وقد شهدت الأشهر الخمسة الأخيرة انشغالاً دوليا بما جرى فى المنطقة بين إيران من جانب وإسرائيل والولايات المتحدة من جانب آخر، وما ترتب عليه من حرب على دول الخليج والأردن شنتها إيران ثم إغلاق مضيق هرمز، هذا الانشغال صرف الأنظار عما يجرى فى غزة والضفة الغربية، والتخوف- لدى مصر- كان أن تستغل إسرائيل هذا الظرف الدولى وتقوم بإجراء تغييرات على الأرض فى الضفة وغزة، خاصة وقد صدرت تصريحات متطرفة من بعض الوزراء الإسرائيليين تطالب بالإجهاز على ما تبقى من غزة والضفة.
لذا راحت مصر تعمل على تنشيط هذا الملف والإلحاح عليه، بالتخاطب مع الجانب الأمريكى ومع إسرائيل، فضلاً عن التواصل الدائم والمستمر مع الأشقاء فى غزة وفلسطين للبناء على ما تحقق فى المرحلة الأولى.. وقد أبدى الأشقاء فى فلسطين تفهما واستعدادا للمخاوف القائمة، بل رغبة فى الوصول إلى السلام الدائم.
وهكذا نحن على أبواب حلحلة الجمود الذى أصاب ملف غزة والقضية الفلسطينية طوال الشهور الماضية، يمكن القول منذ الهجوم الأول على إيران فى يونيو من العام الماضى.
ولكن يجب أن نتوقف أمام ما تعنيه المرحلة الثانية، إذ إنها شديدة الصعوبة والأهمية معاً، ذلك أنها تنص على تسريع الانسحاب الإسرائيلى من قطاع غزة، وأن يتم نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، ومعها يبدأ إعادة الإعمار والاتجاه إلى الحياة الطبيعية.
كانت إسرائيل زمن رئيس الحكومة شارون قد خرجت من قطاع غزة بالكامل، واعتبر شارون القطاع لعنة، ولكن بعد السابع من أكتوبر سنة 2023 والمواجهة بين الجيش الإسرائيلى وحماس، قامت إسرائيل بإعادة احتلال معظم القطاع، واستولت على 70 فى المائة منه، وهذا يعنى احتلالا شبه كامل، وما طلبته مصر هو الخروج الإسرائيلى من غزة.
إسرائيل ترد بأنها لا تنوى احتلال غزة، ولن تبقى فيه، لكن الجيش موجود هناك لتأمين سكان إسرائيل من هجمات حماس، لذا فإنها لكى تخرج لابد أن تتأكد أن حماس وغيرها من الفصائل بلا سلاح وبلا كتائب قتال، توقعت إسرائيل أن هذا السلاح لن يستعمل إلا ضدها وضد مواطنيها، وأن الكتائب تشكلت خصيصا لشنّ حرب عليها، وهذا ما يجعلها تواصل حتى يومنا هذا الإقدام على اغتيال قيادات من حماس، قتال كل مَن تعتقد أنه مصدر خطر محتمل عليها، وفى هذه الجزئية تجد من العالم مساندة ودعما كبيرين، بمقولة إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها وعن وجودها وحماية مواطنيها.
على الجانب الآخر، لا تمانع الفصائل فى تسليم السلاح، وقدموا عدة اقتراحات بذلك المعنى، بشرط أن لا يكون هناك احتلال للقطاع، ساعتها لن تكون ثمة حاجة للسلاح ولا مبرر له، وهو قول منطقى ومقبول به.
إسرائيل ترد برفض ذلك الرأى، وتذهب إلى أنه قبل السابع من أكتوبر، لم تكن إسرائيل متواجدة عسكريا فى القطاع، وبعيدة عنه، بل إن نتنياهو بنفسه، سمح بدخول الأموال القطرية شهريا إلى حماس، بل إن نتنياهو نفسه، هو من طلب من قطر زيادة الحصة الشهرية من ملايين الدولارات التى تدخل إلى القطاع، ويقولون لقد ثبت لديهم أن الأموال لم تستعمل فى الإعمار ولا فى التنمية ولا استفاد بها أهل غزة بل ذهبت إلى التسليح، شراء السلاح وتخزينه، وبناء الأنفاق تحت الأرض وتجهيزها لتكون خلايا عمل عسكرية لا تتوقف.
