رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«المراهنات» تتحكم فى «كأس العالم»


16-7-2026 | 21:42

.

طباعة
علاء محجوب يكتب:

فى الوقت الذى تتابع فيه جماهير الأرض شغف كرة القدم فى المونديال الحالى تعود من جديد أسئلة الفساد لتطرق أبواب الاتحاد الدولى لكرة القدم «الفيفا». لكن هذه المرة الاتهامات أخطر وأعمق. لم تعد تتعلق فقط برشاوى استضافة البطولات، بل امتدت إلى قلب المنافسة نفسها، تقارير إعلامية أمريكية وأوروبية فتحت ملفًا شائكًا يتحدث عن علاقة مزعومة بين «الفيفا» وشركات المراهنات والدعاية التى ترعى البث العالمى، وعن شبهات تحيز متعمد لمنتخبات بعينها وفى مقدمتها منتخب التانجو الأرجنتينى، وعن عودة اسم سيب بلاتر الرئيس السابق إلى الواجهة من جديد، فهل تحولت اللعبة الشعبية الأولى فى العالم إلى بورصة مراهنات كبرى؟ وهل أصبحت العدالة الرياضية ضحية منطق الربح؟

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام عالمية خلال الأسابيع الماضية، فإن حجم الإعلانات الخاصة بشركات المراهنات الأمريكية تضاعف بشكل غير مسبوق خلال مباريات المونديال الحالى، هذه الشركات التى تدفع مليارات الدولارات مقابل حقوق البث والدعاية، وأصبحت شريكًا رئيسيًا فى معادلة تمويل البطولة، وأشارت التقارير إلى أن هذا التداخل المالى يخلق «تضارب مصالح» خطيرا، فكيف يمكن لاتحاد دولى يعتمد على عائدات هذه الشركات أن يحافظ على حياده الكامل؟..

وفى تطور لافت، كشفت تقارير إعلامية أمريكية وأوروبية حديثة عن وجود «شراكات رعاية رسمية» بين الاتحاد الدولى لكرة القدم «الفيفا» وعدد من شركات المراهنات الرياضية الكبرى،

ووفق ما نشرته وسائل إعلام متخصصة فى الرياضة والاقتصاد خلال الأسابيع الماضية، فإن الفيفا وقع عقودًا تسويقية ودعائية مع شركات أمريكية وأوروبية تعمل فى مجال المراهنات، مقابل حصول هذه الشركات على حقوق الإعلان داخل الملاعب وعلى شاشات البث الرسمى للمونديال الحالى.

التقارير أشارت إلى أن حجم هذه العقود يقدر بمئات الملايين من الدولارات، وهو ما يفسر تضاعف ظهور إعلانات المراهنات بشكل مكثف خلال المباريات.

وربطت وسائل إعلام أمريكية بين هذه الشراكات وما وصفته بـ«الضغوط غير المباشرة» على إدارة البطولة، مشيرة إلى أن بقاء المنتخبات الجماهيرية الكبرى لأطول فترة ممكنة يضمن لهذه الشركات أعلى معدلات مشاهدة، وبالتالى أكبر عائد مالى.

ونقلت تقارير عن خبراء قانونيين قولهم إن «غياب الشفافية حول بنود هذه العقود يفتح الباب أمام شبهات تضارب مصالح خطيرة تهدد نزاهة المنافسة»، وحتى الآن لم ينشر الفيفا تفاصيل كاملة عن هذه الاتفاقيات، مكتفيًا بالتأكيد على أن «جميع الشراكات التجارية تخضع لمعايير لجنة الأخلاقيات»، لكن صمت الاتحاد ورفضه الكشف عن بنود العقود زاد من حدة الانتقادات فى الإعلام العالمى، الذى اعتبر أن كرة القدم باتت «ضحية منطق السوق» بدلًا من أن تظل لعبة قائمة على مبدأ تكافؤ الفرص.

صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية نشرت فى نهاية 2025 وبداية 2026 تحقيقًا مطولًا تحدثت فيه عن تحويلات مالية ضخمة عبر شركة مقرها ولاية فلوريدا الأمريكية تدعى «TourProdEnter LLC» تتولى إدارة الالتزامات المالية الخارجية للاتحاد الأرجنتينى لكرة القدم.

