رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قراءات فى كتابة يوسف إدريس القصصية والروائية


21-6-2026 | 09:00

.

طباعة
بقلـم: يوسف القعيد

ربما كان هذا الكتاب آخر ما كتب الراحل الدكتور جابر عصفور فى حياته، وهو كتاب عن يوسف إدريس الذى يعتبره النقاد مؤسس فن القصة القصيرة فى أدبنا العربى الحديث.

تكتُب على الغلاف الخلفى لهذا الكتاب الدكتورة هالة أحمد فؤاد ما يفاجئنا، فهى تقول: رغم أن هذا الكتاب ليس كاملاً بقدر ما كان يتمنى كاتبه الراحل، فإننى أظن أن ما أثير فيه من قضايا مهمة قد يفجر النقاش الجاد، بل شديد الثراء حول إبداع يوسف إدريس، والإشكاليات التى أثارها بصدد فعل الكتابة وهويتها وطبيعتها.

 

 وهو ما يمنح تلاميذ جابر عصفور من الطلاب الواعدين أفكاراً ورؤى جديدة توصد لديهم تساؤلات وإشكاليات قد تدفعهم لإنجاز المزيد من الدراسات حول أدب يوسف إدريس ورؤاه النقدية. مما يرد للرجل اعتباره ويُعيده إلى صدارة المشهد الأدبى والنقدي.

وقد كان هذا دائماً وأبداً دأب أعمال الدكتور جابر عصفور فى جميع المجالات وعلى مستوياتٍ عديدة، فهى تفجر الشرارة وتمنح الباحثين بدايات جديدة طازجة لإعادة النظر فيما هُمِّش أو أُقصيَ من كتابات إبداعية وفكرية فى مراحل تاريخية متباينة، فقد تبدى لى الكتاب فى تلك القراءة الأخيرة وكأنه نبوءة الموت، لقد كان جابر عصفور يستشعر النهاية القادمة، ويستعد للرحيل الأخير، نهاية المهمة الشاقة التى ألزم نفسه بها، كناقد شجاع مبدع يؤمن بقيمة الحرية والعدل.

هنا انتهت ما كتبته الناقدة، ولكن يبقى لى أن أقول إنها الشهادة الأخيرة ليوسف إدريس قبل الرحيل عن عالمنا يقدمها بأمانة وموضوعية الدكتور جابر عصفور، لندرك أن هذا الجيل من الأدباء والنقاد ما زالت أضواؤه تضيء لنا وللأجيال القادمة الطريق نحو الحقيقة الخالدة فى تاريخ أدبنا العربى المعاصر.

عن نفسى استمتعت كثيراً بهذا الكتاب، وعشتُ مع جابر عصفور كأننى أراه وكأنه يحدثنى عن يوسف إدريس الذى مضى من حياتنا رغم أنه المؤسس الحقيقى لفن القصة القصيرة العربية، إلا أن بعض نزواته الشخصية أثرت كثيراً جداً على صورته لدى من عاصروه من المثقفين من الكتاب والأدباء والمثقفين المصريين والعرب والعالميين.

إنه رد اعتبار للأديب ولمؤسس فن القصة القصيرة العربية يوسف إدريس بعد رحيله عن عالمنا، أشكر عليه كثيراً الهيئة المصرية العامة للكتاب، ناشرة هذا الكتاب المهم، والذى كان لابد من نشره.

وعن روايته الشهيرة: «الحرام»، والتى تحولت إلى فيلم سينمائى مهم، يكتُب جابر عصفور إن يوسف إدريس لجأ إلى الأسلوب السينمائى ليفتتح روايته كما لو كان يعرف مسبقاً أنها سوف تصبح فيلماً سينمائياً، فترى الخفير عبد المطلب المسئول عن الرى وهو يعثر فى غبشة الفجر على جثمان طفلٍ مولود ومخنوق فى الوقت نفسه، كما لو كانت أمه قد آثرت التخلص منه بخنقه وإلقائه فى الطين.

إن أهم ما فى الرواية التى تعد من أهم إبداعات يوسف إدريس التى ظلت باقية حتى الآن وستظل، وهى الصدق فى التعبير والوصف الدقيق للحالة الإنسانية للبطلة، رغم صعوبة اللحظة التى تمر بها.

إن الكاتبة الدكتورة هالة فؤاد فى مقدمتها تربط بين جابر عصفور ويوسف إدريس باعتباره مؤسساً لفن القصة القصيرة، وجابر عصفور كان يؤسس لمذهب نقدى عربى يستقى من نبع وجذور الحضارة العربية الإسلامية الممتدة عبر التاريخ إلى وقتنا هذا، ويستجيب لمقتضياتها الإبداعية، ويتفاعل مع أسئلتها المصيرية الكبرى، وهو ما قام بتدشينه فى كتاب من أهم كتبه الأخيرة، وهو كتاب: تحديات الناقد المعاصر الذى لم يُقرأ كما ينبغى حتى لحظة كتابتها لهذا الكلام.

ومما يعزى النفس بالنسبة لها أن كليهما إدريس وعصفور ظلا يقاومان ويحاربان حتى النهاية، ومات كلاهما مع أن الزمار لا يكف عن العزف حتى النفس الأخير، لكنه الضجر قاتل الحياة حين ترى حلمك يجهض يوماً بعد يوم رغم الدأب والكفاح والمثابرة والعزيمة التى لا تلين. إنه يقهر الزمار، ورغم أنه مات لم يزل عازفاً لنغمة الأنين والحنين حتى هذه اللحظة.

إن جابر عصفور يتوقف أمام أهم ما فى الرواية التى كانت واحدة من أهم إبداعات يوسف إدريس فى حياته.

إنه كتاب مهم، كتبه ناقد أدبى له أهميته الخاصة فى أيام عمره الأخيرة عن كاتب يستحق هذه الكتابة، بحكم منجزه الأدبى الذى ظل باقياً حتى الآن، ولكن جوهر المشكلة أن الأجيال الطالعة قد لا تلتفت إلى مثل هذه الكتابة المهمة التى أسست لهم فناً عظيماً هو فن كتابة القصة القصيرة العربية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة