رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اقتصاد الحروب الجيوسياسية ما بين خاسر ورابح.. «مصائب قوم عند قوم فوائد»


30-4-2026 | 14:45

.

طباعة
بقلـم: د. عمرو يوسف

تعد الحروب والنزاعات الجيوسياسية المحرك الأكثر قسوة وقوة للاقتصاد العالمى، وفى منطقة الشرق الأوسط، تحول «اقتصاد الحرب» من مجرد تداعيات جانبية إلى هيكل اقتصادى متكامل يعيد تشكيل موازنات الدول. بين دول تُنفق ثرواتها لتأمين بقائها، ودول أخرى تحول فوهات المدافع إلى أرقام صعبة فى حساباتها البنكية، تبرز معادلة «مصائب قوم عند قوم فوائد» بأبشع وأوضح صورها.

 

ويتحول اقتصاد الحرب فى منطقة الشرق الأوسط من كونه مجرد استجابة طارئة للأزمات إلى هيكل اقتصادى دائم يعيد تشكيل أولويات الدول، حيث يتم تحويل الموارد من القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية إلى الإنتاج العسكرى والتحوط الدفاعى، مما يخلق واقعًا مريرًا يفرض على الدول إعادة رسم خارطة ثرواتها بما يخدم البقاء الأمنى قبل الرفاه الاجتماعى، ويحول المنطقة إلى ساحة تتصارع فيها إرادات البقاء مع طموحات الربح العالمى.

حيث تتجلى أزمة الدول «الممولة» فى كونها المستهلك النهائى لآلات الدمار، حيث تجد الدول التى تفتقر لقاعدة صناعية عسكرية نفسها مضطرة لاستنزاف احتياطياتها من النقد الأجنبى لتأمين سيادتها، مما يجعلها الممول الفعلى لانتعاش اقتصادات الدول الكبرى، فى ظل تصعيد مستمر فى بؤر التوتر مثل غزة ولبنان والممرات الملاحية، وهو ما يقلب فلسفة الإنفاق العام من البناء إلى التحصين العسكرى المكلف.

وعلى صعيد الموازنات، نجد انحرافًا حادًا فى المعايير الاقتصادية، فبينما يبلغ المتوسط العالمى للإنفاق العسكرى حوالى 2.2فى المائة من الناتج المحلى، تندفع دول الشرق الأوسط لإنفاق ما بين 4.5فى المائة إلى 6فى المائة تاريخيًا، وقد قفزت هذه النسب فى ظل النزاعات الراهنة لتتجاوز 15فى المائة و20فى المائة فى بعض دول المواجهة، مما يعنى أن خمس الثروة الوطنية يُوجه مباشرة لآلة الحرب بدلًا من استثماره فى النمو الاقتصادى المستدام.

ويمثل هذا الضغط المالى والذى يولد فجوة عميقة فى الميزانيات، مما يدفع الدول نحو فخ الديون لتمويل صفقات الأسلحة المتطورة وصواريخ الاعتراض الدفاعية التى تتراوح تكلفة الصاروخ الواحد منها ما بين 50 ألف دولار و3.5 مليون دولار، وهو استنزاف مالى هائل تظهر نتائجه فى زيادة مستويات الدين العام وارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يقلص المساحة المتاحة للحكومات لدعم مواطنيها أو مواجهة الأزمات الاقتصادية الأخرى.

بينما تبرز على صعيد آخر «تكلفة الفرصة البديلة» كأكبر خسارة غير مرئية لاقتصاد الحرب، فكل مليار دولار يُخصص لشراء الطائرات المقاتلة أو منظومات الرادار يمثل حرمانًا للمجتمع من بناء حوالى 20 مستشفى متطورًا أو 50 مدرسة حديثة، وهذا التبادل القسرى للأولويات يضعف القدرة التنافسية للدول على المدى الطويل، ويقلل من معدلات النمو السنوى للناتج المحلى الإجمالى بنسبة تقدر بنحو 1فى المائة إلى 1.5فى المائة نتيجة غياب الاستثمارات التنموية.