ووفقًا للتحقيق، فإن مكتب التحقيقات الفيدرالى الأمريكى «FBI» يحقق حاليًا فى كيفية مرور مئات الملايين من الدولارات عبر خمسة بنوك أمريكية، مشيرًا إلى أن 260 مليون دولار من إيرادات الاتحاد الأرجنتينى مرت عبر هذه الشركة، بينما تم توزيع 57 مليون دولار أخرى على شركات ومستفيدين «لا تظهر لهم مبررات اقتصادية واضحة» بحسب ما أوردته الصحيفة، الأخطر أن التقرير ذاته أشار إلى وجود «مزاعم بتحيز الفيفا لصالح الأرجنتين فيما يتعلق بقرارات الحكام»، فى ربط مباشر بين الجانب المالى والجانب الفني.

السؤال الآن لم يعد عن «هل هناك فساد؟» فالتاريخ أثبت ذلك، لكن السؤال هو: «إلى أى مدى وصل هذا الفساد؟» وعندما تدخل شركات المراهنات إلى غرف صناعة القرار، وعندما تصبح نسبة المشاهدة أهم من نتيجة المباراة، يفقد الجمهور الثقة، ومن دون ثقة الجمهور لا قيمة لأى بطولة.

ونقلت وسائل إعلام أمريكية وأوروبية عن بعض المدربين الحاليين للمنتخبات المشاركة فى المونديال، تلميحات مباشرة بأن هناك «ضغوطًا إدارية» تقف خلف استبعاد بعض المنتخبات، وأن بقاء المنتخبات الجماهيرية الكبرى لأطول فترة ممكنة يخدم شركات المراهنات والبث التى تريد أعلى نسب مشاهدة وأكبر عائد إعلانى.

والإعلام الذى يتابع المونديال ربط بين تكرار الأخطاء التحكيمية المثيرة للجدل وبين هوية المنتخبات المستفيدة منها، صحيفة «ذا صن داى تايمز» البريطانية كانت قد فجرت قبل سنوات فضيحة تسريبات وثائق سرية تتعلق برشاوى فى ملف قطر، وهو ما دفع 5 من الرعاة الكبار للفيفا وهم: سونى وأديداس وفيزا وهيونداى وكوكاكولا، للمطالبة بتحقيق مستقل.

وبعيدًا عن المزاعم، هناك أحكام قضائية صدرت بالفعل وتؤكد أن الفساد لم يكن مجرد شائعات.

فقضايا عديدة تؤكد أن «الفيفا» عمل لسنوات فى بيئة اختلط فيها المال بالإعلام بحقوق البث بالمراهنات، وهو ما سهّل دخول شركات جديدة على الخط.

وركز الإعلام الرياضى العربى على نقطة محورية أن المنتخبات العربية كانت دائمًا الأكثر تضررًا من ازدواجية المعايير؛ ففى نسخ سابقة من المونديال، تعرضت منتخبات عربية لقرارات تحكيمية قاسية، بينما مرت أخطاء مماثلة المنتخبات كبرى دون أى محاسبة، فيما أكدت مصادر داخل بعض الاتحادات العربية لوسائل إعلام أن هناك «متابعة دقيقة» للتحقيقات الأمريكية والأوروبية، وأن ظهور أى دليل على تورط الفيفا فى تحيز مرتبط بالمراهنات سيفتح الباب أمام مطالبة عربية جماعية بإصلاح جذرى لهيكل الاتحاد، كما يرى محللون عرب أن ضعف التمثيل العربى داخل اللجان التنفيذية للفيفا هو أحد أسباب استمرار هذه الأزمات؛ فطالما ظلت القرارات تُتخذ بعيدًا عن صوت القارة الإفريقية والعربية الآسيوية، ستظل الشكوك تحوم حول «العدالة الكروية»؛ فالجماهير التى ملأت المدرجات لن تقبل أن تتحول لعبتهم المفضلة إلى مجرد أرقام فى بورصة المراهنات.

وحتى الآن لم يصدر الفيفا بيانًا مباشرًا يرد فيه على مزاعم الارتباط بشركات المراهنات أو التحيز فى المونديال الحالى، وتؤكد تجربة السنوات الماضية أن الاتحاد يرد دائمًا بأن «لجنة الأخلاقيات المستقلة» هى المختصة، وأن الرعاة لديهم «ثقة كاملة فى الإجراءات».

فالمطلوب من الفيفا حاليا ليس بيانات نفى، لكن شفافية كاملة، وإعلان كل العقود مع شركات المراهنات، وفتح تحقيق دولى مستقل، وضمان تمثيل عادل لكل القارات.

أخبار الساعة