رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«سطح البيت» محطة لتوليد الكهرباء.. فاتورتك «صفر»


21-6-2026 | 09:01

.

طباعة
تقرير: تغريد شعبان

مع كل قفزة جديدة فى أسعار شرائح الكهرباء يدخل المواطن فى سباق مع الزمن للبحث عن طوق نجاة يحمى ميزانية الأسرة من «زلزال» الفواتير الشهرية المتتالية، ووسط هذا السباق فرضت الطاقة الشمسية نفسها كأحد أبرز الحلول الاستراتيجية وأكثرها استدامة، مستندة فى ذلك إلى كنز مصر الطبيعى وموقعها الجغرافى الذى يمنحها واحدًا من أعلى معدلات السطوع الشمسى فى العالم، ورغم الطفرة الواضحة والإقبال المتزايد على تركيب الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل والبنايات السكنية، لا يزال الغموض يحيط بالتفاصيل بالنسبة للكثيرين، وتدور فى أذهان الشارع تساؤلات حول: التكلفة الحقيقية للمشروع والمساحة المطلوبة فوق السطح؟ وكيف تسير الإجراءات والموافقات الرسمية؟ وما قصة العدادات التبادلية وكيفية بيع الفائض للحكومة؟

 

 

فى هذه الجولة، اطلعت «المصوّر» على كواليس إحدى كبرى شركات الطاقة الشمسية، لتضع بين أيديكم الخريطة التنفيذية الكاملة للمحطات المنزلية من الألف إلى الياء على لسان المتخصصين، كما ننقل لكم تجربة حية وعملية لمواطن نجح بالفعل فى ترويض «فاتورة الكهرباء»، وهبط بها إلى الحد الأدنى بعد أن تحول بيته لمحطة توليد خضراء.

فى هذا الإطار، أكد محمد رجب، صاحب شركة «تسيلا» لحلول الطاقة الشمسية والمتجددة والمتخصص فى إنارة الطرق السريعة بكشافات الطاقة الشمسية، أن الخلايا الشمسية تعتمد على تحويل أشعة الشمس إلى طاقة كهربائية من خلال ألواح تحتوى على مواد شبه موصّلة يتم تركيبها فى أماكن تتعرض لأشعة الشمس المباشرة، ثم ربطها بوحدات تحويل كهربائية لتحويل الطاقة المنتجة إلى كهرباء قابلة للاستخدام داخل المنزل أو المبنى، وبعض الأنظمة يتم ربطها بالشبكة القومية للكهرباء من خلال نظام «صافى القياس» الذى يسمح بضخّ فائض الكهرباء المنتجة إلى شبكة التوزيع وخصم قيمته من استهلاك المشترك، وهو ما يحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا لأصحاب المحطات الشمسية.

وأشار إلى أنه رغم المزايا العديدة للطاقة الشمسية، فإن انتشارها على أسطح العمارات السكنية لا يزال يواجه بعض التحديات، فى مقدمتها ارتفاع التكلفة الاستثمارية الأولية وضعف الوعى لدى بعض المواطنين بآليات التشغيل والعائد المتوقع على المدى الطويل، كما أن بعض العقارات تواجه صعوبات تتعلق بعدم توافر مساحات كافية فوق الأسطح أو صعوبة التوافق بين السكان على تنفيذ المشروع بشكل جماعى، وتحديد تكلفة المحطة يرتبط بحجم الاستهلاك الكهربائى للأسرة وقدرة المحطة المطلوبة، ويعد النظام الأكثر شيوعًا للمنازل هو محطة بقدرة 5 كيلووات وهى قدرة مناسبة لاستهلاك أسرة متوسطة مكونة من أربعة أفراد، وبحسب التقديرات تبلغ تكلفة الكيلووات الواحد نحو 30 ألف جنيه، ما يعنى أن تكلفة محطة بقدرة 5 كيلووات تصل إلى نحو 150 ألف جنيه تقريبًا، وهذه المحطات صممت للعمل فترات طويلة قد تصل إلى 30 عامًا ما يجعلها استثمارًا طويل الأجل يوفر جزءًا كبيرًا من مصروفات الكهرباء المستقبلية.

