رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الجنيه المصرى خــارج قائمــة الأجمــل عالميــا


21-6-2026 | 09:03

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان

لم تعد العملات الورقية مجرد وسيلة للتبادل التجاري، بل تحولت إلى مرآة تعكس هوية الدول وثقافتها وتاريخها، وأصبحت فى كثير من الأحيان أعمالاً فنية مصغرة، تتنافس على الجوائز والتصنيفات العالمية المرتبطة بجمال التصميم والابتكار البصري، وبينما نجحت دول عديدة فى تطوير عملاتها؛ لتتصدر قوائم أجمل العملات الورقية حول العالم، يبرز تساؤل حول موقع الجنيه المصرى فى هذه المنافسة بعدما كان يحظى بحضور لافت فى التصنيفات الدولية قبل أن يتراجع خلال السنوات الأخيرة.

كان الجنيه المصرى قد سجل حضورا مميزا على الساحة العالمية؛ إذ اختارته صحيفة «التليجراف» البريطانية عام 2015 ضمن أجمل العملات الورقية فى العالم، كما جاءت فئة المائة جنيه فى المركز الرابع بقائمة أجمل خمس عملات ورقية عالميا وفق تصنيف نشره موقع «لوف إكسبلورينج» عام 2021؛ إلا أن العملة المصرية غابت منذ ذلك الحين عن التصنيفات الدولية الخاصة بجمال العملات، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التراجع، وما إذا كان مرتبطاً بتطور معايير التصميم عالميا أم بحاجة العملة المصرية إلى رؤية بصرية أكثر حداثة وقدرة على المنافسة.

فى هذا الشأن، قال الدكتور أحمد عبد العزيز، أستاذ الجرافيك والفنون الجميلة، إن العملة الورقية تعد من أهم أدوات الاتصال البصرى التى تمتلكها الدولة، فالمواطن أو السائح قد لا يزور المتاحف أو يقرأ كتب التاريخ، لكنه يتعامل يومياً مع العملة التى تنقل إليه رسالة ثقافية وحضارية بشكل مباشر، كما أن العملات التى تتصدر التصنيفات العالمية لا تعتمد فقط على جمال الرسومات، وإنما على وجود فلسفة تصميم متكاملة تجمع بين الهوية الوطنية والتقنيات الحديثة والابتكار البصري، فالعديد من الدول أصبحت تستعين بفرق متخصصة تضم مصممين ومؤرخين وخبراء فى الهوية البصرية عند تطوير العملات الجديدة.

وأوضح «عبد العزيز» أن الجنيه المصرى يمتلك مقومات استثنائية بفضل الإرث الحضارى المصرى الممتد لآلاف السنين؛ إلا أن المنافسة العالمية أصبحت أكثر تعقيدا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ لم يعد الاعتماد على صورة أثر أو مسجد كافياً لتحقيق التميز، بل أصبح المطلوب تقديم رؤية تصميمية حديثة توظف هذا التراث بطريقة مبتكرة، كما أن بعض العملات العالمية الحديثة نجحت فى تحويل عناصرها الوطنية إلى أعمال فنية متكاملة من خلال توظيف الألوان والخطوط والفراغات والعناصر الأمنية بشكل إبداعي، وهو ما منحها حضورا قويا فى التصنيفات الدولية، وجمال العملة لا يقاس فقط بثراء الزخارف أو كثرة التفاصيل، وإنما بقدرة التصميم على خلق حالة من التوازن بين الهوية الوطنية والحداثة البصرية. وأضاف أن الجنيه المصرى كان يتمتع لسنوات طويلة بشخصية بصرية مميزة جعلته محل اهتمام المتخصصين فى تصميم العملات حول العالم؛ إلا أن التطورات المتسارعة التى شهدتها صناعة العملات عالمياً رفعت سقف المنافسة بشكل كبير، كما أن العديد من الدول أصبحت تطلق مسابقات دولية لتصميم عملاتها، وتستعين بخبراء فى الفنون البصرية وعلم النفس البصرى والهوية الثقافية للوصول إلى تصميمات أكثر تأثيرا، وتمتلك مصر كنزا حضاريا هائلا يمكن توظيفه بصورة أكثر إبداعا لإنتاج عملات قادرة على المنافسة عالمياً واستعادة مكانتها السابقة فى التصنيفات الدولية.

