إلا أن ظهور فرقة البوهى المسرحية وتخصصها فى تقديم الأعمال المسرحية الغنائية الاستعراضية جعلها تمثل بارقة أمل فى عودة المسرح الغنائى الاستعراضى الذى أدخله الشيخ «سلامة حجازى» إلى مصر عام 1891 بتعاونه مع الفنان «إسكندر فرح» ثم انفصل عنده فنياً وأسس فرقته المسرحية التى حملت اسم “فرقة سلامة حجازى» عام 1905، والتى انطلق أول أعمالها المسرحية من داخل حديقة الأزبكية بعنوان «صلاح الدين الأيوبى» ليخرج علينا اليوم المخرج أحمد البوهى بعرض «فرايداى» الرائع .. حيث سقط “البوهى» فى غرام الأعمال المسرحية الغنائية الاستعراضية بالمصادفة عندما أتت إليه هدية عيد ميلاده وكانت عبارة عن تذكرة لحضور عرض مسرحى غنائى استعراضى أثناء تواجده فى أمريكا من أجل العمل بها صيفاً لكى يدخر مصاريف دراسته بكلية الهندسة، ليبدأ حلم حياته منذ هذه اللحظة، وتشتعل بداخله شرارة الرغبة والميل إلى تقديم هذا النوع من المسرح، والذى لم يعد متواجداً داخل الحركة المسرحية المصرية الآن بسبب ارتفاع تكلفته، ومن ناحية أخرى لم توجد تجارب مسرحية تقتصر على تقديم هذه النوعية من الأعمال المسرحية خلال الفترة الأخيرة، بسبب غياب كُتابها داخل الساحة المسرحية، إلا أن البوهى تشبث بحلمه فى عودة الروح مرة أخرى إلى المسرح الغنائى الاستعراضى الصرف لكى يقدم لنا مجداً جديداً من صنع عقول مصرية بحتة يتجسد فى عرضه الرائع «فرايداى» خاصة أن كل الأعمال التى أدعت قبله أنها تقدم المسرح «الميوزيكال» كانت لا تقتصر أحداثها على الغناء والاستعراض فحسب وإن كانا يمثلان جزءا كبيراً من تلك الأحداث إلا أنها تعتمد على الجمل الحوارية الدرامية على عكس ما قدمه لنا البوهى من خلال فرقته المسرحية الشابة بأفكارها وبأدائها المسرحى المبهر، حيث بدأ استعداده لهذه المغامرة منذ أكثر من عامين بكتابته توليفة فنية يشاركه فيها محمد السورى والتى تقدم نموذجاً حياً لتواصل الأجيال مابين أبطالها الشباب أصحاب الأصوات العذبة الذين يتمتعون بليونة أدائهم الحركى الاستعراضى فى عدة لوحات فنية غنائية استعراضية صاغها مجموعة من أصحاب الخبرة كل فى تخصصه غنائياً وموسيقياً واستعراضياً.
لكن هذا الإبهار لم يمنع من أنه قد تسرب إلىّ فى بادئ الأمر عندما شاهدت الإعلان الترويجى عن هذا العرض الرائع قبل ذهابى إلى مسرح فندق «موفنبيك» بمدينة الإنتاج الإعلامى مجموعة مبعثرة من الظنون بأنه سيعتمد على فن عرائس الماريونيت التى استخدامها المخرج أحمد البوهى فى جذب الجمهور إلى عرضه بهذه الفكرة الذكية التى استثار بها داخلهم حالة من الشغف لضمان إقبالهم على عرضه المتميز الذى يندرج تحت مفهوم المسرح الاستعراضى الغنائى الذى أصبحنا نفتقده الآن كما ذكرت بشكل ملحوظ داخل الحركة المسرحية، فقد نجد أن هناك عروضا مسرحية تحمل هذا المسمى لكنها لا تقتصر فقط عليهما لاحتوائها على مساحة من النصوص الدرامية إلى جانب تقديمها للغناء والاستعراض، وهذا العرض الذى يقدمه لنا المخرج أحمد البوهى برؤية فنية متميزة جعلته يختلف اختلافاً واضحاً عن تلك العروض التى تحمل مجازاً مسمى العروض «الميوزيكال» إلا أن هذا العرض قد استمد نجاحه من اعتماده على فكرة الصراع بين الواقع والخيال وكأننا نشترك فى أحداثه بواقعية ما نعايشه من حقيقة وما نطمح إليه من الحلم، وكأن الحياة أحيانا ماهى إلا ترابيزة قمار قد يجنى من خلالها البعض المكاسب لكن تكمن فى حقيقتها الخسارة..!