وأوضح أنه لا ترتبط تكلفة المشروع فقط بعدد الشقق أو حجم الاستهلاك بل تمثل المساحة المتاحة فوق السطح عنصرًا حاسمًا فى إمكانية التنفيذ، فكل كيلووات يحتاج فى المتوسط إلى نحو 6 أمتار مربعة ما يعنى أن محطة بقدرة 5 كيلووات تتطلب مساحة تقارب 30 مترًا مربعًا، وفى حالة العمارات السكنية، تتضاعف التكلفة وفق عدد الوحدات السكنية والقدرات المطلوبة لكل شقة؛ فعلى سبيل المثال، إذا ضمت العمارة 10 شقق، واحتاجت كل وحدة إلى محطة بقدرة 5 كيلووات، فإن إجمالى التكلفة قد يصل إلى نحو 1.5 مليون جنيه، بشرط أيضا توافر المساحات اللازمة فوق السطح لاستيعاب الألواح الشمسية، ويعد عداد «صافى القياس» أحد العناصر الأساسية فى منظومة الطاقة الشمسية المرتبطة بالشبكة القومية للكهرباء، ويقوم هذا العداد بقياس كمية الكهرباء المنتجة من المحطة وكمية الكهرباء المستهلكة من الشبكة فى الوقت نفسه ليحدد الفارق بينهما بصورة دقيقة.

ولفت إلى أنه إذا تجاوز الإنتاج حجم الاستهلاك يتم تسجيل الفائض لصالح صاحب المحطة، أما إذا كان الاستهلاك أكبر من الإنتاج فيتم سداد قيمة الفرق فقط، وفى حال تساوى الكميتين لا يكون هناك رصيد مستحق لأى من الطرفين، كما أن الحصول على موافقة شركة الكهرباء لتركيب المحطة يتطلب استيفاء عدد من الإجراءات والمستندات من بينها تقديم إيصالات استهلاك الكهرباء الخاصة بآخر ستة أشهر إلى جانب المستندات الفنية اللازمة لربط المحطة بالشبكة.

على أرض الواقع، تبدو النتائج أكثر وضوحًا لدى المواطنين الذين خاضوا التجربة بالفعل، فالحاج أحمد محمد، صاحب أحد المنازل الذين قاموا بتركيب محطة طاقة شمسية، قال إن فاتورة الكهرباء كانت تتراوح قبل التركيب بين 1500 و2500 جنيه شهريًا خاصة خلال أشهر الصيف التى تشهد تشغيلًا مكثفًا لأجهزة التكييف، لكن بعد التركيب تراجعت الفاتورة بصورة كبيرة حتى أصبحت الأسرة تسدد مبالغ محدودة للغاية تقتصر على بعض الرسوم بينما حصلت خلال العام الماضى على مقابل لفائض الكهرباء المنتج، والمكسب الحقيقى لم يكن فقط فى خفض قيمة الفاتورة بل فى التخلص من القلق المرتبط بارتفاع شرائح الكهرباء وزيادة الأسعار، فالمبالغ التى كانت تخصص شهريًا لسداد الفاتورة أصبحت توجه إلى احتياجات أخرى للأسرة، وأكبر ميزة فى الطاقة الشمسية تتمثل فى تحقيق قدر من الاستقرار المالى على المدى الطويل، إلى جانب الاعتماد على مصدر طاقة نظيف ومتجدد، فيما تبقى التكلفة الأولية المرتفعة التحدى الأبرز أمام انتشار التجربة على نطاق أوسع، خاصة مع حاجة المواطنين إلى معلومات واضحة وشركات موثوقة تساعدهم على اتخاذ القرار.

