تساؤلات كثيرة علينا أن نجيب عليها قبل أن نبدأ حملة هجوم عشوائية على الأشقاء في سوريا أو على النظام السوري نفسه، فتغيير الاسم رسالة من النظام السوري الحالي بأنه على استعداد لتنفيذ كل أوامر وتعليمات تصدر له من الكيان الصهيوني والنظام الأمريكي، الذي تربى الشرع في أحضانه منذ سنوات عندما كان مجرد إرهابي صغير لا يقتل إلا المسلمين، وهو المؤهل لكي يتم وضعه على رأس النظام السوري تحت مسمى الثورة، وما أكثرهم في التاريخ، ولن يستمر كثيرًا على رأس النظام، وسيتم تغييره بآخر بعدما ينفذ كل طلبات الكيان الصهيوني والأمريكي، ولن أتحدث عن التوغل الصهيوني في سوريا الشقيقة بمباركة الشرع، فهذا ليس مجال الحديث، ولنعد للإجابة على التساؤلات: لماذا أصبح تريندًا؟ ومن المستفيد من التراشق وإحداث حالة الفرقة بين الأشقاء؟
عندما تفكر جيدًا في الإجابة، ستجد أن اللجان الإلكترونية هي التي تُصدِّر الخبر للمصريين لخلق حالة من التراشق مع السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي لإشعال الفتنة، مثلها مثل نماذج أخرى مع الأشقاء العرب ضد مصر، ولنُفكِّر بواقعية: مثل هذا الخبر في جريدة سورية أو موقع سوري لن يهتم به أحد، ولكن اللجان الإلكترونية للكيان الصهيوني وأتباعها من الجماعة الإرهابية يركزون عليه حتى يصل لهدفهم، وهو التريند، ونسِي الجميع أن مصر لم تطلب من أحد أن يكتب اسم الشهيد عبد المنعم رياض على يافطة شارع، ولكنها كانت مبادرة من الأشقاء في سوريا، كما أن في مصر شوارع كثيرة بأسماء أشقاء عرب أو ضباط عرب أو أفارقة شاركوا في الحرب للدفاع عن مصر، مثل جول جمال، ضابط البحرية السوري الذي استشهد في العدوان الثلاثي على مصر، والذي خُلِّد اسمه في مصر في أكثر من شارع باسمه، فهل لو مصر أزالت اسمه، هل يستطيع أحد إزالة تاريخه؟ أعتقد أن الإجابة المنطقية: استحالة، فما بالك باسم الجنرال الذهبي الفريق عبد المنعم رياض، الذي استشهد على الجبهة في الخطوط الأمامية وسط أبنائه من رجال القوات المسلحة في حرب الاستنزاف يوم 9 مارس عام 69، وخُلِّدت الذكرى ليكون يوم الاحتفال بيوم الشهيد. ولمن لا يعرف، فعبد المنعم رياض كان وما زال (بعبعًا وكابوسًا) مخيفًا للكيان الصهيوني، حتى بعد استشهاده، الذي كان دافعًا أقوى لرجال القوات المسلحة في تحطيم أسطورة جيش الكيان الصهيوني الذي لا يُقهر في حرب أكتوبر 73. فهل تعتقد أن تغيير اسم شارع سيمحو بطولات الشهيد عبد المنعم رياض التي تحدث عنها قادة أكبر جيوش العالم؟ وللعلم، لقب الجنرال الذهبي الذي أطلقه هم قادة الجيش السوفيتي، ليس ذلك فقط، بل حتى قادة الكيان الصهيوني أنفسهم أعلنوا كثيرًا عن عمليات رصد له، وأن يوم استشهاده أُقيمت الاحتفالات لديهم.
ما أريد أن أوصله لك، عزيزي القارئ، أن لا تأخذك العاطفة في تراشق للدفاع عن اسم الشهيد عبدالمنعم رياض مع لجان إلكترونية، ولتكن على يقين أن اسم الفريق عبدالمنعم رياض لا يحتاج إلى من يدافع عنه، وإن كنت حقًا غيورًا على وطنك، فعرف أبناءك بقصص وحكايات الأبطال من شهداء مصر على مر العصور، ولا تنخدع بالمهاترات التي تقودها اللجان الإلكترونية للإيقاع بين الشعب المصري وباقي الشعوب الشقيقة.
فاليوم نقع في فخ تريند تغيير اسم شارع، وفي الأمس القريب وقعنا في تريند اللجان بحملة هجوم: أين مصر من الحرب والدفاع عن دول الخليج؟
وللأسف، انجر العديد من أبناء الشعب المصري في مهاترات على السوشيال ميديا للرد على بعض الأصوات الحاقدة على مصر، ونسِي الجميع أن مصر أكبر من تلك المحاولات الرخيصة التي لا تخرج إلا من صغار لا يعرفهم سوى أهلهم، ويريدون الشهرة والمال على حساب الشعب المصري بدعم اللجان، على عكس الموقف الرسمي للدولة، الذي كان يعمل بحكمة وحنكة وعقلانية بدون إعلان، إيمانًا من القيادة السياسية أن مصر دولة كبيرة، ولا يمكن أن تدخل في مهاترات الصغار، وهو الأمر الذي أتمنى أن يعيه جميع أبناء الشعب المصرى: أننا (كبار قوي) وأن مصر في عز أزماتها الاقتصادية، دولة كبيرة ومحورية لها مكانتها التاريخية وما زالت.
وأن مصر كدولة لا ترد على الإساءة مهما كانت، لثقتها في نفسها، وليس ضعفًا، والتاريخ القريب يشهد على ذلك, فمنذ ثورة يونيو، ورغم كل الأحداث، لم تقطع مصر علاقتها مع الدول، سواء التي كانت تمول الإرهاب والإرهابيين داخل مصر، أو التي كانت تفتح أحضانها لكل من يهاجم مصر، وتأوي قادة الجماعة الإرهابية الهاربين، أو الدول التي كانت ترعى الذراع الإعلامي للجماعة الإرهابية وتمنحهم قنوات تبث سمومها على مصر طوال اليوم, وكلنا عاصرنا سياسة مصر الرشيدة تجاه تلك الدول، والتي انتهت باعترافهم بدور مصر الكبير ولفظهم لأعضاء الجماعة الإرهابية, وحتى الدول الأشقاء التي لها مصالح خاصة خارجية تتضارب مع مصالح مصر الخارجية، لم نشهد حالة قطيعة أو إعلان حالة العداء، وظلت علاقة الأشقاء قائمة مع احتفاظ مصر بموقفها الرافض للموقف الآخر, هكذا هي مصر وسياستها الرشيدة, ورغم كل هذا وأكثر، لا تتعجب بعد ذلك أن يطالب نفس الأشقاء العرب من مصر المساندة للدفاع عنهم من صواريخ النظام الإيراني، لأن هذه المطالب أكبر دليل على قوة مصر ومكانتها مهما كانت الأوضاع الاقتصادية, وعلينا جميعًا أن نتذكر مقولة العبقري وحيد حامد في فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة» على لسان العملاق أحمد زكي: (إحنا مش صغيرين، إحنا كبار قوي بس مش عارفين نشوف نفسنا).
هذه هي الحقيقة التي لا نراها، وأكبر دليل أنه رغم مرور 57 عامًا على استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، ما زال بعبعًا للكيان الصهيوني.