الرئيس السيسى الذى يناشد الشباب مرارا وتكرارا على التعلم الذاتى ورفع كفاءاتهم يرى أن «الاستثمار فى التعهيد هو استثمار فى العقول المصرية فمصر ترحب بجميع الشركات الراغبة فى العمل والابتكار» الأمر جاء خلال «القمة العالمية للأوف شورز 2025» ليبرز حرص مصر كواجهة اقتصادية تجذب الشركات العالمية.
ووضعت الدولة استراتيجية وطنية رقمية تنبثق منها الاستراتيجية الوطنية للتعهيد لتحويل قطاع الاتصالات من قطاع خدمى إلى قطاع إنتاجى يهدف إلى توفير فرص عمل نوعية وزيادة الصادرات والنمو الاقتصادى، بما يكشف تصميم الدولة على إزالة أية تحديات تواجه المستثمرين الأجانب والمحليين فى مجال التعهيد.
وحلّت مصر فى المركز الخامس عشر عالمياً ضمن مؤشر المواهب العالمى للتعهيد 2026 الصادر عن شركة Ataraxis Management، لتتصدر بذلك قائمة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتدخل نادى أفضل سبع دول إفريقية، وحصلت مصر على تقييم إجمالى قدره 81.2 نقطة، مدعومة بتكلفة عمالة تنافسية عالمية وتوافر مواهب شابة هائلة، ما جعلها «جوهرة مخفية عالية القيمة» للشركات الباحثة عن نمو مستدام بتكلفة معقولة.
ويرى المؤشر نقاط القوة الرئيسية لاستثمارات مجال التعهيد فى تكلفة العمالة المنخفضة جداً، توافر المواهب الشابة (أكثر من 34.8 مليون قوة عمل)، والبنية التحتية الرقمية المتطورة ليصل التقييم العام إلى 81.2/100، وتُوصف مصر بـ«الجوهرة المخفية عالية القيمة».
وحول المؤشرات الأخرى (حتى الربع الأول من العام الحالى Q1 2026): حققت مصر بمؤشر Ryan Strategic Advisory's Offshore BPO Confidence Index: تقدما ملحوظا (من 11 إلى 3 عالمياً فى بعض التصنيفات الفرعية)، يذكر أن مصر حسب تصنيف Kearney Global Services Location Index: (آخر إصدار 2023: جاءت بالمركز 23 عالمياً والأول إقليمياً فى جاذبية التكلفة والمهارات).
كما تؤكد مصر موقعها كوجهة nearshoring رائدة لأوروبا والخليج، وتفتح آفاقاً واعدة نحو هدف الوصول إلى 9 مليارات دولار صادرات رقمية بنهاية 2026 بعد تجاوز صادرات خدمات التعهيد 5.14 مليار دولار بنهاية 2025، وتشغيل أكثر من 270 مركز تعهيد يوظف نحو 181 ألف شاب وفتاة، بمعدل نمو 101 فى المائة منذ 2021 مع هدف 215 ألف وظيفة إضافية بحلول نهاية 2026، مع توقع إضافة 630 ألف وظيفة بحلول 2029.
وتعمل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عبر الاستراتيجية الوطنية للتعهيد على تعزيز رفع القدرات الرقمية للشباب بمجال خدمات التعهيد، من خلال تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لتأهيل الشباب لسوق العمل، عبر إكسابهم مهارات متقدمة فى مختلف التخصصات وتنمية مهاراتهم المهنية المطلوبة بما يعزز جاهزيتهم لسوق العمل العالمى.
وكشف المهندس رأفت هندى وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نمو الصادرات الرقمية فى قطاع صناعة التعهيد، موضحًا أنه من المستهدف تحقيق معدلات نمو تتجاوز 30 فى المائة سنويًا، فى حين كانت الصادرات الرقمية لخدمات التعهيد تسجل معدل نمو بلغ نحو 12 فى المائة فى السابق، مضيفاً أن الصادرات الرقمية لخدمات التعهيد سجلت 2 مليار دولار عام 2021، مقارنةً بـ 5.14 مليار دولار فى عام 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 12 مليار دولار بحلول عام 2029.
