قلت له:
يا عبدالحليم.. أنا لا أصدق أنك لم تحب مرة واحدة فى حياتك فهل هذا صحيح؟
فقال عبدالحليم:
أنا لم أحب قط فى حياتي.. وأقسم على ذلك برحمة والدتي، وهذا القسم هو أعز قسم عندي، وأقول لك السبب: نشأت وأنا أعتقد أننى إنسان سيئ الحظ، شؤم نحس، وذلك لأن والدتى ماتت وهى تلدني، ثم مات والدى بعدها مباشرة، فنشأت منطوياً على نفسى حتى كنت أخاف أن يلحق طالع النحس الذى يلازمنى الضرر بإخوتى الذين هم كل ما تبقى لى فى الحياة.
نشأت فى الزقازيق وكل ما يشغلنى نحسى ولقمة العيش، وعندما يكون الإنسان مشغولاً بحظه السيئ، ومعدته، لا أعتقد إطلاقاً أنه يجد الوقت للحب، لذلك مرت أول مرحلة فى حياتى دون أن يتحرك قلبي!.
ومرت الأيام.. وجئت إلى القاهرة والتحقت بمعهد الموسيقى الشرقية، فى هذه الفترة كان الشيء المسيطر على حياتى هو النجاح فى المعهد، حتى أستطيع أن أخفف العبء عن كاهل إخوتى بعد أن أتوظف وأصبح موظفاً أتقاضى مبلغاً فى أول كل شهر.
وانقضت بذلك المرحلة الثانية فى حياتى وهى مرحلة المراهقة والشباب المبكر من سن الخامسة عشرة إلى العشرين دون أن يكون هناك وقت أو اتجاه لدخول المرأة فيها، وبعدئذ توظفت فى طنطا كنت أستقل قطار الساعة السادسة صباحاً فأصل طنطا فى الثامنة، ثم أنتهى من دروسى وأعود فى قطار الواحدة بعد الظهر محطماً منهوك القوى، فلا يكون أمامى إلا أن أمسك بآلة الفلوت فأجلس إليها الساعات الطوال.
ومرت هذه الحقبة أيضاً وشابهت زميلاتها... ثم بدأت فى الغناء... وحكم الناس على صوتى وفنى بالنجاح، وبدأت العمل فى السينما وهنا أرى أنك تسألينني: وكيف لم تحب الآن ولديك الوقت والمال والمعجبات؟ وأقول لك: إن الوقت يسرقني، فأيامى وليالى تنقضى كلها بين استديوهات السينما واستديوهات التسجيل، ومع الملحنين ومؤلفى الأغاني، كما أن الفكرة نفسها لا تلح على كثيراً.. وأنا لا أزال فى الانتظار.
المرأة التى تعجبني
إذن فأيامك ولياليك خلو من المرأة؟
ماذا تريدينى أن أقول؟.. لا.. هناك نساء فى حياتى ولكنهن نساء بلا حب!
ألم تر فتاة ذات مرة أعجبتك وتمنيت الزواج منها؟
أنا لا يهمنى الشكل إطلاقاً، تهمنى الروح قبل كل شيء بل أن هناك عيوبا فى المرأة تجعلها جميلة فى نظري، تعجبنى المرأة خفيفة الدم، الأنيقة، المثقفة، ومن هذا الطراز شاهدت كثيرات، ولكن فكرة الزواج لم تراودني.. أقسم لك.. والله العظيم!.
وما هى الصلات الروحية التى يمكن أن تربطك بالمرأة؟
الفهم المتبادل واتفاق وجهات النظر والمعتقدات الواحدة.
وما هى القصة التى قرأتها ونفذت إلى قلبك؟
قصة «فى بيتنا رجل»، لقد انفعلت بشخصية محيي، إن دور محيى فى الرواية هو دور بطل عربى عظيم، أثار فى قومه الروح الوطنية التى كان تراب الاستعمار قد علا عليها وأعاد إلى المعدن بريقه الجميل.
أغنية تتعب قلبه
وما هى الأغنية التى تغنيها من قلبك؟
كل أغانى تقريباً.. ولكن الأغنية التى تتعب قلبى هي: أغنية «فى يوم، فى شهر فى سنة» بعدها أحس إن إحساسى مرهق وأنها قد استنفدت من أعصابى الكثير، لحناً وكلاماً.
وما هو الشيء الذى يستطيع أن يحيل الحزن الجاثم فى حياتك إلى سعادة؟
لا أعتقد أن هناك أى شيء يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا تغير عبدالحليم إلى شخص آخر..
ولماذا أنت حزين وقد أصبحت غنياً، مشهوراً، ناجحاً، شاباً مكتمل الصحة والعافية كما أرى؟
أعتقد أنه كلما زادت حساسية الإنسان يغلب عليه طابع الحزن، فأصحاب الشعور البليد يكونون دائماً سعداء مرحين، والحساسون جداً هم الذين يتعبون أنفسهم طول العمر، وأنا منهم!.
وماذا يتعب إحساسك؟
كلمة صغيرة لفتة عابرة، إهمال صديق، سوء تفاهم.. ومن طبعى أن أقل كلمة تسعدنى وأقل كلمة تحزنني...
تعطيل المرور يسعدني!
وماذا يسعد إحساسك؟
تقدير الناس، ولا أحد يدرى كم أحس بالسعادة عندما أستقل سيارتى فيتجمع الناس حولى وتتعطل إشارات المرور وكل منهم يريد أن يصافحنى ويعانقني، إننى أحس أننى أتفانى فى محبتهم ولا أضن بأى مجهود أبذله من صحتى فى سبيل تقديم أحسن ما عندى للناس.
وما هى أسعد لحظات حياتك؟
أسعد لحظات حياتى تلك اللحظات التى أقضيها مع أسرتى وأحس أن عيونهم ترمقنى بعين الشكر، لأنى تسببت فى إسعادهم وتوفير كل ما يتمنونه.
ولكن.. لماذا لا تتزوج وتنجب أطفالاً، وتكون لنفسك أسرتك الخاصة؟
أنا أحب الأطفال جداً، وأطفال العمارة يزورونى بصفة منتظمة، وإذا لم أكن متهيئاً للزيارة فهم يكتفون بتحيتى بالوقوف على الباب وإنشاد آخر أغاني، أما الزواج.. فلم أفكر فيه...
وهل فى حياتك أصدقاء وصديقات؟
أنا لا أستطيع أن أعيش بدون أصدقاء، والصداقة عندى هى مزيج من الفهم والثقة والتفانى والإخلاص والوفاء وتبادل المشاعر، وجميع أصدقائى يتصفون بهذه الصفات.
وما هى الذكرى التى يتحرك لها قلبك؟
كلما ذكرت فترة مرضى الأخيرة وسفرى إلى الخارج وتلهف الناس على الاطمئنان على أحس أننى إنسان اختصه الله بشيء كبير، إنها ذكرى تبكيني، لقد كنت أحس بأن قلوب الناس تدعو لي، إنها أمر ذكرى عندي.
وما هى أمنياتك فى الحياة؟
أتمنى لنفسى الستر والصحة، وأن يديم الله على حب الناس، وبالنسبة لفنى أتمنى أن تصدر أغانينا للخارج وتصبح عالمية تتردد فى العالم أجمع.