نهاية الأسبوع الماضى، عقدت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب اجتماعًا، ودار النقاش به حول أحوال الصحافة، لا سيما الصحافة القومية، واستمعت اللجنة لعرض صادق وأمين، أو كما ربطت أن له من اسمه نصيبًا، وأقصد المهندس عبدالصادق الشوربجى، رئيس الهئية الوطنية للصحافة، الذى عرض التطورات التى حدثت فى ملف الصحافة القومية ودور الهيئة كذلك. وفى نفس التوقيت تقريبا، كنت أحضر احتفالية بنقابة الصحفيين لتكريم حملة الدرجات الأكاديمية العليا من درجتى الدكتوراه والماجستير؛ فكان ذلك فرصة ثمينة للحوار أيضا حول أحوال المهنة.
فى لجنة الإعلام والثقافة بمجلس النواب، طرح الأعضاء الأسئلة، وما أكثرها حول أوضاع الصحافة والصحفيين!، خاصة ما يدور منها فى أذهان المواطنين حول دورها فى المرحلة الراهنة، فى ظل طغيان وجود السوشيال ميديا، ولذلك كان من المهم للمهندس عبدالصادق الشوربجى، رئيس الهيئة، لا سيما فى وجود وكيل اللجنة الزميل عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق، ود. ضحى عاصى وكيلة اللجنة، وبرئاسة د. ثريا البدوى رئيسة اللجنة، أن يعرض رئيس الهيئة لملف الصحافة القومية، وأن ينصت الجميع للمشكلات المتراكمة، وربما المزمنة والكثيرة لأحوال الصحافة والصحفيين، فليس هناك مهنة بدون البشر أنفسهم، وللجهود الحقيقية التى تُبذل لحل هذه المتاهة كما أصفها، وعلى رأسها تطوير الأوضاع، والمديونية، وملفات التطوير التكنولوجى والمواقع، وقضية تعيين المؤقتين، وعلى رأس القضايا، كذلك قضية أجور ومرتبات الصحفيين، وهذا تحديدا كان مجال النقاش مع الزميل د. سامح محروس عضو هيئة الصحافة ومدير تحرير الجمهورية، والذى تزاملنا طوال الاحتفالية التى أقامتها النقابة مشكورة، فى لفتة إنسانية وعلمية لتقدير التميز والجهد البحثى، وأن هناك كتلة حرجة (أكثر من 80 صحفية وصحفيا) يمتلكون المعرفة العلمية كذلك، وليس فقط العمل المهنى كأداة اتصال، وبحضور نقيب الصحفيين خالد البلشى، وأعضاء المجلس الموقر.
من القضايا اللافتة التى دار النقاش حولها هى قضية المرتبات والبدل وضرورة رفعه، خاصة ونحن على أبواب موازنة جديدة، فلا يجتمع صحفى وصحفى إلا ويكون ثالثهما حديث تضاؤل الدخل، والذى يصل فى كثير من الأحيان والمؤسسات إلى أقل من الحد الأدنى للأجور بالدولة، وهذا ليس كلامًا مرسلاً وشكوى صحفيين أو كلام والسلام، وإنما هو كلام حقيقى، وتم رصده وتطرقنا إلى الأسلوب العلمى الذى اتّبعته النقابة مؤخرا، وهو إجراء استبيان واستطلاع رأى مبنى على الأسس العلمية والأكاديمية لمختلف قضايا المهنة والصحفيين، وشرح لى د. سامح محروس والمشرف على الاستبيان النقابى، وشاركه د. أحمد فتحى، ود. مى مصطفى، فأرسله لى، بل وشرح د. محروس تفصيلاً الآلية التى اتّبعت وتحليل النتائج وأهم القضايا، أن هذا هو الاستبيان الثانى فى تاريخ نقابة الصحفيين، حيث كان الأول قبل 20 سنة، وتحديدا عام 2004، وشارك بالجديد نحو 1568 زميلاً صحفيًا، ما يعنى أن الشريحة كبيرة للغاية المستطلعة، لا سيما فى اختلاف البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن الاستطلاع الأول، ولذلك تطورت الأسئلة واختلفت فى الاستطلاع الجديد.