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد حمدي، أستاذ التصميم بكلية الفنون التطبيقية، أن تصميم العملات حول العالم شهد طفرة كبيرة خلال العقد الأخير نتيجة دخول تقنيات الطباعة الحديثة والعناصر البصرية المتطورة التى منحت المصممين مساحات أكبر للإبداع، والعديد من العملات الجديدة أصبحت تعتمد على مفهوم «التصميم الذكي» الذى يجمع بين الجمال البصرى وعناصر الأمان وسهولة التعرف على الفئات النقدية، والاتجاهات الحديثة فى تصميم العملات تميل إلى البساطة المدروسة والرسائل البصرية الواضحة بدلاً من التكدس الزخرفي، وتتميز العملة المصرية بثراء بصرى كبير نتيجة المزج بين الحضارتين الفرعونية والإسلامية؛ إلا أن هذا الثراء يحتاج إلى إعادة تقديم بصورة أكثر معاصرة تتناسب مع الاتجاهات العالمية الحديثة، فالدول التى تحصد جوائز التصميم لا تمتلك بالضرورة تاريخا أقدم من مصر، لكنها تنجح فى تحويل رموزها الوطنية إلى قصة بصرية متكاملة داخل مساحة العملة، وهو ما يجعلها أكثر جذبا للجان التحكيم والمتخصصين فى تقييم التصميمات النقدية، كما أن العملات البلاستيكية الحديثة تتيح فرصاً أكبر للابتكار من خلال النوافذ الشفافة والعناصر البصرية المتحركة والمؤثرات الضوئية، وهذه الإمكانات يمكن استغلالها لإبراز الشخصية المصرية بشكل أكثر قوة فى الإصدارات المستقبلية.

وأشار أستاذ التصميم بكلية الفنون التطبيقية، إلى أن العملة الورقية الناجحة أصبحت بمثابة معرض فنى متنقل يصل إلى ملايين الأشخاص يومياً، ولذلك تحرص الدول على أن تحمل عملاتها رسائل ثقافية وحضارية واضحة، فالاتجاهات الحديثة فى التصميم تميل إلى استخدام عناصر بصرية أكثر بساطة ووضوح مع الحفاظ على العمق الفنى والرمزي، وهو ما يجعل العملة أكثر جاذبية وسهولة فى التمييز، وبعض العملات العالمية الحديثة نجحت فى توظيف الألوان والعناصر الشفافة والمؤثرات الضوئية بشكل مبتكر، ما منحها حضورا قويا فى مسابقات وتصنيفات الجمال العالمية، والعملة المصرية لا تعانى من نقص فى الرموز أو الموضوعات الملهمة بل تحتاج إلى إعادة تقديم هذه العناصر وفق رؤية تصميمية حديثة تتناسب مع معايير العصر.

بينما أوضح الخبير الاقتصادى الدكتور وليد عادل، أن «العملة ليست مجرد أداة نقدية، بل تمثل أحد الرموز السيادية للدولة شأنها شأن العلم والنشيد الوطني، ولذلك فإن تصميمها وانطباعها البصرى يسهمان فى تشكيل الصورة الذهنية عن الدولة لدى المواطنين والزوار الأجانب، فالدول تهتم بشكل متزايد بإصدار عملات تعكس قوتها الثقافية والحضارية، لأن ذلك يعزز من قيمة «القوة الناعمة» للدولة على المستوى الدولي، والعملات المميزة من الناحية الفنية كثيرا ما تتحول إلى مواد جاذبة لهواة الجمع والمعارض الدولية، كما أن تطوير تصميم العملة لا يرتبط فقط بالمظهر الجمالي، وإنما يأتى ضمن عملية أشمل تشمل تحديث عناصر التأمين والطباعة ورفع كفاءة الإنتاج النقدي، والعديد من الدول استطاعت الجمع بين الجمال والأمان فى تصميماتها الحديثة، ومصر تمتلك فرصة كبيرة للعودة إلى المنافسة العالمية فى هذا المجال بفضل تاريخها الفريد ورموزها الحضارية المعروفة عالمياً، لكن ذلك يتطلب رؤية تصميمية متجددة تواكب ما يشهده العالم من تطور فى صناعة العملات».

ونوه «الخبير الاقتصادي» بأن الاهتمام بتصميم العملة لا يعد رفاهية أو أمرا شكليا، ولكنه يدخل ضمن أدوات بناء الصورة الذهنية للدولة وتعزيز قوتها الناعمة؛ حيث إن العملات المميزة بصرياً تسهم فى إبراز المكانة الحضارية والثقافية للدول، خاصة فى ظل الاهتمام العالمى المتزايد بالفنون المرتبطة بالهوية الوطنية، والعديد من البنوك المركزية حول العالم أصبحت تستثمر فى تطوير تصميمات عملاتها باعتبارها جزءا من استراتيجية أوسع لتعزيز حضور الدولة دوليا، كما أن نجاح العملة فى حصد جوائز أو تصنيفات عالمية ينعكس إيجاباً على سمعة الدولة ويمنحها قدرا من التميز الثقافي، ومصر بما تمتلكه من تاريخ وحضارة قادرة على تقديم تصميمات نقدية تنافس عالمياً إذا ما تم الجمع بين الإرث التاريخى والرؤية الفنية المعاصرة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة