رقص على السلالم.. لا منطق ولا عدل ولا غفران ولا صفح ولا نسيان!.. نحدق ولا نرى الحياة!.. نتربص ولا يأتى الحلم!.. نود الخروج ولا نستطيع!.. نقف وتسحبنا الأرض فى جاذبية مؤلمة!.. تطيح بنا ويصيبنا الدوار فى أفلاك لا تعنينا!.. ننام فتطاردنا الكوابيس!.. نصحو فيتعبنا التفكير!.. كل شىء غريب!.. تتبدل بنا الأرض فى غير راحة!.. نلوح وما من أحد ينقذنا!.. لا أحد يسمع ولا أحد يعنيه ما بنا!.. فالكل فى صخب يرجو النجاة والعون!.. مجانين.. فارغين.. خاويين.. محتاجين منْ يأخذنا لأى جهة؟!.. نبحث.. نفتش نحاول التشبث بأى باق تركه غيرنا أو سقط منه سهوا!.. لكن حتى البواقى يعز عليهم تركها؟!.. نلاحق.. نترك.. نتوقف.. نتجمد.. يسود الصمت!.
ننتظر ونحكى ونصمت ولا أحد يسمع!.. كل يصارع على اللاشىء!.. لم يعد أحد يملك ولا أحد يعرف الممكن!.. قد يكون كل اللاشىء ممكنا!.. فى دائرة اللاممكن الكل يلاحق.. يلتفت.. يخاف.. يدرك.. يحاول.. يتعثر.. يقترب.. يبتعد.. يتجمد ولا يقدر!.
كائنات بين الحقيقة والسراب تريد استعادتها أو تتمنى التلاشى لترحل مرتاحة!.. مكثت وحاولت وتعثرت حتى نسيت أنها على قيد الحياة!.. ترقد وتقوم وتتغير.. قد تواصل متعبة.. وقد تتوقف فى انهيار غير مسموح به!.. تود لو؟!.. تذهب إلى؟!.. بلا يقين تتأرجح!.. فى غير احتمال تردد ألا من أخير على أى وجه يكون؟!.
تجربة صعبة قاسية.. دون كلمات تروى.. تلعثم وثقل فى حملها وصياغتها.. وما زالت تحاول وتخشى سوء التعبير وسوء الفهم رغم معرفة طريق النهاية!.. ربما اقترب وقت الدرس وربما انتهى؟!. نحمل الحجج دون الاستيعاب.. ربما كنا جاهزين للصفع واللوم والتقريع والتحسر والعذاب!.. أو ربما ظلت التجربة غامضة لا نريد أن نكشفها!.. أو ربما وعدنا بموعد ما لكشفها فقبلنا النهاية المؤجلة.. ربما كان الأسهل؟!. أو ربما اخترنا أن نبقى معلقين على ذمة الأيام؟!.. نطارد دائما كى لا نقع فى الفخ!.. أو ربما كنا واقعين فى الفخ وما يصدر منا مجرد تفوهات فى حياة وصراع وسجال!.
مسافات لا نعرف مداها ولا نستطيع تجاوزها.. لا نهائية مفرطة وعلينا أن نسلم ونتعلق ونكتم الأوجاع.. ندفنها وننتظر ونعاود السعى.. حاملين ذاكرة لا تمحى.. نواجه الأشباح ونتوقع وصولها!.. حياة فى طريق واحد!.. ذهاب دون إياب!. أو قد يكون الإياب قبل أن يولد الذهاب!.. يفرض علينا التواجد خلف الأشياء وخلف الأماكن!.. ويفرض علينا التحليق دون سماء!.. سكون بمنأى ولو ارتضينا العزلة!.. يفرض علينا أن نكون!.. ننتظر القادم ونحلم بالآتى ونسلم كل شىء دون ضمانات ودون ثمن!.. بل قد نكون الثمن منْ يقتات علينا الزمن!.. يعصف بنا فى فجوات الحياة لنسكن الخواء فى سلام!.. فى عبور ممتد فى حضرة سيف الحياة!.. بتراتيل معلقة وأرواح معذبة!... نتغنى بالحياة دون وعود تقطع!.. فالحياة لا تعد أحدا ليس لأنها لا تفى بل لأن لا ضمانات لها.. فاليوم حياة وغدا لا يعلمه أحد!... وعلينا دائما أن نصافح القدر فى تبسم.. بوجوه بشوشة ترضى الانكسار، تسمح بسلب الحياة بحجة الصدق المعلق!.
لسنا أقوياء ولم نكن جاهزين للحياة بملاذ من عدو لا يؤتمن!.. لكن علينا الجاهزية بالتعايش فى الخفاء والعلن!.. نرقص على حبالها قبل فوات الأوان.. فالرقص فرصة على الفطن أن يسابق إليها!.. يتأبط قصائده ويبتلع بطشه ويتباهى بقوته وخديعته!.. ويردد أنه منْ تحمل حمل الجبال!.. يبارى حد السخف!.. يصدق نفسه أنه البطل الهمام!.. يضحى دون ندم ويدعو لنفسه بالصبر!.. وربما بالشهادة!.. لا يسأل ولا يجيب!.. يكفيه أن يومئ برأسه كى يعبر عن الرضا المبهم والمستغلق!.. على استعداد دائم للصفح والاستنفار فى مهمة الحياة.. تدفعه الخطى دون إرادة!.. يزداد خنوعا.. يفقد مهارة القفز وربما قدرتها!.. يصير فى قبضة الحياة.. يرضى ويرتعد!.. لا يتحرك إلا بإذن فى سعة الضيق!.. مثولا لأمر الحياة!.. متعافٍ من بعض عصيان أو تمرد!.. مسحورا مأخوذا لعمق التيه.. لا يعلم موقعه أو وقت إفراجه.. على استحياء يسأل بعدما تنازل عن كيف وأين ولماذا!.
