فى منطقتنا نرى بلدانًا تتمزق وتنفجر من داخلها إلى دويلات ومناطق مقفلة على أصحابها وميليشياتها، ونرى بلدانًا لا تعبأ باحتلال جزء من أراضيها، ولا تعد ذلك شأنًا له أولوية لديها، بل تسعى إلى السلام مع المحتل وفق شروطه ودون مطلب الجلاء عن الأرض المحتلة، ولعل كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى، صباح السبت الماضى، فى ذكرى تحرير سيناء، كانت شاملة، حين راح الرئيس يحذر من الاعتداء على حدود الدول وسيادتها وتفتيت الدول بمختلف الذرائع والمسميات.
تحرير سيناء، تم بالقتال والحرب يوم 6 أكتوبر سنة 1973، معركة العبور العظيمة ثم بالتفاوض والذى تم عبر مراحل ومستويات مختلفة، فى مفاوضات الكيلو 101 بعد الحرب مباشرة والتى مثل مصر فيها المشير محمد عبدالغنى الجمسى، حين كان رئيسا للأركان، وتمت اتفاقية فضّ الاشتباك الأول، ثم فض الاشتباك الثانى سنة 1975، وبمقتضاه تم افتتاح قناة السويس للملاحة البحرية ثم تقدم الرئيس السادات بمبادرة السلام فى نوفمبر 1977، وجرى توقيع معاهدة السلام فى مايو 1979، فى البيت الأبيض بحضور الرئيس الأمريكى جيمى كارتر، وهكذا حصلنا على كل سيناء، استكملنا التحرير يوم 25 أبريل 1982، بقيت مساحة كيلو متر مربع هى طابا، رفضت إسرائيل الانسحاب منها بزعم أنها ليست فى الحدود المصرية، ولجأنا إلى التحكيم الدولى، وفى النهاية حصلنا عليها ورُفع العلم المصرى عليها سنة 1989.
الفريق المصرى فى قضية التحكيم الدولى يستحق التأمل، كان يضم د.وحيد رأفت القيادى الوفدى، وكان معارضا للحكومة طوال عهد الرؤساء عبدالناصر والسادات ومبارك، كان هناك كذلك د.مفيد شهاب، أستاذ القانون الدستورى، الذى سُجن فترة أثناء أزمة مايو سنة 1971، وفى الوفد كذلك كان إسماعيل شيرين زوج الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق، هو كان آخر وزير للحربية فى عهد الملك فاروق وآخرين، هذه التركيبة تقول إنه من الوارد أن تكون معارضا للحكومة، أو أن لا تكون على وفاق مع النظام السياسى كله، بل وأن تكون دخلت السجن لسبب سياسى فترة ما، لكن لا خلاف بالمرة فى القضية الوطنية واستقلال الأرض وتحرير التراب المصرى.
نختلف فكريا وسياسيا، تتباين مواقفنا ورؤانا الاجتماعية والإنسانية، لكن فى القضية الوطنية نحن جميعا صف واحد، هكذا هو درس التاريخ المصرى الممتد.
غير أن هناك مَن لا يلتزمون تلك القاعدة الوطنية المستقرة، بل إنهم ينتظرون أى لحظة ضعف أو أزمة، ويقفون على الضفة الأخرى من النهر، فى عز مطلب المصريين بجلاء البريطانيين نهائيا عن مصر، ظهر من قال إن العلاقة بين مصر وبريطانيا هى «زواج كاثوليكى»، أى لا انفصال فيها، باختصار لا جلاء عن البلاد، وفى النهاية كان ذلك موقفًا فرديًا يخصّ أصحابه، وعلى كل فرد تحمل تبعة موقفه، وهناك بعض المواقف المشابهة، مثلا أن تأتى فى لحظة الحرب ومواجهة العدو، وتكتشف أن هناك من خطا إلى الجانب الآخر، فجنده العدو جاسوسًا يعمل بيننا لصالحه، هذه كلها مواقف وحالات فردية، تقع فى كل بلد ومع أى أزمة، تابع مثلا حالة الجواسيس لإسرائيل فى جنوب لبنان من بين اللبنانيين وفى إيران كذلك، بل داخل إسرائيل ذاتها؛ نحن هنا لسنا بإزاء حالة ولا موجة عامة، بل اختيارات أو انحرافات فردية.
غير أنه فى التاريخ وفى الحاضر تجد جماعة تنحاز كلية ضد الوطن وضد استقلاله وحريته؛ أقصد جماعة حسن البنا، المسماة «الإخوان المسلمون».