بلا شك أن المعالجة الفنية لإشكالية هذا العرض التى تعتمد على البحث عن الحقيقة وإن كانت تمثل فى حد ذاتها وجهاً من أرقى وجوه الوصول إلى أمل «ورد» فى لقائها مرة أخرى بــ «ألفريد» وكأن العرض يحث جمهوره على وقفة مع النفس فيما نعيشه من حقيقة وما نأمل الحصول عليه فى الحياة، فأحداث هذا الصراع تشبه كل ما نمر به من رهانات على المجهول ما أدى إلى شعور المتفرج بأنه أصبح ضمن أبطال هذا العرض لأنه يشاهد أحداثا قد تتشابه مع بحثه عن أحلام الماضى التائهة والمتناثرة بين أيام العمر، فيتسلل إليه شعور باجترار ذكرياته التى ربما صارت حبيسة الندم «سجان الزمن»..!
تدور أحداث هذا العرض حول الضابط الإنجليزى «ألفريد» الذى تعرف على فنانة استعراضية مصرية تدعى «ورد» عام 1942 أثناء الحرب العالمية الثانية، والتى سافرت بعد لقائها به بنحو خمس سنوات إلى لندن لتلتقى بحلم العمر «ألفريد» كى تعمل لديه فى الكازينو الذى يشاركه ملكيته سبعة آخرين ويعمل به العديد من المغنين من مختلف دول العالم، إلا انها تفاجأ عندما تذهب إلى هذا الكازينو بخبر موت «ألفريد» فأصبح يدير هذا الكازينو «فرايداى» شركاؤه السبعة الذين قاموا بطردها، ليبدأ الصراع الدرامى داخل العرض من خلال الصدام الذى نشأ بين «ورد» وهؤلاء الورثة السبعة الذين أراهم يرمزون إلى عدة أشياء من خلال لعبة ذكية أدارها باقتدار مؤلف ومخرج العرض أحمد البوهى، فقد يستشعر المتفرج بأن هؤلاء السبعة يحملون دلالات متباينة للتعبير عن أيام الأسبوع، وقد يراهم آخر بأنهم مجموعة من الرغبات المباحة والشهوات المرفوضة، كما أن ظهور ترابيزات القمار داخل هذا الكازينو كانت تحمل هى الأخرى دلالة مجازية للتعبير عن أن الصراع البشرى على تلك الأحلام والرغبات والشهوات يشبه ترابيزات قمار تتحكم فى دوافع وميول واتجاهات النفس البشرية، فكل من هؤلاء الشركاء السبعة عبداً لما يطمح إليه ويطمع فيه، لدرجة أن المتفرج يشعر أثناء مشاهدته لهذا العرض المتميز أن المخرج يسلسل أفكار المتفرج أثناء متابعته لأحداث عرضه وكأنها سبايا فى سوق متعة الفرجة المسرحية التى تجمع بين عدة جماليات متفردة جعلت عرضه المسرحى متكامل الأركان الإبداعية، حيث يضم عدة أغان ذات كلمات مؤثرة مكتوبة بنفحة من العبر المتوارثة وإحساس من الدفء والشجن صاغها كل من مؤمن المحمدى وطارق على والتى تستثير لدى المتفرج القدرة على التأمل بما تحمله من معان تجعله يسقط دون قصد أو حرص فى أسر هواها وإيقاعها المتناسق السريع لدرجة أننى لم أشاهد عرضاً مسرحياً فقط بل كنت أشارك أبطاله من المغنين وفنانى الاستعراضات ماراثون الاستمتاع بكل ما يزخر به عرضهم من ملامح الإبهار، الذى كان وليد كتابة وإخراج نص هذه المسرحية الغنائية بشكل جعلها فى نظرى أشبه بباقة من أندر وأزهى الزهور البشرية التى يهديها المخرج أحمد