يأتى فى مقدمة هذه الأسباب المختلفة، موقف حكومة نتنياهو وتهديدات رئيسها التى جددها بعد إعلان رئيس وزراء باكستان التوصل لهذا الاتفاق السياسى، والمتمثلة فى رفضه وقف عدوان إسرائيل على لبنان والانسحاب من الأراضى اللبنانية والإصرار على أن الاتفاق الأمريكى الإيرانى لا يعنيه ولن يقبل به أو يقيّد حركته فى لبنان والتوغل فى أراضيه واحتلال مزيد منها.. وهذا يعد خرقا صارخا للاتفاق الذى يقضى بوقف الحرب بشكل تام وكامل ضد إيران، بما فى ذلك الحرب ضد لبنان أيضا.
وهنا لا يكفى أن ينتقد ترامب استهداف طائرات إسرائيل الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، فيقول: إنه لم يكن ضروريا، وكان يتمنى ألا يحدث استهداف حزب الله شمال إسرائيل بالصواريخ.. فقد بات على ترامب أن يلزم نتنياهو بالتوقف عن الاعتداء على لبنان فى كل أراضيه، وليس الضاحية الجنوبية لبيروت فقط، وإلا اعتبرت إيران ذلك خرقا كما قالت فى الاتفاق السياسى مع أمريكا.
المطلوب الآن من ترامب أن يلزم نتنياهو بقبول هذا الاتفاق، تنفيذه ليس فقط بوقف أى استهداف للأراضى الإيرانية ومنشآتها الحيوية، وإنما بوقف العدوان على لبنان.. وهو فى تقديرى يقدر على ذلك، أو يقدر على الالتزام بتعهدات سابقة له بأن يتخذ هو القرارات الخاصة بالمنطقة، وألا يترك ذلك لنتنياهو الذى يحتاج لاستمرار الحرب، وهو مقبل على انتخابات إسرائيلية، سوف يترتب عليها مصيره هو شخصيا كرئيس وزراء إسرائيل وكإنسان مهدد بالزجّ به فى السجن لاتهامه فى قضايا فساد.. فهو يحتاج لاستمرار الحرب حتى يفوز فى الانتخابات الإسرائيلية، ليتمكن من تشكيل الحكومة الجديدة، وينجو من السجن الذى ينتظره.
لكن المشكلة أن ترامب رغم أنه قادر على أن يلزم نتنياهو بما يريد، فإنه غير راغب بذلك تماما، وقد بدا ذلك واضحا، حينما أعلن عدم رضائه عن اعتداء إسرائيل على الضاحية الجنوبية لبيروت، فهو تحدث أيضا عما أسماه حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها .
أى أن ترامب قادر على أن يلزم نتنياهو بما يريد، وبما فيه وقف العدوان الإسرائيلى على لبنان، لكنه غير راغب فى ذلك.. وهذا أمر يهدد الاتفاق السياسى الذى تم التوصل إليه مؤخرا بين أمريكا وإيران، لأن إيران أعلنت أنها تعتبر استمرار هذا العدوان خرقًا للاتفاق السياسى الخاص بوقف الحرب، والذى أنهى غلق مضيق هرمز، وأنهى أيضا الحصار البحرى الأمريكى للموانئ الإيرانية.
غير أن ذلك ليس السبب الوحيد لاستمرار الصراع الأمريكى الإيرانى رغم اتفاق إنهاء الحرب بين أمريكا وإيران.. فهناك أسباب أخرى أهمها أن الثقة بين الطرفين مفقودة تماما، وقد تجلى ذلك فى إزالة عقبات اللحظات الأخيرة التى سبقت التوصل إلى هذا الاتفاق، التى كان منها مواد التوقيع على الاتفاق، والذى كان ترامب أن يكون فى يوم احتفاله بعيد ميلاده وبلوغه الثمانين من العمر، وتم الاتفاق على موعد آخر.. فقد كان مهمًا إزالة الشكوك المتبادلة، وتأكيد فتح مضيق هرمز أو إنهاء الحصار البحرى لإيران فور التوقيع على الاتفاق، وفكّ تجميد الأموال الإيرانية تدريجيا خلال شهرىْ الهدنة.
كما أن احتمال عدم التوصل إلى اتفاق يخصّ الملف النووى الإيرانى خلال الستين يوما يعد سببا آخر لاستمرار الصراع الأمريكى الإيرانى، وقد هدد ترامب شخصيا بالعودة للحرب إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق حول هذا الملف، لأنه سوف يحرجه كثيرا، وسوف يؤثر سلبا على حزبه فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى.. فالتوصل إلى اتفاق أمريكى إيرانى حول الملف النووى الإيرانى ليس بالأمر السهل، بل شديد الصعوبة فى ظلّ رفض إيران التوقف عن تخصيب اليورانيوم تماما وتسليم ما لديها من يورانيوم مرتفع التخصيب لأمريكا أو غيرها، بينما يصرّ ترامب على منع إيران من التخصيب وتخلّص إيران من اليورانيوم عالى التخصيب، حتى يمكنه أن يتباهى بالاتفاق الذى توصل إليه مع إيران، ويقول إنه أنجز ما أخفق فيه رؤساء أمريكا السابقون.. وهكذا.
قد تكون الحرب الإيرانية قد انتهت، لكن الصراع الأمريكى الإيرانى مستمر حتى إشعار آخر، وهذا الإشعار مرهون أولا بالالتزام الأمريكى الإيرانى بما اتفق عليه مفاوضوها فى هذا الاتفاق، وأكثره أهمية فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحرى الأمريكى لإيران وفكّ تجميد الأموال الإيرانية تدريجيا.. كما أن هذا الإشعار مرهون بسلوك إسرائيل وتوقفها عن العدوان على لبنان، ومرهون أيضا بالتوصل إلى اتفاق بخصوص الملف النووى يقبله ترامب، ويستطيع أن يتباهى به، ويقول إنه أفضل من اتفاق أوباما المبرم عام 2015.. وكل ذلك ليس سهلاً، وإنما صعب، بل شديد الصعوبة.