فى حرب سنة 1948، وبينما كانت قواتنا لا تزال فى فلسطين، ولا تزال البلاد فى حالة حرب، قامت جماعة حسن البنا باغتيال الحاكم العسكرى.. رئيس الحكومة محمود فهمى النقراشى، وقع الاغتيال بتكليف صريح ومباشر من حسن البنا إلى عبدالرحمن السندى مسئول التنظيم الخاص بالجماعة، على النحو الذى كشفه د.عبدالعزيز كامل فى مذكراته، كان د.عبدالعزيز وقتها عضوا فى مكتب الإرشاد، ولما تبين خطأ البنا، قال لهم «ندفع لأهله الدية».
بعيدا عن هذه الجزئية وغيرها، فإن اغتيال رئيس الحكومة لحظة الحرب والقتال، هو عمل يصب فى كفة العدو مباشرة ولصالحه.
باختصار الجماعة منذ أيام مؤسسها الأول عملت لصالح العدو باغتيال رئيس الحكومة وشغل الرأى العام والأجهزة الأمنية، بعيدا عن القضية الكبرى وجيشنا الذى لا يزال فى ميدان المعركة.
ولأن الجماعة احترفت الكذب والتضليل راحت تطلق قنابل دخان لتغطى على جريمتها، التى تتجاوز كونها جريمة فردية، لتصبح قضية خيانة وطنية بالكامل.
اغتيال الحاكم العسكرى لحظة الحرب هو هدف أولى ورئيسى لدى العدو أو الخصم، حاولت ألمانيا أكثر من مرة اغتيال ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، بريطانيا من جانبها حاولت الشيء نفسه مع عدوها اللدود هتلر.
الدول الاستعمارية تعرف جيدًا معنى اغتيال رمز من رموز الدولة لحظة الحرب، إنه إعلان فشل وهزيمة كاملة.. وقد فعلها حسن البنا نفسه ومن مصر، ثم بعد ذلك يأتى بعض المضللين ويزعمون أن جماعة البنا «فصيل وطنى»، لم يكونوا وطنيين يومًا واحدًا.
وفى حرب 1967 تبادلوا التهانى بالهزيمة، وندموا بشدة أنهم لم يتمكنوا من التحرك يوم التاسع من يونيو 1967، لحظة إعلان الرئيس جمال عبدالناصر تنحيه عن السلطة، لتفجير البلاد والسيطرة على مؤسساتها.
وفى سنة 1969، جاء المستشرق البريطانى، ضابط المخابرات السابق، برنارد لويس إلى مصر فى مهمة استخباراتية، لدراسة الأوضاع هنا ومدى استعداد المصريين للدخول فى سلام مع إسرائيل دون حرب، والتقى لويس بالكثيرين، من يساريين وأيضا وفديين ومعارضى الرئيس عبدالناصر، سمع منهم نفس الكلام وهو أنه لا بد من رد الاعتبار والكرامة لمصر والمصريين والجلاء عن سيناء كاملة، لكنه سمع من أحد قادة الإخوان -وصفه أنه الرجل الثانى فى الجماعة- بالنص «أى عمل تقوم به إسرائيل ضد مصر يقربنا من هدفنا».
وبعد حرب أكتوبر مباشرة، فى مطلع العام 1974 قامت الجماعة، بعملية «الفنية العسكرية»، كان الهدف منها القبض على الرئيس السادات وكبار رجال الدولة والاستيلاء على الحكم، وفى مذكراته قال طلال الأنصارى، أحد قادة هذه العملية: إنهم كانوا يخططون للعملية قبل القيام بها بأكثر من عام، وأنهم استأذنوا المرشد العام الثانى حسن الهضيبى فى العملية وأذن لهم، وأن الموافقة جاءتهم عبر الحاجة زينب الغزالى، أى أنه بينما كان الرئيس السادات يحشد لحرب أكتوبر 1973 كانوا هم يخططون للاستيلاء على الحكم وقتل رئيس الدولة وسائر الشخصيات الكبرى معه.
ولما خاض الرئيس الحرب وحقق انتصارا عظيما، لم يشفع له هذا الانتصار لدى الجماعة بل ازدادوا إصرارًا على مهاجمته وإلقاء القبض عليه، وخططوا وقتلوا عددًا من طلاب الكلية الفنية العسكرية بهدف أن يستولوا على الأسلحة التى بها ويذهبون إلى مقر الاتحاد الاشتراكى لمحاصرة الرئيس ومعه قيادات الدولة أثناء الاجتماع الرئيسى ويلقون القبض عليهم.
ولما اتجه الرئيس السادات إلى استكمال تحرير سيناء عبر السلام والتفاوض ناصبوه العداء، وخططوا لاغتياله، وقاموا بالعديد من المحاولات وحققوا ذلك يوم السادس من أكتوبر سنة 1981.