وأكد «هندى» حرص الوزارة على تعزيز تنافسية قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إقليميًا ودوليًا وتهيئة بيئة أعمال محفزة تمكن الشركات من التوسع فى حجم أعمالها فى مصر وزيادة صادراتها من الخدمات الرقمية؛ مشيرا إلى اهتمام الوزارة بإقامة شراكات مع الشركات العالمية فى مجال التعهيد من جهة وبناء القدرات الرقمية جهة أخرى والتوسع فى برامج التدريب التى تستهدف إكساب المهارات المطلوبة لسوق العمل بما يسهم فى إعداد كوادر رقمية عالية التخصص على النحو الذى يدعم خطط الشركات العاملة فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات للتوسع فى حجم أعمالها فى مصر، ويعزز من مكانة مصر كمركز عالمى لتقديم خدمات التعهيد وخدمات تكنولوجيا المعلومات العابرة للحدود.
وأشار «هندى» إلى تضمين خطة الوزارة نحو تمكين الكفاءات الوطنية، وإطلاق المبادرات التى تركز على الابتكار، بهدف تنمية قدراتها التكنولوجية، حيث تُعد مصر من الأسواق الواعدة المهمة بالنسبة للشركات العالمية مع التطلع إلى تعزيز الاستثمار بشكل أكبر فى إعداد وتأهيل الجيل القادم بالمهارات التى تمكنهم من خلق فرص مستدامة تدعم النجاح فى اقتصاد رقمى سريع التطور.
وشدد الدكتور محمد عبدالوهاب الرئيس التنفيذى لشركة تيك سورس لخدمات التعهيد على الحاجة الملحة إلى دعم حكومى أكثر شمولا لتعزيز التنافسية العالمية مشيراً إلى أربعة محاور رئيسية تشمل الاستثمار وبيئة العمل والتشريعات والحوافز والتسهيلات.
وأوضح «عبدالوهاب» أنه على صعيد الاستثمار تطالب الشركات بتوسيع نطاق الإعفاءات الضريبية وتخفيض تكلفة التمويل خاصة فى ظل تقلبات سعر الصرف مع تقديم أراض صناعية ومكاتب جاهزة بأسعار تنافسية فى المناطق الاقتصادية الجديدة خارج القاهرة لتوزيع الاستثمارات جغرافيا.
وأضاف عبدالوهاب أن بيئة العمل فى مجال التعهيد تحتاج إلى تطوير البنية التحتية الرقمية خاصة سرعة واستقرار الإنترنت فى المحافظات وبرامج تدريب مكثفة لسد فجوة المهارات المتقدمة فى الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات، كما يطالب عبدالوهاب بمواجهة العوائق اللوجستية مثل الازدحام المرورى وتوفير مراكز عمل حديثة تلبى معايير الصحة والسلامة العالمية لخفض معدلات الاستنزاف.
كما دعا إلى تفعيل أسرع للشباك الواحد الرقمى وتبسيط إجراءات التأشيرات والإقامة للكوادر الأجنبية وتسهيل إعادة تحويل الأرباح بالدولار دون قيود إلى جانب قوانين أكثر مرونة تحمى البيانات وتشجع الابتكار.
وأشار «عبدالوهاب» إلى ضرورة تقديم حزم حوافز تنافسية جديدة تشمل دعم التصدير وإعانات التدريب وتخفيضات جمركية على الأجهزة التقنية مع ربطها بأهداف الاستراتيجية الرقمية 2022-2026 مشيداً بجهود الحكومة التى بدأت بالفعل خطوات جريئة لكن التنفيذ السريع والمرن هو مفتاح النجاح المستدام.