من جانبه، كشف المهندس ماهر عزيز، استشارى الطاقة والبيئة وتغير المناخ وعضو مجلس الطاقة العالمى، أن الطاقة الشمسية لم تعد مجرد خيار بيئى أو تكنولوجى، بل أصبحت استثمارًا اقتصاديًا حقيقيًا يزداد جاذبية مع الارتفاعات المتتالية فى أسعار الكهرباء وتوجه الدولة نحو إعادة هيكلة دعم الطاقة، والجدوى الاقتصادية تختلف من فئة لأخرى، لكنها تبدو أكثر وضوحًا لدى الأسر التى تقع ضمن شرائح الاستهلاك المرتفعة، حيث تمثل الطاقة الشمسية وسيلة فعالة للحد من الزيادة المستمرة فى قيمة الفواتير، بينما تكون الجدوى أقل نسبيًا لدى أصحاب الاستهلاك المحدود بسبب ارتفاع تكلفة التركيب مقارنة بقيمة الاستهلاك الشهرى، أما بالنسبة للمشروعات الصغيرة والأنشطة التجارية، فالعائد الاقتصادى يكون أسرع وأكثر وضوحًا نظرًا لارتفاع أسعار الكهرباء التجارية والصناعية من جهة واعتماد أغلب هذه الأنشطة على العمل خلال ساعات النهار التى تتزامن مع ذروة إنتاج الطاقة الشمسية، من جهة أخرى وهو ما يقلل الحاجة إلى أنظمة التخزين مرتفعة التكلفة.

ونبه «عزيز» بأن متوسط فترة استرداد تكلفة محطات الطاقة الشمسية فى مصر يتراوح حاليًا بين 4 و7 سنوات، فى حين يصل العمر الافتراضى للمحطة إلى نحو 30 عامًا وهو ما يعنى أن المستهلك يستطيع الاستفادة من الكهرباء المنتجة بتكلفة شبه مجانية لسنوات طويلة بعد استرداد قيمة الاستثمار، كما أن هناك عدة عوامل تتحكم فى سرعة تحقيق العائد أبرزها نوع النظام المستخدم، حيث تعد المحطات المرتبطة بالشبكة القومية «On-Grid» الأسرع فى استرداد التكلفة لعدم احتياجها إلى بطاريات تخزين مرتفعة الثمن، فى حين ترتفع التكلفة فى الأنظمة المنفصلة عن الشبكة بسبب الاعتماد على البطاريات وضرورة استبدالها دوريًا، وتلعب طبيعة الاستهلاك دورًا مهمًا؛ فكلما ارتفع استهلاك الكهرباء وانتقل المشترك إلى الشرائح الأعلى، زادت قيمة الوفر المحقق، وبالتالى تقل فترة استرداد رأس المال، كذلك تؤثر جودة التصميم الهندسى للمحطة وخلو الموقع من الظلال والاستفادة من معدلات السطوع الشمسى المرتفعة التى تتمتع بها مصر والتى تتراوح بين 5 و7 ساعات يوميًا.

وأضاف أن التمويل يمثل العامل الحاسم فى انتشار الطاقة الشمسية بين المواطنين، خاصة أن العقبة الرئيسية لا تزال تتمثل فى تكلفة التركيب الأولية، وهناك عدد من البنوك المصرية بدأ بالفعل فى توفير برامج تمويل مخصصة لأنظمة الطاقة الشمسية للمنازل والمشروعات الصغيرة بفترات سداد مرنة تمتد لعدة سنوات، وهو ما أسهم فى توسيع قاعدة المستفيدين من هذه التكنولوجيا، والمرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من التسهيلات سواء من خلال برامج تمويل منخفضة الفائدة أو عبر تبسيط الإجراءات الخاصة بالحصول على الموافقات الفنية وربط المحطات بالشبكة الكهربائية، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات بين البنوك والشركات المعتمدة لتقديم حلول تمويل وتركيب متكاملة للمواطن.

ونبه «عزيز» بأن مستقبل الطاقة الشمسية فى مصر يبدو واعدا، فى ظل توجه الدولة لزيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة فى مزيج الطاقة الوطنى، وأن السنوات المقبلة ستشهد توسعًا أكبر فى استخدام المحطات الشمسية داخل المصانع والمزارع والأنشطة الاقتصادية المختلفة بهدف خفض تكلفة الإنتاج والالتزام بالمعايير البيئية العالمية، وأتوقع أن يمتد الاعتماد على الطاقة الشمسية داخل القطاع السكنى ليشمل العمارات السكنية والمجتمعات العمرانية الجديدة عبر أنظمة جماعية تسمح باستغلال أسطح المبانى لإنتاج الكهرباء، بما يحول المستهلك التقليدى تدريجيًا إلى منتج ومستهلك للطاقة فى الوقت نفسه.