ودارت الأيام ومرت السنوات وجرت فى النهر مياه كثيرة، وحكمت الجماعة مصر فى 30 يونيو سنة 2012، وكانت المفاجأة أن راحت الجماعة تتفاوض مع إسرائيل على تسليم مساحة من سيناء، فى المنطقة الملاصقة لغزة، كى تكون وطنا بديلا لأهل غزة، تحل به إسرائيل مشكلتها مع غزة.
كانت إسرائيل طلبت ذلك الشريط من الرئيس السادات أثناء التفاوض على التحرير سنة 1978، ورفض السادات رفضًا مطلقًا وهدد بإنهاء مشروع السلام والعودة مجددًا للحرب، كان إصراره على أن نتسلم سيناء كاملة، دون أن تنقص منها حبة رمل واحدة، ولما تأكدوا من إصرار الرئيس السادات سلمونا سيناء كاملة، ومعنا ذلك الشريط الحدودى، حيث الحدود الدولية لمصر المعترف بها تاريخيا وفى الوثائق الدولية، لكن المطلب الإسرائيلى لم يمُت، هى تريد تصفية القضية الفلسطينية على حسابنا، فى سيناء.
وأعادوا تكرار هذا الطلب مع الرئيس الراحل حسنى مبارك، وحاولوا الضغط عليه بالإدارة الأمريكية وفيالق جماعات حقوق الإنسان والعولمة وجماعات الإسلام السياسى، وكان ما كان.
ولما تولت جماعة حسن البنا الحكم، قرروا أن يقدموا تلك المنطقة هدية لإسرائيل، ولما اعترض الرئيس الفلسطينى أبومازن، وخاطب مرسى فى ذلك، رد عليه الأخير «أنت مالك» هكذا بلا حصافة سياسية.
كيف نفهم هذا الأمر؟
الأمر ببساطة أننا أمام جماعة لا اعتراف لديها بالوطن ولا بالحدود الجغرافية، تريد فقط الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، حتى لو كان الثمن هو الوطن نفسه، لذا لم يكن غريبا أنه بعد أن أزاحهم الشعب المصرى يوم 3 يوليو 2013 أن يحشدوا فلولهم ومرتزقة الإرهاب من مختلف البقاع لانتزاع تلك المساحة من سيناء تحديدا، سيناء لا غيرها ليقيموا عليها ولاية إسلامية تخصهم هم..
وهنا لا بد من العودة بالذاكرة إلى الماضى، ونتساءل: أين كانت الجماعة فى حروب مصر كلها؟ أين كانوا من القضية الوطنية زمن الاحتلال البريطانى؟.. هم الذين نبتوا من داخل المخابرات البريطانية ووزارة المستعمرات ليكونوا شوكة فى خاصرة الحركة الوطنية ومطلب الاستقلال التام.. فى لحظة الحرب والقتال، لم يكونوا معنا، بل كانوا ضدنا وفى عملية السلام كانوا ضدنا، وفى تحرير سيناء واستقلالها كانوا فى الطرف الآخر.
الأمر ببساطة أن شرط الانخراط فى الجماعة هو الانخلاع من أى انتماء أو ولاء لغير الجماعة ومرشدها، ومن ثم لا مكان لقيمة الولاء الوطنى ولا الانتماء للأسرة وللمجتمع، يكون العضو أمام المرشد مثل الجثة بين يدى المغسل، لا رأى ولا موقف ولا حركة إلا بأمر المرشد وتعليماته.. وفى هذه الجزئية هناك تفصيلات كثيرة تقوم بها الجماعة للسيطرة المطلقة على العضو بها، لذا لا يجب أن نندهش من أنهم كانوا ضد القضية الوطنية على طول الخط.. إذا هتف المصريون «الاستقلال التام» ردوا هم، المشكلة ليست فى الاستعمار والاحتلال، بل فى البعد عن الله.. وكأن الانتماء الوطنى يناقض الإيمان الدينى.. تجاهلوا «حب الوطن من الإيمان».
فى كلمته يوم السبت الماضى، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى مجددا أن سيناء ليست ولن تكون وطنًا بديلاً لأى طرف.. سيناء مصرية.. كانت وستبقى.. وأكد الرئيس أيضًا أن تحرير سيناء ليس مجرد تحرير أرض محتلة فقط، بل تأكيد أنه لا تفريط فى شبر واحد ولا حبة رمل واحدة.. هذه قواعد وأسس وطنية بل عقيدة وطنية، لم تعرفها يومًا جماعة الوصول إلى السلطة على جثة الوطن ذاته.