وانتهى هذا الجدل إلى أن الفصائل تطالب بخروج الإسرائيليين أولا، وإسرائيل تطلب تسليم السلاح وخروج المسلحين أولا.. الجهد المصرى كان لإنهاء لعبة «البيضة أو الدجاجة..؟» بالوصول إلى صيغة تحقق الهدف المنشود.
للوهلة الأولى قد يقول البعض ولماذا تبذل مصر كل هذا المجهود وتتحمل العناء، مع أطراف لا تريد الوصول إلى حل ولا إلى سلام؟
والحق أن الموقف المصرى مبدئى، وأنه لا سلام دائم فى المنطقة دون حل القضية الفلسطينية، والأزمة التى نحن بصددها، إذا لم يتم حلها، فإنها قد تجهز على القضية برمتها، ذلك أن بقاء إسرائيل فى 70 فى المائة من أرض القطاع يعنى فعليا إنهاء وجود القطاع والاستيلاء على جغرافيته، ومع الوقت ومرور السنوات يصبح أمرًا واقعًا، تقام مستوطنات ويتخذ الكنيست موقفًا بضم هذه الأراضى، كما جرى بالنسبة للجولان السورية.
ليس هذا فقط، بل الأخطر أن بقاء إسرائيل فى هذه المساحة، يعنى أن تعمل بجد على ملف تهجير سكان القطاع إلى خارجه، بما يعنى القضاء عليه ديموجرافيا، لقد حاولت إسرائيل الضغط على مصر مرارا وتكرارا لتهجير سكان القطاع إلى الداخل المصرى، داخل الحدود فى سيناء، ومن المدهش أن البعض من السذج أو الأوغاد تبنوا وجهة النظر تلك، بمقولة أو صياح انتشر بعض الوقت «افتحوا الحدود لإخوتنا» وكان معنى فتح الحدود تهجيرهم نهائيا، كما حدث فى سنة 1948، حيث خرج الأهالى وقيل لهم سوف تعودون بعد يومين على الأكثر، ولم يعودوا رغم مرور 78 عاماً ولما رفضت مصر ذلك المطلب اقترحوا أن يتم تهجيرهم بعيدا عن سيناء إلى الداخل المصرى، القضية بالنسبة لنا لا تتعلق بطبيعة المكان الذى يمكن أن يقيموا فيه بمصر، لكن فى الفكرة ذاتها، تهجير سكان غزة يعنى تصفية القضية وإنهاء وجود الشعب الفلسطينى تماما، يتحول إلى مجرد جاليات فى الشتات فقط، لكن لا وطن يجمعهم، خاص بهم، ولا دولة فلسطينية بالمرة، ومع الإصرار المصرى على الرفض، راحت إسرائيل تفكر فى بدائل أخرى.
البدائل لدى إسرائيل ليست فى فكرة التهجير ذاتها، بل فى مواقع التهجير، إذا كانت مصر رفضت والأردن أيضا رفض، فقد وجدوا بعض مناطق فى آسيا وفى أرض الصومال، وغيرها، والنظرية أنه مع طول الحصار وصعوبة الحياة أمام المواطن فى غزة، فى النهاية سوف يقبل بالخروج، وقد وفرت إسرائيل الأماكن وتحاول أن تقدم بعض المغريات المالية لمَن يريد الخروج أو يوافق مضطرا عليه، وبالفعل تم تهجير البعض، صحيح أن الأعداد قليلة جدا، لكن مع الوقت يمكن أن يتسع نطاق التهجير، ويجد مَن لم يهاجر أن الحل فى الهجرة.
هذا ما تتخوف منه مصر، وتعمل على تلافيه، وذلك بالضغط والعمل الجاد على أن يتم تنفيذ مشروع السلام بالكامل، ويتحقق اتفاق ترامب.
خروج الجيش الإسرائيلى من غزة، وعدم وجود سلاح، ينزع من يد إسرائيل أى مبرر لدخول غزة ثانية أو محاولة قتل أى شخص فى غارة، فضلا عن حصار غزة وتجويع شعبها ومن ثم يلغى تماما شبح الإبادة الجماعية وشبح التهجير، ويصبح ممكنا أن تبدأ الحياة فى مسارها العادى، ويترافق ذلك مع مشروع إعادة الإعمار، خاصة أن غزة لديها ميزة امتلاك شاطئ ممتد على ساحل المتوسط، أى ما يسمح بإقامة مشروعات سياحية وعودة مهنة الصيد وغيرها التى برع فيها أهلها تاريخيا. ما حدث فى السابع من أكتوبر وما بعدها كان درسا قاسيا للفلسطينيين ولإسرائيل أيضا، أكثر من سبعين ألف شهيد فلسطينى وأكثر من مائة ألف مصاب، بخلاف المعاقين، وهذا رقم ضخم جدا، بالنسبة لمنطقة، كل سكانها حوالى 2.5 مليون نسمة، أيضا فإن إسرائيل تعرضت لأزمات عديدة ولم يشعر سكانها بالأمان، هناك مصلحة للطرفين فى أن يتم الاستجابة لما تنادى به مصر وتحرص عليه.