فالسؤال لا يلقى ردا!.. ورغم أنه امتثل وآمن أن كل ما به حق لكنه يأمل فى اللحظة الأخيرة!.. حضورا يزيل الغمة.. لا يحتمل مزيدا من الوجع.. يعانى من الوحدة مجبرا على البقاء الأخير فيها.. دون رفيق!.. دون أن يمضى!.. يعانى أو لا يعانى ففى الغالب الإحساس مفقود!.
أجهد وأرهق وأوشك على الهلاك.. فى تساؤل يطلقه؟!.. ما حكمة بقائه دون اقتراب أو ابتعاد؟!.. لماذا عليه التصالح مع ما يؤلمه؟!.. لماذا عليه أن يخفى ارتجافه؟!.. لماذا فى خوف دائم؟!.. على؟!.. من؟!.. ينادى منْ ينجيه من خوف استوطن قلبه؟!.. رغم أن لا شىء لديه يخاف عليه!.. فكل ما يخاف عليه سلب منه!.. لماذا يرفض مغادرة حياة أوجعته؟!.. لماذا دائما يحاول أن يرجع؟!.. لماذا السقوط الدائم دون بلوغ القاع؟!.. هناك وهنا وفى كل مكان رغم أنه لم يبرح المكان!.
لماذا يحيا على أمل واهم أن الحياة يوما ما ستمد يدها لتنقذه؟!.. وما زالت تنأى عنه وما زال يركض خلفها!.. ورغم سراب المسافات غير مسموح له بالعودة لما فات!.. رغم أنه لم يغادر نقطة الصفر!.. فى غباء ينتظر!.. يعتقد بمجازات الحياة أملا فى العبور!.. ويخفق ويطلق العنان للخيال ويحبط!.. يبتلع كل شىء رغم اللاشىء!.. ورغم التيه يرقص عسى أن ينتهى!.
قد نخون أحلامنا.. قد نخون عهودا قطعناها على أنفسنا!.. قد نخون صبرا ونريد أن نسقط!.. سئمنا الخوف وطلبنا الطوفان.. غرقا لبقايا تتماهى مع الغبار وترفض التلاشى.. تخرج لتؤلمنا وتعيش حاملة الغصة.. نردد لماذا لم تنته وكل شىء ينتهى؟!.. سئمنا العد والعد فاقنا!.. وما زلنا نردد!.. هزمنا!.. كل شىء فاق احتمالنا!.. وجع يطول ولا يذهب!.. يقذفنا القدر إلى حيث لا نريد!.. نذهب ونعود ونكتشف أننا الماكثين فى أماكن!.. حفر الجنون جدرانها.. بأوهام وإخفاقات وظنون التوافق.. بتنا فى ضجيج وصمت وهروب ونوم وأرق.. نكرر رجع الصدى وننسى وتنسانا الدنيا.. لا نحمل عنوانا لمقدمة أو نهاية.. بل قد تكون حياتنا فى المؤخرة أو الهامش.. من جوع وخذلان ونكران.. نتحايل بالنفس الطويل رغم قلوبنا المتعبة وتقطع أنفاسنا.. ونقبل أن تكتب لنا الحياة على أي وجه؟!.. قضية وتشابك أو خمول وتردٍّ وملل؟!.. تكسرنا وتراقصنا بأوهام تنهزم معها جرأتنا وتذوب عزيمتنا.
فالحياة تحتفى بالضعفاء.. أو بما لا يكفى من القوة.. منْ يعترف بجرمه سواء كان مدانا أو غير مدان.. يدفع عمره ثمنا لرضاها عنه!.. ولا يعرف شيئا.. يتظاهر بالغباء وربما بالجنون ولا ينزعج من جنون غيره!.. يقابل اختلال موازينها برضوخ دون أن تقتل روحه!.. يضحك ويبكى ويمشى ربما شعر بوجوده؟!.. استسلاما لوجود يحتضنه!.. فضيق الوقت يدفعه لقبول أى نتائج.. يحملها برفق شرطا لاكتمال العمر.. يملأ الفراغات ولو حتى بالخذلان!.. بافتعال متقن يقدم فروض الولاء والطاعة.. ربما حظى بفراق دون ضجيج يفضحه؟!.. دون خيار يحمل مغاليق الفهم.. حلا بعدما ملّ التوافق والعراك والتثبت والتشبت والصبر!.. وصار على استعداد للانزلاق والسقوط فى أى لحظة!.. لا مهاجما ولا مدافعا ولا متروكا لشأنه!.. لا يقين سوى فى أشياء تنتهى!.
نقاتل ويقاتلنا الزمن.. فى رهانات خاسرة أضعنا العمر.. مذنبون دائما.. وحدنا ترفضنا الوحدة!.. نتوارى خلفها خجلا.. غير مسموح لنا بإطالة أمد البقاء لديها.. فكل شىء مهما كان ساكنا عليه أن يشتعل رغم موته السريرى.. عليه أن يصافح الحياة ويشاركها مرارة الفشل.. غير مأسوف عليه.. تراقبه فى تعسف وصد.. تسلط عليه المكان والزمان.. تحرض عليه كل أركانها.. تفرض عليه لغة المهادنة وألاعيب البهلوانات ليخفى هشاشته.. ليرسم طريقه فى الغياب ويرحل فى هدوء.. حلم وانتهى.. أمر وانتهى.