يذكر أن هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا» أطلقت مجموعة من الحزم التحفيزية لتشجيع الشركات العاملة فى صناعة التعهيد على الاستثمار والتوسع فى أعمالها داخل مصر وتتضمن هذه الحزم حوافز للتوظيف التى تُكافئ خلق فرص العمل الجديدة الموجهة للتصدير، وبرامج التدريب من أجل التوظيف لتأهيل الكوادر الشابة وفقًا لاحتياجات الشركات، ومساحات مكتبية مدعومة ببنية تحتية وأسعار تنافسية، إلى جانب حوافز جذب العملاء الجدد من خلال الدعم الترويجى الدولى، فضلًا عن تسهيلات التأسيس سواء من خلال إقامة كيان مؤسسى فى مصر أو إقامة شراكة مع شركاء محليين.
وأطلقت الهيئة برنامج «إيتيدا جيجز» ITIDA Gigs الذى يعد إحدى المبادرات البارزة لتأهيل الشباب لدخول سوق العمل الحر العالمى عبر تدريب عملى ومهارى متخصص، كما أتم أكثر من 14 ألف متدرب من مختلف محافظات الجمهورية التدريب خلال المرحلة الأولى من البرنامج، وتمكن أكثر من 7 آلاف متدرب من الحصول على فرص عمل حر عبر منصات العمل الحر، وتم تنفيذ 60 فى المائة من هذه المشروعات بقيمة تجاوزت 265 ألف دولار، بينما لا تزال بقية المشروعات قيد التنفيذ.
وتمتلك مصر كوادر شابة لديها مهارات لغوية ورقمية، ولذلك تعد واحدة من أفضل مقاصد تقديم خدمات التعهيد، وأفضل مقصد لخدمات تكنولوجيا المعلومات العابرة للحدود، من جانبه قال جون جرجيس الرئيس التنفيذى لشركة اورا كوميونكشنز لخدمات التعهيد إن تقلبات سعر صرف العملات الأجنبية أحد المتغيرات المؤثرة على تشغيل خدمات التعهيد فى مصر، منوهاً بأن تقديم حلول الخدمات العابرة للحدود تأثر بشكل ملحوظ فى ارتفاع أسعار صرف الدولار.
وكشف جون جرجيس أن تأثر شركات مجال التعهيد سلبيا جاء نظرًا لأن معظم تراخيص ومتطلبات تشغيل المراكز تُسدد بالدولار، موضحاً أنه مع كل ارتفاع فى سعر الدولار، ينعكس ذلك سلبًا على التكلفة الربحية للشركة، مما أدى إلى انخفاض معدلات الربحية نتيجة الارتفاع الكبير فى المصروفات التشغيلية.
وشهدت سوق الصرف المصرية خلال الأسابيع الثمانية الماضية تحولات دراماتيكية فى سعر صرف الدولار الأمريكى مقابل الجنيه المصرى، حيث انتقل السعر من حالة الاستقرار النسبى التى سادت منتصف شهر فبراير الماضى، ليدخل فى موجة صعود متتالية دفعت به إلى مستويات تاريخية بنهاية مارس ومطلع أبريل الجارى، متأثراً بجملة من المتغيرات الاقتصادية والسياسية الإقليمية.
ومنذ منتصف شهر فبراير 2026، كانت المؤشرات الاقتصادية تميل نحو الاستقرار، حيث سجل الدولار مستويات تراوحت بين 46.85 و47.10 جنيه، وجاء هذا الاستقرار مدعوماً بتدفقات نقدية من صفقات استثمارية كبرى، مما عزز من معروض العملة الصعبة فى القطاع المصرفى وأعطى انطباعاً باستدامة قوة الجنيه أمام العملات الأجنبية وفى نهاية مارس سجلت العملة الأمريكية ذروتها السعرية، حيث لامست فى بعض التداولات الرسمية حاجز 54.86 جنيه، مدفوعة بزيادة تكلفة الاستيراد وتراجع تدفقات النقد الأجنبى من القنوات التقليدية التى تأثرت بالاضطرابات الإقليمية.
وضرب «جون» مثالا بشركته التى تدفع مرتبات وأجور نحو 10 فى المائة من موظفيها بالدولار وهو الأمر الذى يؤثر بشكل قوى على ارتفاع تكاليف التشغيل والإنفاق بسبب ارتفاع سعر الدولار الذى تأثر بخروج رؤوس الأموال الساخنة وارتفاع فاتورة الطاقة وضغوط عبء تدبير العملة الصعبة مع تزايد معدلات التضخم بالإضافة إلى التزام البنك المركزى بسياسة سعر صرف مرنة تعكس العرض والطلب الحقيقيين.