وألمح إلى أنه برغم أن تكلفة إنشاء محطة الطاقة الشمسية تبدو مرتفعة فى البداية، فإن المقارنة على المدى الطويل تكشف فارقًا كبيرًا فى التكلفة، فالمستهلك فى الشبكة التقليدية يواصل دفع قيمة الكهرباء شهريًا وفق شرائح استهلاك قابلة للزيادة مستقبلًا، بينما يتحمل صاحب المحطة الشمسية تكلفة تأسيسية واحدة ثم يستفيد من الكهرباء المنتجة لعقود، وفى الوقت الذى يصل فيه سعر الكيلووات من الشبكة الحكومية للأسر مرتفعة الاستهلاك إلى ما بين 1.95 و2.58 جنيه تنخفض التكلفة الفعلية للكيلووات المنتج من محطات الطاقة الشمسية المرتبطة بالشبكة إلى نحو 60 أو 80 قرشًا فقط عند احتساب إنتاج المحطة على مدار عمرها الافتراضى البالغ 25 عامًا.

ويؤكد العديد من الخبراء أن الطاقة الشمسية أصبحت أحد أكثر الخيارات الاقتصادية جدوى للأسر المصرية فى ظل الارتفاعات المتتالية لأسعار الكهرباء، خاصة للمواطنين الذين يمتلكون المساحات المناسبة لتركيب المحطات فوق أسطح المنازل أو المبانى، كما أن العائد الاقتصادى للمشروع لا يرتبط فقط بقيمة فاتورة الكهرباء، وإنما يتأثر أيضًا بطريقة تمويل المحطة؛ فالمواطن الذى يعتمد على التمويل الذاتى يمكنه استرداد تكلفة الاستثمار خلال فترة تتراوح بين 4 و5 سنوات تقريبًا، بينما ترتفع فترة الاسترداد إلى ما بين 5 و6 سنوات فى حالة الاعتماد على التمويل البنكى، وفقًا لنسبة الفائدة وتكلفة الاقتراض.

كما يرون أن التوسع فى المحطات الشمسية اللامركزية لا يحقق منفعة فردية للمستهلك فقط، بل ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد القومى من خلال تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعى المستخدم فى تشغيل محطات الكهرباء التقليدية، كما أن جزءًا من احتياجات مصر من الغاز يتم توفيره عبر الاستيراد، وهو ما يفرض أعباء مالية كبيرة على الموازنة العامة ويزيد الضغط على الموارد الدولارية، ولذلك فإن زيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية تسهم فى خفض استهلاك الوقود التقليدى وتوفير جزء من العملة الأجنبية وتحسين ميزان المدفوعات، والتمويل الميسّر يمثل العامل الأهم فى زيادة انتشار الطاقة الشمسية داخل القطاع المنزلى؛ فارتفاع أسعار الفائدة التجارية قد يشكل عائقًا أمام شريحة كبيرة من المواطنين الراغبين فى تركيب المحطات.

والخلاصة أن نجاح خطط التوسع يتطلب توفير برامج تمويل طويلة الأجل بفوائد منخفضة وفترات سداد قد تصل إلى 7 سنوات، إلى جانب تبسيط الإجراءات الخاصة بالموافقات والربط على الشبكة الكهربائية، مع ضرورة وجود منظومة متكاملة تجمع بين التشريعات المحفزة والتمويل الميسّر والحوافز الاقتصادية باعتبارها المحاور الثلاثة الرئيسية القادرة على تسريع انتشار الطاقة الشمسية فى مصر خلال السنوات المقبلة، وهناك توجهات حكومية خاصة بإطلاق مبادرات لتشجيع المصانع والمنازل على التحول إلى استخدام الطاقة الشمسية؛ فهى تمثل خطوة مهمة لدعم التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة