فى قرار وصفه مراقبون بأنه من أبرز القرارات التنظيمية التى شهدتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خلال العقود الأخيرة، أقر المجمع المقدس تحديث لائحته التنظيمية بعد أكثر من 41 عامًا على اعتمادها، ليضع بذلك إطارًا جديدًا لآليات العمل المجمعى يتوافق مع المتغيرات التى شهدتها الكنيسة الأرثوذكسية واتساع مسئولياتها الرعوية والإدارية داخل مصر وخارجها.
يأتى التحديث بعد سنوات من المناقشات والدراسات التى استهدفت مراجعة مواد اللائحة القائمة، بما يضمن تعزيز كفاءة الأداء المؤسسى، وتطوير منظومة اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ التنظيم والحوكمة داخل أعلى سلطة كنسية، فى خطوة تعكس حرص الكنيسة على المواءمة بين أصالة التقاليد الكنسية ومتطلبات الواقع المعاصر.
وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، شكلت اللائحة التنظيمية للمجمع المقدس الإطار الحاكم لعمل أعلى هيئة كنسية، وهو ما قال عنه الباحث والمؤرخ القبطى كمال زاخر، بأن إشكالية لائحة المجمع المقدس فى أنها تعبر عن كنيسة تدار من مكون واحد من مكوناتها وهو المكون الرهبانى، ولهذا فهى لا تحتمل أية تعديلات سوى تعديلات تنظيمية فقط، مضيفا أنه حتى تأتى اللائحة معبرة عن هوية الكنيسة يجب تصحيح الرؤية البنيوية للكنيسة، فهى كنيسة الشعب بحسب التوصيف الدقيق لها، ومن ثم لابد أن تتضمن اللائحة هذا التوصيف وما يترتب عليه، من إضافات جوهرية فيها، سواء فيما يتعلق بالكنائس القبطية ببلاد المهجر، وطرق اختيار الرعاة بمشاركة الرعية، وفق نظام تكاملى واضح.
وشدد «زاخر» على ضرورة ضبط العلاقة فى الداخل والخارج بين الإكليروس «الأساقفة تحديدا» وبين الرعية «المسيحيين الأقباط» لتصير القرارات المتعلقة بالعقيدة من اختصاص الأسقف بينما إدارة الشئون الإدارية والمالية من صلاحيات مجلس من الرعية، ويخضع لرقابة جهاز ينشأ من القانونيين والمحاسبين لهذا الغرض، تقدم له تقارير دورية عن هذه الأمور.
ويتطلب هذا إضافة لجنة إلى لجان المجمع تضم مدنيين «الأراخنة بحسب التوصيف الكنسى» كأعضاء بالمجمع يشاركون فى مناقشة ما يطرح عليه ولهم حق التصويت على قراراته. لافتا إلى أن الأمر يتطلب وضع لائحة تنظيمية لاختيار هؤلاء المدنيين، والشروط والصلاحيات وآلية الاختيار ومدة العضوية مع مراعاة تمثيل إيبارشيات «مناطق» الكنيسة بالداخل والخارج.
وعن خطوة تُعد من أبرز محطات التطوير المؤسسى داخل الكنيسة خلال العقود الأخيرة، يرى الباحث فى الشأن المسيحى كريم كمال، أنه على مدى ما يقرب من أربعة عقود شهد المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية واحدة من أهم مراحل التحول الإدارى فى تاريخه الحديث، فمنذ صدور أول لائحة رسمية عام 1985 فى عهد البابا شنودة الثالث وحتى إصدار اللائحة الجديدة عام 2021 فى عهد البابا تواضروس الثانى تغير شكل الإدارة الكنسية بصورة لافتة خاصة فى ما يتعلق بنظام التصويت وآليات اتخاذ القرار وظهور اللجنة الدائمة كجهاز مؤسسى جديد. وأضاف: قبل عام 1985 كان المجمع المقدس يعمل وفق الأعراف والتقاليد الكنسية دون وجود وثيقة تنظيمية مكتوبة ومع اتساع الخدمة وتزايد عدد الإيبارشيات داخل مصر وخارجها ظهرت الحاجة إلى إطار قانونى يحدد صلاحيات الأساقفة وينظم المحاكمات الكنسية ويضع قواعد واضحة لعمل اللجان واتخاذ القرار، وفى هذا السياق أصدر البابا شنودة الثالث لائحة 1985 لتكون أول وثيقة رسمية تضبط عمل المجمع فى العصر الحديث، ولكن مع مرور الزمن أصبحت هناك تطورات كثيرة ما جعل الحاجة إلى تطويرها أمرًا ملحًا مع توسع الكنيسة عالميا وتعقّد الملفات المطروحة أمام المجمع.