البوهى إلى جمهوره، والتى كانت تسحب من أعماقى روح الفضول كى أتابع بشغف كل ما يحدث على خشبة المسرح من ملحمة غنائية أقرب إلى عروض دار الأوبرا الراقية المستلهمة من علاقة الضابط الإنجليزى وتلك الفنانة الاستعراضية المصرية «ورد» والتى بدأت أحداثها فى الواقع المصرى وتنطلق نحو مطاف العالمية .. هذه المسرحية فعلت بى ما يفعله الساحر، حيث استحضرت بداخلى عفريت الرغبة فى البحث داخل ذكراتى عن مثيلاتها من عروض متميزة لكننى لم أفلح فى العثور على عروض مشابهة لها كى أسترشد بها أو حتى أجرى بينها وبينهم مقارنات فانفراد هذه المسرحية بتقديمها المسرح الغنائى الاستعراضى عن غيرها جعلها مثار إعجاب الجميع، فضلاً عن أن استخدام المخرج أحمد البوهى لرمزية الشركاء السبعة فى كازينو «فرايداى» ليستعرض من خلالهم العديد من نوايا وأطماع البشر المتنوعة ومنها الانتهازية والطمع التى عبر عنهما من خلال شخصية مدير الكازينو «مارك» وفى المقابل يظهر «فيليب» كبير الطباخين الذى يتصف بتحرى الدقة والصرامة فى عمله و«دانيال» مديرالإنتاج الذى يتخذ من كازينو «فرايداى» فخا لاصطياد الجميلات والشريك الرابع «جون» مصمم الاستعراضات الذى يتصف بالسلبية و«يوسف» بطل فرقة «فرايداى» الذى يعتبر هذا الكازينو بمثابة المرآة التى تعكس صورته التى يفضلها و «لويس .. البارمان» الذى تتحكم فيه غرائزه و«كبير الجارسونات .. آدم» الناقم على الحياة وغير الراضى عنها، فكل هؤلاء الشركاء السبعة يعبرون بحنكة المؤلف والمخرج عن أنماط الشخصيات التى نتعامل معها فى معترك الحياة اليومية بتباين ميولهم واتجاهاتهم ويترتب على ذلك سلوكياتهم التى يرفضها المجتمع لكونها تحيد عن السواء النفسى ما يجعلها عرضة للرفض المجتمعى كما أنه قدم هذه الشخصيات تعبيراً عما نواجهه من تحديات مع أمور الدنيا المتقلبة.
بالإضافة إلى أن الاستعراضات التى صممها كل من الدكتور عاطف عوض وشاركه فيها المدربتان رجوى حامد وسالى أحمد، قد عبرت بكل سلاسة عن الفنانين الشباب المشاركين فيها وعن مدى مرونتهم وحسن إجادتهم لجميع هذه الاستعراضات بما يدل على أنه كان هناك مجهود جبار بذله مصمم هذه الاستعراضات والمدربتان، خاصة أن تدريبهم على تلك الاستعراضات امتد أثره أيضاً لشباب المغنين بالعرض الذين ظهروا بأداء حركى متميز تغلب عليه الانسيابية والمرونة فضلاً عن توظيف هذه الاستعراضات بشكل جيد مما أضفى الجاذبية على أدائهم جميعاً بجانب إجادة أبطال هذا العرض لجميع الأغانى التى قدموها بشكل احترافى مما ينم عن قضائهم وقتاً كبيراً فى التدريب ليتمكنوا من إجادتهم لهذه القوالب الغنائية بأسلوب جعل الجمهور يتوحد مع غنائهم المعبر تحت إشراف الدكتور محمد عبدالقادر وأميرة رضا وألحان ملهمة لإيهاب عبدالواحد وتوزيع موسيقى لخالد الكمار ووجدى الفوى وتصميم إضاءة لياسر شعلان.