ومن القضايا اللافتة، التى عكسها الاستطلاع، رغبة وتأكيد ما يقرب من 25 فى المائة من الصحفيين على قضية إعداد الصحفى وتدريبه، وهى قضية أراها فى صلب تطوير المهنة، لأن مهنتنا تطبيقية وعملية وفكرية كذلك، لذلك الإعداد لا بدّ أن يختلف بالدراسة النظرية الأكاديمية، وأقصد الدراسة بكليات الإعلام، فلا بد من تطويرها وربما بشكل كبير، لأن الأساتذة ومَن يدرسون للطلاب بالتخصص هم طلاب علم تفوقوا دراسيا، فتم تعيينهم أساتذة، وأحيانا جزء منهم لم يعمل بالمهنة، وبالتالى لا بد من أن تتضمن لوائح كلية الإعلام ضرورة حصول المعيدين والمدرسين على سنوات للعمل بالصحافة أى ربط النظرى بالعملى، ولا يكفى تدريب الطلاب ومن يشرف عليهم لم يتلقَّ عملاً أو تدريبًا فى التخصص الذى يدرسه. وقد عشت تجربة مماثلة أثناء الحصول على دورة تدريبية بالتسعينيات بالولايات المتحدة، ولم يكن عميد الإعلام بها إلا صحفيا سابقا، ثم حصل على الدراسات الأكاديمية، فلذلك كان التدريس والتدريب عنصرا حيا وفاعلا يضيف لخبرات المتعلم الصحفى والإعلامى، يضاف إلى ذلك لا بد من تنوع المناهج والتخصصات التى يدرسها الطلاب بدءا من الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد واللغات، وبالتأكيد السياسة، فضعف التكوين الأكاديمى والفكرى للطلاب هو ما يسهم فى قلة الخبرة والتحليل، وهو ما عكسه تأكيد وطلب 25 فى المائة من الصحفيين على أهمية التكوين والتدريب، ولذلك أقترح ضرورة الإتاحة والنص على الحصول على دورات تدريبية ومعلوماتية كل فترة للصحفيين أو عند الترقى بالمناصب، وليس من المهد إلى اللحد.
لذلك عبر ما يقرب من 28 فى المائة أن الاعتماد المفرط على البيانات الرسمية يحد من شخصية الصحفى ومن قدرة الصحفيين على الاستفسار وطرح الأسئلة، وبالتالى لا تطرح بالعمق الكافى أو الارتباط بقضايا الجمهور، وهم القطاع المستهدف من عمل الصحافة والإعلام، وهى قضية بالغة الدلالة، لأنها تعكس وجود عيوب كامنة فى أداء العمل الصحفى نفسه أى من داخل المنظومة نفسها، ولا أعلم هل اللجان الكثيرة التى تم تشكيلها مؤخرا بحثت هذه القضية أم لا، وهل استفادت مما قيل فى مؤتمر الصحفيين وجلساته، وهل تم ضم العناصر ذات الكفاءة والفكر لهذه اللجان أم لا.
ولعل أهم ما كشفت عنه الوثيقة العلمية بالاستبيان لأنها ضمت مختلف الأجيال الصحفية والمناصب والإناث والذكور، أن نحو 52 فى المائة من المبحوثين كشفوا عن عدم وجود لوائح مالية للأجور بالصحف التى يعملون بها، كما أوضح 60.5 فى المائة من الصحفيين عدم التزام المؤسسات التى يعملون بها بالحد الأدنى للأجور، مقابل 27.5 فى المائة يعملون بمؤسسات تلتزم بالحد الأدنى للأجور، بجانب 11.5 فى المائة أفادوا بأن صحفهم تلتزم أحيانا، مما يكشف عن وجود تفاوت كبير فى تطبيق قوانين العمل بالمجتمع الصحفى، وهنا لا بد أن أفتح قوسًا لدلالة الحكم الأخير الذى صدر لصالح زملاء فى جريدة وموقع البوابة، وبحقهم فى الحصول على الحد الأدنى للأجور، وتحية لهم على موقفهم العادل وموقف النقابة معهم، إذن النتيجة السابقة بالاستبيان عكست ما يحدث فى الواقع.
