فى أحدث تطورات الأزمة، واصلت طائرات عسكرية أمريكية التحليق فوق مضيق هرمز ومحيطه يوم الأحد، بالتزامن مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تنفيذ موجة ثالثة جديدة من الضربات وأصابت نحو 140 هدفا عسكريا إيرانيا من بينها مواقع صواريخ وطائرات مسيّرة، وشبكات اتصالات، ومواقع مراقبة ساحلية. وردًا على تلك الضربات، استهدف الحرس الثورى مرة أخرى عددًا من الدول الخليجية، ونفذ هجوما عنيفا على منصات دعم وتزويد بالوقود لحاملات الطائرات الأمريكية فى ميناء الدقم بسلطنة عمان، مؤكدا أنه استهدف أيضا قاعدة العديد الجوية الاستراتيجية الأمريكية فى قطر بصواريخ باليستية وإغلاق المضيق حتى إشعار آخر وهو يعد إعلان حرب، وكتب رئيس البرلمان الإيرانى، محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين مع الولايات المتحدة، على منصة «إكس» أن «عهد الصفقات الأحادية الجانب قد ولّى».
وتسعى الدول التى تؤدى دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، إلى إحياء الخيار الدبلوماسى بعد أن اهتز بفعل لجوء الطرفين مجددًا إلى العنف، سواء على المستوى العسكرى أو السياسى، ودعا وزير الخارجية الباكستانى إلى «ضبط النفس».
يأتى ذلك، بعد ترقب الولايات المتحدة رد إيران على مطالبها بوقف استهداف السفن التجارية وضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز، وسط تحذيرات من إدارة الرئيس «ترامب» بأن «رفض طهران إصدار تعهد علنى بهذا الشأن قد تترتب عليه عواقب وخيمة»، وفى المقابل، أكد وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى، أن «طهران أوفت بكلمتها بشأن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة»، وذلك عقب إعلان الرئيس ترامب انتهاء وقف إطلاق النار.
يأتى ذلك بعدما تبادل الطرفان ضربات هى الأعنف منذ توقيع مذكرة التفاهم بينهما فى 17 يونيو الماضى، حيث اتُّهمت طهران باستهداف ثلاث سفن تجارية فى مضيق هرمز فى مؤشر على أن التهدئة العسكرية لم تترجم إلى استقرار ملاحى كامل فى أحد أهم ممرات الطاقة عالميا، ويرى المسئولون الأمريكيون أن إخفاق إيران فى الالتزام بهذا التعهد البسيط يثير شكوكًا جدية بشأن استعدادها وقدرتها على تنفيذ اتفاق نووى أكثر تعقيدًا، وفقًا لموقع «أكسيوس».
ويُعد مضيق هرمز أحد أبرز أسباب الخلاف بين واشنطن وطهران؛ إذ أغلقت إيران فعليًا هذا الممر المائى الاستراتيجى ردًا على الحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها أواخر فبراير الماضى، وتوقف النزاع لاحقًا بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار فى 8 أبريل الماضى، إلا أن أعمال عنف متفرقة اندلعت منذ ذلك الحين، كان معظمها مرتبطًا بالخلافات حول المضيق.
ولا تسمح طهران إلا بمرور السفن عبر ممر ملاحى واحد بمحاذاة سواحلها، كما ترفض العودة إلى الوضع الذى كان قائمًا قبل الحرب، عندما كان العبور مجانيًا. وتصر على فرض سيطرتها على هذا الممر المائى، الذى يمر عبره نحو خُمس تجارة العالم من النفط والغاز الطبيعى المسال.