لم تبهرنى فقط فكرة العرض ولكن ملامح الرؤية البصرية وألوانها المبهرة كانت من أهم العلامات المميزة أيضاً له، حيث لعب الديكور الذى صممه مهندس الديكور العالمى حازم شبل الذى يعد من أعلى مهندسى الديكور على مستوى العالم العربى أجراً والذى قام بعمل رؤية مختلفة تماماً فى تصميمه للديكور عن عروضه المسرحية السابقة تضمنت عمل مقدمة من الديكور ثرية لهذا المسرح، والتى تعبر عن ميزانية الإنتاج الضخم التى أنفقت على هذا العرض بالإضافة إلى مجموعة من البلكونات على جانبى المسرح، حيث تم توظيفها ضمن أحداث العرض وعمل فتحات فى خشبة المسرح ومصاعد أثرت الطابع الفنى والجمالى للعرض، فرغم أننى شاهدت العديد من العروض المسرحية داخل جميع مسارح المحروسة وعروض دار الأوبرا إلا أننى لم أر طوال حياتى هذا الكم من المشهيات البصرية التى لخصها الديكور الرائع لحازم شبل الذى يقتنص لنفسه نسبة كبيرة من نجاح هذا العرض، حيث استغل مهندس الديكور كل ما أوتى هذا العرض من إمكانيات مادية فى تقديمه صورة تعج بالعديد من الجماليات التى يتحلى بها هذا العرض الرائع، فقد نجح شبل فى إضافة كواليس أخرى غير معتادة لخشبة هذا المسرح باستخدامه لمنطقة العمق الموجودة أسفل خشبة هذا المسرح بعمل مصاعد تصعد وتهبط بالممثلين وكأنه أراد أن يخلق نوعاً من الإعجاز التقنى والفنى باستخدامه لميكانيزم هذا المسرح واستغلاله لكل الفضاءات فوق وتحت خشبة المسرح بشكل جيد ما جعل المتفرجين يشيدون بما اضافه هذا الديكور من ملامح أثرت أحداث هذا العرض بالمزيد من الجماليات، فلأول مرة فى حياتى أرى سقوط أمطار على خشبة المسرح مما أضفى على العرض روح الواقعية والمصداقية فيما يقدمه للجمهور من أحداث.
بالإضافة إلى وجود حالة من التناغم بين كل مفردات هذا العرض من ملابس بألوانها المبهرة والتى كانت من تصميم غدير خالد وديكور وإضاءة وهذا ينم عن وجود حالة مبهرة من السمترية بتكامل كافة مفردات هذا العرض وما يزخر به من توافر كل عناصر السينوغرافيا ما جعلنى أستشعر وكأننى أشاهد تحفة مسرحية نادرة الوجود تعتمد على إحياء الدهشة لدى الجمهور وإمتاعهم برؤية بصرية مختلفة عن أى عرض مسرحى آخر ومن ثم فإننى لم أر هذا العرض بكونه فقط عرضاً مسرحياً لكنه بمثابة قطعة من قطع الأرابيسك المتشابكة بشكل فنى وهندسى وبصرى يجعلها تعبر بلسان مغنيها البليغ عن مهارة صناعها وطاقاتهم الإبداعية المتفردة.