الإبداع بطبيعته طائر حر؛ لا يعترف بالحدود، ولا يمتلك جواز سفر. ومع ذلك، يواجه المبدع أحياناً معضلة غريبة: ليس تحدي جودة ما يقدمه، بل تحدي "من أين أتى". هناك متلازمة خفية تضرب المجتمعات الإبداعية، وهي "عنصرية المكان" أو "متلازمة الغريب"، حيث يتم تقييم العطاء بميزان المسافة الجغرافية لا بميزان القيمة.
فخ الأصالة الزائف
كثيراً ما نقع في خلطٍ كارثي بين "الأصالة" وبين "المجاورة". يُنظر للمبدع الذي ينتمي لنطاق جغرافي معين بصفته "ابن المكان"، بينما يُصنف الآخر بصفته "غريباً" حتى وإن كان يحمل مشروعاً تنويرياً يضيف للمجتمع الكثير. والحقيقة أن هذا "الغريب" ليس أكثر من مبدع لم تتعرف عليه بعد؛ فالتعرف عليه أولاً هو المدخل الوحيد للإنصاف، بدلاً من إقصائه بناءً على مسقط رأسه. هذا الربط بين الإبداع والهوية الجغرافية هو ربط هش؛ فالإبداع فعل عقل، وروحه التجاوز لا الانكفاء .
كيف تقتل "العنصرية المحلية" الإبداع؟
عندما تغلق الجماعة الإبداعية أبوابها أمام هذا "الغريب"، فهي في الحقيقة تمارس نوعاً من الانتحار الثقافي من خلال:
تنميط الأفكار:
حين يهيمن "أبناء المكان" فقط على المشهد، تتحول التجارب إلى صدى لأصوات متشابهة، وتفقد التجربة الإبداعية قدرتها على الدهشة والتجديد.
عزلة الكفاءات:
تقرر الجماعة -بشكل غير معلن- إقصاء طاقات إبداعية فذة لمجرد أنها لم تولد في النطاق الجغرافي ذاته، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية الحقيقية التي كان يمكن أن ترفع من شأن الكيان.
تحويل الكيان إلى "ديوانية مغلقة": حيث يتحول الهدف من "إثراء المشهد الثقافي" إلى "الحفاظ على توازنات القوى الاجتماعية"، فيموت الإبداع ليحيا العرف الاجتماعي .
الإبداع لا يعترف ببطاقة الرقم القومي
إن قيمة أي كيان إبداعي لا تكمن في هوية أعضائه، بل في ثراء نتاجهم. المبدع الحقيقي لا يسأل "من أين أنت؟" بل يسأل "ماذا تحمل في جعبتك؟". التغيير يبدأ حين ندرك أن هذا "الغريب" غالباً ما يكون هو العنصر الأكثر تحفيزاً؛ لأنه يأتي من سياق مختلف، برؤى غير مألوفة، وبطاقة تملك رفاهية التساؤل والاعتراض .
نحو محلية مفتوحة
إن رفض "الآخر" ليس دفاعاً عن المكان، بل هو خوف من التطور. الحفاظ على هوية المكان لا يعني تحويله إلى سجن، بل جعله منارة تستقبل الضوء من كل مكان لتتوهج. إن المؤسسات التي تتمسك بعزلة جغرافية ضيقة تقتل في مهدها أي فرصة للنمو، وهي مؤسسات محكوم عليها بالذبول.
الإبداع هو اللغة العالمية الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة أو إلى شهادة ميلاد محلية. إن كنتم تريدون إبداعاً حقيقياً، فكفوا عن سؤال "من أين جئت؟"، وابدؤوا بسؤال "كيف نبتكر معاً؟".