وقبل تجدد الصراع، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة على إيران، استهدفت ممولًا رئيسيًا للمرشد الأعلى الإيرانى الجديد، مجتبى خامنئى، إلى جانب 13 فردًا وكيانًا آخر، على خلفية استئناف طهران هجماتها على ناقلات النفط فى مضيق هرمز، وذكرت وزارة الخزانة أن العقوبات شملت على أنصارى، المصرفى ورجل الأعمال الإيرانى المقيم فى دبى، والذى سبق أن فرضت عليه بريطانيا عقوبات لدوره فى دعم أنشطة الحرس الثورى الإيرانى وكيانات أخرى، كما استهدف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية ثلاث شركات صرافة وشركات واجهة أجنبية مقرها إيران. ومن جهة أخرى، أعادت واشنطن فرض العقوبات الاقتصادية على النفط الإيرانى بعد تعليقها بموجب مذكرة التفاهم، وهو ما اعتبره «عراقجي»، السبت، «انتهاكًا لوقف إطلاق النار».
فى هذا السياق أوضح إسلام المنسى، الخبير فى الشأن الإيرانى، أنه «منذ توقف الحرب بين واشنطن وطهران، دخلت الأزمة مرحلة يمكن وصفها بأنها «اللاسلم واللاحرب». فكلما اندلعت مواجهة بين الطرفين، سرعان ما تتوقف لتفسح المجال أمام مساعٍ دبلوماسية، قبل أن تتجدد المواجهات مرة أخرى. ولم يختلف هذا النمط كثيرًا، سواء قبل توقيع مذكرة التفاهم وفتح مضيق هرمز أو بعدها؛ إذ لا تزال العلاقة بين الطرفين تقوم على مزيج من الضغط الميدانى والتحركات الدبلوماسية، ويحاول كل طرف توظيف أوراق القوة العسكرية لتحسين موقعه على طاولة المفاوضات، والسعى إلى تحقيق سياسى لما لم يتمكن من تحقيقه فى ميادين القتال. وفى هذا السياق، تسعى إدارة الرئيس ترامب، بعد الضربات العسكرية المؤلمة التى وجهتها إلى إيران، ومع عودة الحشود العسكرية إلى المنطقة، إلى استثمار تفوقها الميدانى فى تحقيق مكاسب تفاوضية».
وأشار «المنسي» إلى أن «واشنطن، فى ظل امتلاكها زمام المبادرة العسكرية، تحاول انتزاع تعهد إيرانى بإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، وعدم إخضاعه للسيطرة الإيرانية، مع الاعتراف بأنه ممر مائى دولى لا تخضع سيادته لإيران، وتحقيق ذلك سيجرد طهران من إحدى أهم أوراق الضغط التى تستخدمها فى تهديد الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي».
وأضاف أن «هذا الخلاف ليس جديدًا، إلا أن الرئيس ترامب يسعى إلى حسمه بصورة نهائية، خاصة أن إيران أعادت تفسير المادة الخامسة من مذكرة التفاهم، التى تلزمها بالحفاظ على حرية الملاحة، بطريقة تختلف عما تم الاتفاق عليه، فقد اعتبر بعض المسئولين الإيرانيين أن اتخاذ ترتيبات لحماية الملاحة يمنح طهران حق تنظيم حركة العبور، بل واستهداف السفن التى لا تلتزم بهذه الترتيبات، وهو تفسير يتعارض مع نصوص مذكرة التفاهم وأحكام القانون الدولى، ولذلك، تسعى واشنطن إلى الحصول على إعلان رسمى من طهران تتخلى بموجبه عن أى ادعاءات تتعلق بالسيادة أو السيطرة على مضيق هرمز».
واختتم «المنسى» حديثه بالتأكيد على أن «إيران لا تريد التفريط فى ورقة المضيق بأى شكل من الأشكال وتحاول التمسك بها حتى النهاية لأنها ورقة ضغط استراتيجية يمكن التنازل عنها مقابل الحصول على مكاسب كبيرة من واشنطن، وإيران لا تريد أن تبقى يدها خالية من أى أوراق ضغط قوية تمارسها ولا تجد من أوراق القوة ما يوازى مضيق هرمز فى استخدامه على طاولة المفاوضات مقابل التفوق العسكرى لواشنطن، وحين تريد إيران تأزم الأمور وتحصل على موقع تفاوضى أكبر تقوم بإرسال التهديدات على ألسنة قادة الحرس الثورى واستهداف الملاحة، ثم تخرج تصريحات بأن استهداف السفن مشروع لأن هذا المضيق هو ممر إيرانى».