رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حرب «التكييفات» تشتعل فى فرنسا


17-7-2026 | 15:14

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

تعيش فرنسا صيفًا استثنائيًا، وذلك تحت وطأة واحدة من أعنف موجات الحر في تاريخها، بعدما تجاوزت درجات الحرارة حاجز 44 درجة مئوية، مخلفة خسائر بشرية واقتصادية واسعة، ولم تقتصر تداعيات الأزمة على القطاع الصحي، بل امتدت لتشعل جدلًا سياسيًا حادًا حول التوسع في استخدام أجهزة التكييف، وسط تحذيرات من أن موجات الحر المتكررة باتت تمثل تحديًا غير مسبوق يتطلب حلولًا عاجلة ومستدامة.

وفي هذا السياق، شهدت متاجر «ليدل» في أنحاء فرنسا حالة من الفوضى، بعدما اصطف مئات المواطنين لشراء أجهزة التكييف، إثر إعلان سلسلة المتاجر طرح 200 ألف مروحة وجهاز تكييف متنقل، بالتزامن مع موجة الحر القياسية التي تضرب البلاد. وفي أوبيرفيلييه، إحدى ضواحي باريس، انهارت أبواب أحد المتاجر تحت ضغط الحشود، واندلعت مشاجرات بين المتسوقين، فيما حالت حالات التدافع دون تمكن كثيرين من الحصول على الأجهزة.

ورغم ارتفاع نسبة المنازل الفرنسية المزودة بأجهزة تكييف إلى نحو 24 في المائة، مقارنة بـ 18 في المائة قبل عامين، فإنها لا تزال أقل بكثير من دول جنوب أوروبا مثل إيطاليا وإسبانيا، حيث تقترب النسبة من 50 في المائة. وقد أجبرت موجة الحر الأخيرة، إلى جانب محدودية انتشار أجهزة التكييف، آلاف المدارس على الإغلاق، كما واجهت المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية ضغطًا هائلًا، إذ شهدت ارتفاعًا حادًا في حالات الدخول ونقصًا في المعدات المناسبة لمواجهة درجات الحرارة القصوى.

وكشف تقرير لشبكة «سي إن إن» أن هذا الواقع يعود إلى ما وصفه بـ«المقاومة الثقافية» الفرنسية لاستخدام أجهزة التكييف، رغم تزايد موجات الحر خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن كثيرًا من الفرنسيين ينظرون إلى مكيفات الهواء باعتبارها أجهزة قبيحة، ومزعجة، وغير ضرورية، فضلًا عن ارتباطها بالنمط الأمريكي. كما يسود اعتقاد شائع بأن التعرض للهواء المكيف قد يسبب المرض، لذلك اعتمدت المنازل الفرنسية تقليديًا على الجدران الحجرية السميكة والنوافذ المزودة بالمصاريع لتوفير تبريد طبيعي، وهي حلول كانت فعالة عندما كانت فصول الصيف أكثر اعتدالًا.

كما يواجه سكان المباني التاريخية قيودًا صارمة على تركيب وحدات التكييف الخارجية؛ إذ تحظر قوانين حماية التراث أي تعديلات تمس الواجهات والأسطح. كما تشترط المباني السكنية المشتركة الحصول على موافقة اتحاد الملاك قبل تركيب أي وحدة ثابتة، مع إمكانية إزالة التركيبات المخالفة.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، تحولت أزمة التكييف إلى محور جدل سياسي واسع في فرنسا؛ إذ يدعو حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان إلى إطلاق خطة وطنية لتزويد المدارس والمستشفيات بأجهزة التكييف، وتقديم قروض ميسرة للأسر لتركيبها.

في المقابل، تنقسم أحزاب اليسار بين منْ بدأ يقر بضرورة استخدام التكييف في بعض المرافق الحيوية، ومنْ يرفض التوسع فيه باعتباره يزيد من تفاقم أزمة المناخ. وقد بلغ الجدل ذروته بتقديم حزب الخضر مقترحًا لحجب الثقة عن الحكومة على خلفية إدارتها لأزمة موجة الحر، ورغم نجاة الحكومة من التصويت، فإن هذه الخطوة عكست حجم الانقسام السياسي وتزايد تسييس ملف التكييف في فرنسا.