وأوضح أن شركته تعمل ضمن بيئة تنافسية قوية تضم عددًا من الشركات الرائدة فى مجال التعهيد وتجربة العملاء، مثل كبرى الكيانات ذات الخبرات الطويلة والحضور، ونحن ننظر إلى هذه الشركات باعتبارها نماذج مرجعية ومصادر إلهام، فى ظل ما تمتلكه من خبرات متراكمة وقدرات تشغيلية كبيرة.
كما أشار جون جرجيس إلى أن نموذج عمل الشركة يواكب ويدعم الرؤية الوطنية لصناعة التعهيد وتصدير الخدمات إلى الخارج فى ظل التعاون مع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا)، للاستفادة من برامجها الخاصة بدعم وتشجيع الشركات التى تصدر خدماتها إلى الخارج حيث يعكس توجه الدولة الاستراتيجى نحو التصدير والمنافسة العالمية.
وأكد «جون جرجيس» أن أورا كوميونكشنز تعمل على تحقيق توازن بين العمل المكتبى والعمل عن بعد، حيث بدأت تطبيق نظام العمل الهجين منذ أكثر من عامين خلال جائحة كورونا، لافتاً إلى عمل الموظفين يومًا أو يومين من المنزل أسبوعيًا، متابعا أن هذا النظام يعزز الإنتاجية الشخصية ويوفر جزءًا من تكاليف المواصلات، ومع ذلك، قد لا يناسب كل المجالات، ويختلف حسب طبيعة عمل كل إدارة بالشركة.
وكشف المهندس عزيز سعد استشارى أمن المعلومات بمجال الخدمات العابرة للحدود أن مواجهة تحدى أمن المعلومات وحماية البيانات على مجال التعهيد ليست خيارا فنيا بل شرط وجودى لاستدامة نجاح الشركات التى تحول الاستثمار فى التشفير المتقدم وبرامج التدريب المستمر وأنظمة الاستجابة الفورية للحوادث إلى ميزة تنافسية حقيقية هى وحدها القادرة على تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمى رائد للخدمات الرقمية الآمنة والموثوقة عالميا.
وقال «عزيز» حماية البيانات والأمن السيبرانى تعد أخطر عقبة استراتيجية تواجه نمو مجال التعهيد الحيوى موضحاً أن مراكز التعهيد تتعامل يوميا مع كميات هائلة من البيانات الحساسة لعملاء دوليين من أوروبا وأمريكا والخليج، وأى ثغرة أمنية واحدة قد تكلف الشركات عقودا دولية ضخمة وتفقد مصر ثقة المستثمرين العالميين فى لحظة.
ولفت عزيز سعد إلى أن هذا التحدى يأتى فى توقيت حرج إذ يدخل قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 ولوائحه التنفيذية مرحلة التنفيذ الكامل بحلول نوفمبر 2026 مصحوبا بغرامات تصل إلى 5 ملايين جنيه ومسئولية جنائية مباشرة ويتطلب القانون من الشركات تعيين مسئول حماية بيانات وإجراء تقييمات مخاطر معقدة وتأمين نقل البيانات عابرة الحدود وفق أعلى المعايير الدولية، الأمر الذى يرفع تكاليف التشغيل ويعقد العمليات بشكل كبير.
وتابع عزيز أن الوضع يفاقم تعرض مصر لهجمات سيبرانية متزايدة بالـ Phishing وRansomware وDDoS إلى جانب النقص الحاد فى الكفاءات المتخصصة فى الأمن السيبرانى أمام الطلب المتسارع ومع أن نموذج التعهيد يقوم أساسا على الثقة المطلقة فى سرية البيانات فإن أى حادث أمنى قد يؤدى إلى خسائر فادحة وتراجع حاد فى الاستثمارات الأجنبية.