وأوضح أن لائحة 1985 اعتمدت على نظام دقيق جدًا حيث كان التصويت يتم برفع اليد أو بالإجماع كما لعبت شخصية البابا شنودة دورًا محوريًا إذ كان يتمتع بثقل روحى وفكرى كبير ما جعل الأساقفة يميلون إلى الالتفاف حول رأيه ولكن رغم شخصية البابا الكاريزمية وثقة أعضاء المجمع المقدس المطلقة فية كان دائما يميل للتشاور مع المطارنة والأساقفة قبل اتخاذ أى قرار.
واستطرد الباحث فى الشأن المسيحى: مع اتساع الكنيسة عالميا وتزايد الملفات العقائدية والإدارية ظهرت الحاجة إلى لائحة أكثر دقة لذلك صدر الإصدار الثانى من اللائحة عام 2021 والذى وضع نظاما واضحا للتصويت تمثل فى تصويت علنى للقرارات الإدارية وتصويت سرى للقضايا الحساسة مثل المحاكمات والقرارات العقائدية والأغلبية المطلقة لمعظم القرارات مع ثلثى الأصوات للقرارات العقائدية والطقسية الكبرى.
ولفت الى أنه فى عهد البابا شنودة لم تكن هناك لجنة دائمة رسمية، حيث كانت القرارات العاجلة تدار عبر سكرتارية المجمع أو اجتماعات غير رسمية أو عبر البابا مباشرة أما فى عهد البابا تواضروس تم استحداث اللجنة الدائمة رسميا، فى لائحة 2021 وتتكون من 20 عضوا من كبار الآباء المطارنة والأساقفة مع بعض الأساقفة الذين يختارهم البابا، ودورها هو دراسة الملفات قبل عرضها على المجمع ومتابعة تنفيذ القرارات والتعامل مع القضايا العاجلة وإدارة الأزمات والشكاوى وتقديم توصيات للمجمع العام واتخاذ القرارات العاجلة فى حالة تعثر اجتماع المجمع المقدس لأسباب طارئة مثل فترة انتشار فيروس كورونا على سبيل المثال.
وأكد كريم كمال أنه خلال انعقاد المجمع المقدس الأخير وصدور البيان الختامى تم الإعلان عن توزيع ورقة مقترحات على أعضاء المجمع المقدس لعمل تعديل جديد على اللائحة دون الإعلان عن أسباب التعديل أو المقترحات المقدمة وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول أسباب التعديل خصوصا أن ذلك التعديل الأخير لم يمر عليه وقت طويل، وأرجع أسباب ذلك فى رأيه إلى أن عمل بعض التعديلات على اللائحة بين وقت وآخر أمر طبيعى من أجل التطورات المتلاحقة فى عالم يتطور بسرعة هائلة وخصوصا فى المجالات التكنولوجية وهو أمر محمود، ولكن يجب أيضا الحذر من أنه لن يكون مقبولا عمل تعديل يعطى سلطة منفردة لقداسة البابا أو اللجنة الدائمة أو أى لجنة مشكلة فى اتخاذ قرارات منفردة فى الحوارات اللاهوتية أو فى تقرير موضوعات مصيرية مثل الوحدة مع الكنائس الأخرى دون وجود إجماع من أعضاء المجمع المقدس وخصوصا أن هناك نقاشات حول هذا الموضوع.
ونفى الباحث الأرثوذكسى الشائعات المتداولة بأن سبب تعديل اللائحة المقترح هو قانون الأحوال الشخصية الجديد المعروض حاليا على مجلس النواب، وقال: لائحة المجمع المقدس خاصة بتنظيم العمل والتصويت وعمل لجان المجمع وليس لها أى علاقة بموضوعات مثل الأحوال الشخصية أو الموضوعات المشابهة. واختتم: بناء على ما تقدم نحن نثق ثقة تامة فى قداسة البابا تواضروس الثانى والآباء المطارنة والأساقفة أعضاء المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية وفى حرصهم التام عند إجراء أى تعديل على اللائحة أن يكون متوافقا تماما مع عقيدة الكنيسة وقوانين الآباء الرسل والمجامع المسكونية التى تعرف بها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.