وفى المقابل، يظهر الوجه الرابح لهذه المعادلة الصفرية متمثلًا فى الدول الكبرى وصناع السلاح مثل الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، حيث تعمل النزاعات فى الشرق الأوسط كمحفز لنمو شركاتهم الدفاعية، وقد انعكس ذلك بوضوح فى عام 2023 حين سجلت المبيعات العسكرية الأمريكية الخارجية رقمًا قياسيًا بلغ 238 مليار دولار بزيادة 16فى المائة، وكان نصيب الأسد من هذه المبيعات والطلبيات موجهًا لدول المنطقة التى تسعى جاهدة لتأمين حدودها وأجوائها.

وبذلك تتحول منطقة الشرق الأوسط فى ظل هذه الصراعات إلى «ميدان اختبار حى» وعالمى لأحدث التكنولوجيات العسكرية، حيث إن السلاح الذى يثبت فاعليته فى ميادين القتال الحالية ترتفع قيمته السوقية فورًا وتتهافت عليه الطلبيات من مختلف دول العالم.

وتعكس لغة الأرقام فى ميزان القوى وتكشف عن خلل بنيوى، فبينما تسيطر الولايات المتحدة وحدها على 42فى المائة من صادرات السلاح العالمية، تستورد دول الشرق الأوسط نحو 32فى المائة من إجمالى هذا السلاح، وهو ما يعنى انتقالًا هائلًا للثروة من الجنوب المستهلك إلى الشمال المنتج، مضافًا إلى ذلك هروب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية من المنطقة بنسبة قد تصل إلى 40فى المائة نتيجة المخاطر الجيوسياسية، مما يفاقم التبعية الاقتصادية للدول المنتجة للسلاح.

ليجد صانع القرار فى المنطقة نفسه أمام «فخ التحوط بالسلاح»؛ فترك التسلح يعنى مخاطرة وجودية بانكشاف الأمن القومي، والاندفاع فيه يعنى انتحارًا اقتصاديًا بطيئًا، خاصة أن تكلفة السلاح لا تتوقف عند الشراء، بل تمتد لتشمل عقود الصيانة والتدريب السنوية التى تلتهم وحدها ما بين 10فى المائة إلى 15فى المائة من قيمة الصفقة الأصلية، مما يجعل الدولة رهينة للدولة الموردة تكنولوجيًا وماليًا لسنوات طويلة.

وكرد فعل على هذا الواقع، بدأت بعض دول المنطقة استراتيجيات لتوطين الصناعات العسكرية مثل رؤية السعودية 2030 التى تستهدف توطين 50فى المائة من الإنفاق الدفاعى، فى محاولة لكسر حلقة تسرب الثروة وتحويل الإنفاق العسكرى إلى محرك محلى للوظائف والابتكار، ومع ذلك يظل اقتصاد الحرب فى صورته الكلية عملية إعادة توزيع للثروة العالمية تجعل من أمن الشرق الأوسط سلعة رابحة للصناع وعبئًا ثقيلًا على كاهل الشعوب التى تشترى «الأمن» بمدخراتها ومستقبل تنميتها.

لتنكشف حقيقة مهمة لتحليل مقولة «مصائب قوم عند قوم فوائد» ليتكشف من خلالها حقيقة أن الاقتصاد العالمى ليس دائمًا تعاونيًا، بل هو فى كثير من الأحيان انتهازى حيث تقود آليات الحروب والدمار وهما الوقود الرئيس الذى يحرك مصانع السلاح ومراكز الأبحاث وما يطلق عليها الدبلوماسية الابتزازية فى مناطق أخرى, وبناءً عليه، فإن استمرار تلك الحروب غالبًا ما يكون مدفوعًا برغبة مَن يستفيد فى استمرار تلك التدفقات, وفى النهاية تبقى الحروب ذات الابعاد الاستعمارية هى الاختبار الأصعب لمعدن الإنسانية. فالانتصار الحقيقى فى أى حرب ليس بالسيطرة فكل أرض يتم استردادها على حساب موت الضمير الإنسانى هى فى الحقيقة خسارة للبشرية جمعاء.

أخبار الساعة