطار رؤية مصر 2030».
ويضيف: «العام الماضى استقبلنا نحو 16 مليون سائح، وهذا رقم جيد لكنه لا يعكس قدرات مصر الحقيقية. نحن نستحق أن نستقبل 30 أو 40 أو حتى 50 مليون سائح سنويًا. أتمنى أن يكون موسم الصيف الحالى ممتازًا للسياحة الداخلية، وأن نحقق هذا العام 20 مليون سائح، ثم نزيد عامًا بعد عام حتى نصل إلى المستوى الذى نطمح إليه. مصر قادرة على ذلك بإذن الله».