كل المحاولات المحمومة التى تستهدف إخراج مصر من معادلة الأمن القومى العربى حتمًا ستبوء بالفشل.
مصر دولة وازنة فى محيطها العربى، ورمانة ميزان فى محيطها الإقليمى، ولا تمر مثل هذه المعادلات إذا استقامت إلا ببوابة مصر.
مصر بالجغرافيا، دولة قلب، ودول القلب تضخ الحياة فى محيطها، وبالتاريخ دولة حضارة، ودول الحضارات بامتدادات القارات مصدر إشعاع ونور، مصر كالشمس إذا أشرقت يشرق المشرق، مصر منذ الأزل ولا تزال، ومكتوب لها الدور فى الكتاب، كتاب الحضارة من أمهات الكتب.
مصر العظيمة لا تتبضع أدورا رخيصة، مصر الأبيّة المترفعة لم تطلب دورًا ولا تستحدثه، الدور من المادة لا يفنى ولا يُستحدث من العدم، الدور تكتبه الجغرافيا والتاريخ والمواقف والتضحيات الجِسام، دور مصر مكتوب من الأزل على بردية فرعونية زاهية الحروف، وبناة الأهرام فى سالف الدهر كفونى الكلام عند التحدي.
دور مصر ليس وليد اليوم، من الأزل وإلى أن تقوم الساعة، وكل الهلوسات التى يصدعنا بها شذاذ الآفاق من الأفاقين فى الاستديوهات التحليلية، والجائلين فى الفضاء الإلكترونى، مدفوعين للنيْل من الدور المصرى لا محل لها من الإعراب السياسى، أضغاث أحلام، توهمات تترجم عبثيات إلكترونية يجافيها الواقع العربى الذى لا يلتئم شمله إلا بالحضور المصرى الأخاذ.
الرهان على تجنيب مصر معادلات الأمن الإقليمى تنقضه المعادلات العالمية التى تضع مصر فى قلب المعادلات جميعًا، يستحيل تجاوز مصر وتقزيم دورها، رهانات خاسرة على طاولات القمار السياسى الممدودة من الخليج إلى المحيط.
العالِمون ببواطن الأمور يعلمون أن مصر تقف عقبة كئودا فى مواجهة مخططات الهيمنة والسيطرة على المنطقة، إسرائيلية كانت أو إيرانية، أو تركية، ولولا الموقف المصرى الثابت من الحقوق العربية المشروعة لكان للمنطقة شكل آخر، ولكان الندم وقت لا ينفع الندم.
مخطط استلاب غزة وعولمتها بعيدًا عن أصحاب الأرض الأصليين (الفلسطينيين) تكسّر على القاعدة المصرية الصلبة الثابتة التى تقول: لا للتهجير ولا للتوطين ولا للوطن البديل، وفلسطين للفلسطينيين، وحقهم فى إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ونجحت مصر بقيادتها الرشيدة فى فرض إرادتها على قوى عظمى بالعقل والمنطق وقوة الحجة والبرهان.. بقوة الحق العربى الذى ينطق بلسان مصرى مبين.
غزة آخر المطاف، وقبلها محاولة طمس القضية الفلسطينية، ومحو فلسطين من على الخارطة الدولية، لولا تبنى مصر القضية الفلسطينية، ووضعها فى مقدمات الأمن القومى المصرى، وخوض ثلاث حروب إقليمية فى مواجهة عدو غاصب مدعوم غربيًا، وآلاف الشهداء، والجرحى، ومليارات الخسائر على خط القنال من لحم الحى، لكانت فلسطين العزيزة على نفس كل مصرى ضاعت فى لجة الموج، وأصبحوا على ما فعلوا (تاجروا) بالقضية نادمين.
ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، مصر التى عانت من العنت السورى قديما وحديثا، أعلنتها صريحة فى وجه العالم، وحدة التراب السورى، لا تُمس ذرة تراب من الوطن السورى، ومثله دافعت ولا تزال وما استطاعت إليه سبيلا من أجل وحدة التراب السودانى، وبذلت الغالى والنفيس وعظيم التضحيات من أجل بقاء الدولة الوطنية (السودانية) موحدة، وعملت على سلامة أراضيها من محاولات الاختطاف والتجزئة والتفتيت.
مصر لا تتبضع دورا، ولا تتاجر بتضحياتها، وتنطق أم كلثوم بحكمة التاريخ فى أغنيتها الشهيرة «مصر تتحدث عن نفسها» بكلمات طيب الذكر شاعر النيل حافظ إبراهيم: (أنا إن قدر الإله مماتى، لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي).
مصر لم تقف مكتوفة الأيدى يوم تم احتلال دولة الكويت (مرتين)، ووقفت موقفًا عروبيًا شامخا بامتياز، حفاظًا على الكويت لأهله ولأمته العربية، ولم تطلب جزاءً ولا شكورًا، ولم تمنّ ولم تتبضع موقفًا، بل هو موقفها الذى ينبئ عن مبادئها الثابتة من رفض الاعتداء والاحتلال، وسلامة الدولة الوطنية ووحدة أراضيها.
مصر التى سعت لوأد الحرب الإيرانية قبل أن تشتعل الأرض تحت أقدام الفيلة الهائجة، سعت لنزع فتيل الحرب، واستضافت مفاوضات إيران مع وفد هيئة الطاقة الذرية، ومن أول لحظة فى الحرب رفضت الاعتداء والقصف، وأعلنتها صريحة بحروف واضحة: أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، وفعلت وساطتها للجم الحرب، وإلى الآن تجتهد فى خلفية المشهد المتوتر لمنع اندلاع الموجة الثانية من الحرب المهلكة.
قريبا، وبعد انقشاع غبار الحرب سيرى منْ لا يرى موقف مصر الثابت فى ظهر الخليج، ودفاعها الذى لا يتزعزع عن أمن الخليج، ورفض وإدانة الاعتداء الإيرانى، ولكل حادث حديث.
نحن نجتاز موقفًا تعثرت الآراء فيه، وعثرة الرأى تردٍّ، هذا حالنا كعرب، فلمَ الشحناء والبغضاء، ولِمَ الفرقة، ولماذا تطول الألسنة المسمومة المدفوعة لتلوك لبانة الدور المصرى؟، مصر لا تقبل الدنية فى دينها، وديدنها الأمن القومى العربى، وعلى العهد دومًا، ولا ترهن إرادتها ومشيئتها لغاصب، وقرارها مستقل رغم المحن، ومواقفها شريفة فى زمن عز فيه الشرف، ولا يقعدها عن دورها أزمات اقتصادية عابرة.
مصر مثل طائر الفينيق، طائر أسطورى خالد يرمز للتجدد والخلود، يشتهر فى الأساطير اليونانية والمصرية القديمة باحتراقه ثم ولادته من جديد من رماده. يُصور كطائر مهيب بريش قرمزى وذهبى، يعيش لقرون قبل أن يحترق ليولد كفرخ صغير، مما جعله رمزًا عالميًا للأمل والنهوض من الرماد، والقدرة على تجاوز المحن والعودة بقوة.
مصر مثل هذا الطائر المهيب تتجدد قدراتها وعزيمتها ودورها، وتتحدى الظروف القاسية، والقول لا يزال يدوى فى الآذان، بصوت العظيمة نجاح سلام، من كلمات طيّب الذكر إسماعيل الحبروك:
«تفوت عليكى المحن / ويمر بيكى الزمان
وانتى أغلى وطن / وانتى أعلى مكان
ومهما كان انتى مصر / وكل خطوة بنصر».