كان الصمود الفلسطينى فى غزة أسطوريا، اكتسب احترام وتعاطف الضمير الإنسانى الحى، وخسرت إسرائيل معنويا وتحطمت سمعتها، لم تعد الدولة المحاطة بأعداء غير ديمقراطيين يريدون إزالتها من الوجود، بل دولة احتلال تسعى إلى إبادة المدنيين العزل، تهدم بيوتهم، تدمر المدارس، وتدكّ المستشفيات، لكن فى النهاية، يجب العمل على إنقاذ الشعب الفلسطينى على المدى البعيد، أمم سابقة فى التاريخ أصابها الفناء، من جراء عمليات إبادة متكررة، حدث ذلك مرات عديدة، ولا يجوز أن يتكرر فى فلسطين، ولا يليق أن نسمح به، هذا ما تعمل عليه الدولة المصرية بكل أجهزتها، بدءا من رئيس الجمهورية نفسه.
وقد يرى البعض أنه يكفى أن الحرب في غزة توقفت وأن شبح الإبادة اختفى، وأن بقاء الوضع على هذا النحو، فى صالح القضية، إذا إنه يؤدى إلى تآكل سمعة إسرائيل وازدياد الضغط العالى، ولا ينتبه هؤلاء إلى أنه من الوارد مع أى تصرف أو عملية يمكن أنه ينهار وقف القتال، ونعود مجدداً إلى المربع صفر، وهناك من يريد العودة إلى تلك الحالة، وإذا حدث ذلك فإن الخاسر هو الشعب الفلسطينى، حياة الفلسطنيين والحفاظ على وجودهم، هو الأمر الأكثر أهمية الآن.
أثبتت حرب غزة أن القتال ليس حلاً، ولابد من الجلوس إلى مائدة التفاوض أو الحل السياسى، وهذا ما تعمل الدولة المصرية عليه.
التفاوض علم ومعركة، تجيدها الدولة المصرية، وإذا كان مهما وضروريا الدخول فى صراع عسكرى لتحرير الأرض ونيل الحقوق فى مرحلة ما، فإنه يمكن نيلها بالتفاوض والحوار، بعد ذلك، الحرب لا تحسم كل القضايا، فى التفاوض يمكنك أن تجرد الخصم من سلاحه، وأن تفقده المبرر الذى يشهر به ذلك السلاح ويستعمله، ومنذ يوم السابع من أكتوبر، اعتبرت مصر أن المعركة معركتها، وكان لابد من جهد جبار لوقف عملية الإبادة وهدم البيوت والمنازل على سكانها، وتحقق ذلك بعد جهد حقيقى وطويل، وتم التوقيع فى شرم الشيخ، مشهد عالمى مهيب، أكد نجاح الدبلوماسية المصرية المدعومة عربيا ودوليا، والآن نحن بإزاء إنجاز المرحلة الثانية، هناك مخاوف وشكوك لدى كل طرف، لكن هناك منطقة اتفاق، وهدفا يمكن أن يكون مشتركا وهو أن يحل السلام ويشعر الجميع بالأمان، ولا يكتمل السلام دون تنمية حقيقية، وهذا هو معنى إعادة الإعمار، كل خطوة من هذه الخطوات وكل تفصيلة تستغرق مجهودا، ومحاولات إقناع، ضغط هنا وضغط هناك، المهم أن نصل فى النهاية إلى بر الأمان بأن يتم إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وينتهى أطول احتلال فى العصر الحديث. من حق الشعب الفلسطينى أن تكون له دولته وأن يعيش على أرضه وفى وطنه معززا كريما، ومن واجب مصر ودورها أن تساند الأشقاء فى ذلك وتدعمهم بكل ما هو متاح، وقد فعلت مصر الكثير ولا تزال وستظل، حتى يتحقق الهدف ويتم السلام والأمان بقيام الدولة الفلسطينية على الأرض.