في هذا السياق، قال خالد شقير، الصحفي المختص بالشأن الفرنسي، إن «فرنسا تشهد موجة حر استثنائية وغير مسبوقة، تُصنف بأنها الأسوأ في تاريخ البلاد، حيث بلغت درجات الحرارة في بعض المناطق ذروتها عند 45 درجة مئوية، وتجاوز عدد المتضررين من هذه الموجة في أوروبا 380 مليون شخص، مع تأثيرات عميقة على الصحة العامة والبنية التحتية والاقتصاد.

«شقير»، أضاف أن «هذه ليست الموجة الأولى، بل الثالثة التي تضرب فرنسا خلال صيف 2026، مما زاد من إرهاق التربة والمباني والمواطنين. وبدأت الموجة الحالية بالتصاعد في أواخر يونيو، قبل أن تبلغ ذروتها في يوليو، مع رفع 49 إقليمًا من أصل 96 حالة التأهب القصوى «الحمراء». ومن المتوقع أن تستمر هذه الموجة حتى منتصف يوليو على الأقل».

كما أشار إلى أن «حصيلة الوفيات تعد هي الأكثر إثارة للقلق، حيث تجاوزت الأرقام الأولية ألف حالة وفاة في فرنسا وحدها، بينما تجاوزت الوفيات المؤكدة في أوروبا 1,300 شخص، وتركزت الوفيات بشكل كبير بين الفئات العمرية الأكثر ضعفًا، وخاصة من هم فوق 65 عامًا، حيث شكلوا الغالبية العظمى من الضحايا، وسُجلت وفيات مأساوية لأطفال محتجزين في سيارات تحت أشعة الشمس الحارقة، إحداها لطفل يبلغ من العمر 3 سنوات».

وفيما يتعلق بالإجراءات الحكومية للحد من آثار موجة الحر، لفت «شقير» إلى إطلاق الحكومة الفرنسية، لأول مرة في التاريخ، خطة «أورسيك_ ORSEC» الوطنية لمواجهة درجات الحرارة القصوى، والتي تشمل تدابير استثنائية مثل فتح مراكز تبريد مجهزة بالأسرة والمستلزمات الطبية، وتكثيف عمليات التوعية للمشردين وكبار السن، كما شملت الإجراءات الأخرى حظر بيع واستهلاك الكحول في الأماكن العامة في مناطق الإنذار الأحمر، وإبقاء الحدائق مفتوحة على مدار الساعة، وإغلاق مئات المدارس أو تعديل جداولها الدراسية، هذا فضلا عن توزيع آلاف المكيفات على المستشفيات كجزء من خطة طوارئ عاجلة بقيمة 30 ألف وحدة.

وحول الجدل السياسي حول التكييف، أكد «شقير» أن أزمة الحرارة تحولت إلى معركة سياسية حادة بين اليمين واليسار، إذ تقدمت زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، بمقترح لتركيب مكيفات هواء في جميع المؤسسات العامة كالمستشفيات والمدارس، واصفة الوضع بأنه «إجرامي جزئيًا» في المقابل، يعارض اليسار المتطرف بقيادة جان-لوك ميلانشون هذا التوجه، معتبرًا أن التكييف حل زائف يفاقم المشكلة ويساهم في الاحتباس الحراري.

وتابع: كما بدأ الوسط البيئي يتراجع عن موقفه المتشدد، معترفًا بضرورة التكييف في بعض الحالات. ويبقى 25 في المائة فقط من الأسر الفرنسية مجهزة بمكيفات، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالولايات المتحدة، مما زاد الطلب عليها بشكل جنوني في الأسابيع الأخيرة، بينما رفض الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف رسمي من هذا الجدل، تاركًا الحل للدول الأعضاء. وقد أشار خبراء المناخ، ومن بينهم جان جوزيل، إلى أن التكييف وحده لن يكون كافيًا، بل لا بد من خفض الانبعاثات الضارة؛ لتجنب ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات كارثية تصل إلى 4 درجات مئوية بحلول عام 2100.

أخبار الساعة