ومن أهم ما كشف عنه الاستبيان ما يتعلق بمستوى أجور الصحفيين، حيث أكد نسبة 13 فى المائة أنهم لا يحصلون على أى أجر، و7 فى المائة يحصلون على أجر أقل من ألف جنيه، بينما 19 فى المائة تقريبا يحصلون على أقل من 3 آلاف جنيه شهريا، و7.3 فى المائة على أقل من 6000 جنيه شهريا، و28.2 فى المائة يزيد على 6 آلاف فى الشهر، ويتضح من الأرقام السابقة أن 72 فى المائة من الصحفيين يحصلون على أقل من الحد الأدنى للأجور بالدولة، و28 فى المائة يلامسون الحد الأدنى للأجور، وهى قضية بالغة القلق، ليس على مستقبل المهنة فحسب ولكن على المساواة أو الحد الأدنى منها فى قضية العاملين بالدولة، ولذلك يعتمد ما يقرب من 50 فى المائة من الصحفيين على قضية البدل كوسيلة للإعاشة، بينما يستخدمه فقط 17.2 فى المائة فى الغرض المخصص له، ولذلك كشف 79 فى المائة من الصحفيين عن عدم رضاهم عما يحصلون عليه، مقابل 4 فى المائة فقط راضون، وهو ما أدى بالضرورة إلى العمل الإضافى، وأن نسبة 65.5 فى المائة من الصحفيين إجمالا يلجأون إلى العمل الإضافى، وهذا الحديث والأرقام ليس سريا بل أعلنه كذلك الزميل أحمد موسى مؤخرا فى برنامجه، حينما قال إن مرتبات الصحفيين تكاد تكون الأدنى فى الدولة ولكل المهن.
ورغم إجماع الصحفيين على تدنى الدخل الصحفى، فهناك قضية شائكة أخرى متعلقة بها وهى قضية المعاشات، والذى إذا تم جمعه مع معاش النقابة، فربما لن يبلغ الحد الأدنى للأجور الذى ارتفع مؤخرا إلى 8 آلاف جنيه، مما يمثل أزمة إنسانية وحياتية حتى لمَن أفنى عمره بالمهنة أو الأرمل والأرملة أو المطلقات، حيث يمنع قانون التأمينات أو قد يعاقب غير المتزوجات والمطلقات بعدم الأحقية فى معاش الأم والأب، طالما بقيت عضوة نقابة، وهو ما يختاره الجميع لارتفاع بدل التكنولوجيا عن دخل المعاش وبأرقام فارقة وكبيرة، مما يعنى أنه ليس الشباب أو العاملون فقط بالمهنة هم مَن يعانون، ولكن أيضا مَن هم بالمعاشات، وهو ما يستدعى بالطعن بعدم قانونية هذا البند، وكأنه عقاب للتعليم وحملة المؤهلات العليا أعضاء النقابات التى ينص القانون على ضرورة المؤهل العالى، وكأنه تشجيع على الأمية والشهادات المتوسطة، فى حين أن العالم كله يتجه فعليا وبالأرقام إلى اعتبار الشهادة العليا هى الحد الأدنى للتعليم، فى عصر نتكلم به عن الذكاء الاصطناعى واستخداماته بما فيه الصحافة.
ومن القضايا الأخرى المهمة التى كشفها الاستبيان الممتاز والصادق، وعلى رأسها وتكاد تتساوى فى النسب مع نتائج أهمية ومركزية قضية الأجور وهى المتعلقة بكواليس علاقات العمل بالمهنة، وكيفية اختيار قيادات العمل الصحفى، فالنسبة (88 فى المائة) التى أوضحها الاستبيان وتحفظهم على الآلية الحاضرة لاختيار، ولها دلالة ولن أقول قاطعة لضرورة التفكير فى ضرورة وضع معايير إضافية بجانب الحالية عند الاختيار. وفى نفس التوقيت هذا الأسبوع قرأت عن مشروع قانون لزميل صحفى، ليس معى اسمه، ورأيت المشروع يتضمن وبه فكرة مهمة تستحق النقاش وهى المطالبة بضريبة نسبتها (5 فى المائة) تُحصل من الجهاز القومى للاتصالات كمقابل لتداول المعلومات والمنتج الصحفى على الإنترنت بدلا من المجانية الحالية، وأن الصحفيين هم أصحاب هذا الإنتاج، على أن تقسم وتوزع الحصيلة على ثلاث جهات، وأراه اقتراحا عمليا ومهما يوفر الموارد المالية للمؤسسات والنقابة والصحفيين. لذلك، فإن مناقشة ما يقوله الصحفيون هى إحدى طرق النهوض والتطوير، فأهل مكة أدرى بشعابها.