«يقولون من سمع ليس كمَن رأى» فما بالنا بمَن سمع ورأى، غير أنه عندما استدعت اللحظة أن يقدم شهادته أو رؤيته أو تحليله قدمها «مجتزأة ومشوهة»، ليس هذا فحسب، لكنه لم يقف عند حد «وجهة النظر»، بل امتد الأمر إلى التأكيد على أن ما يقوله «عين العقل والصواب» مغلقًا باب «الرأى والرأى الآخر»، و«الوجه الآخر للحقيقة» ليعيد إلى الأذهان المقولة الشعبية الدارجة «ربنا لما وزع العقول كل واحد عجبه عقله»، غير أن الواقع، وتحديدًا واقع الأمم الكبيرة التاريخية، من الخطأ قياسه بمقولة شعبية، بل من الواجب القراءة الجيدة لـ«معطيات الحاضر» و«دروس الماضى» وتحليل وتدقيق ما تم التخطيط له مستقبلًا، ثم تأتى بعد ذلك «وجهة النظر» التى من الممكن أن يجانبها الصواب بعد هذا كله.
«الدولة التى تغلق أضواءها فى التاسعة لا يمكن أن يُطلب منها دعماً عسكرياً».. التصريح السابق واحد من تصريحات عدة حملها حوار أجرته قناة «بى بى سي» مع الإعلامى عماد أديب، وما هى إلا ساعات قليلة بعد إذاعة الحوار إلا واشتعلت السوشيال ميديا ما بين مؤيد لـ«أديب» وآخر رافض - وبشكل قاطع-لما صرح به، وإن كان الإعلامى الشهير قدم «وجهة نظره» عندما طرحت عليه مقدمة برنامج «بتوقيت مصر» سؤالاً حول ما أثير عن الخلاف «الخليجى _ المصرى» فيما يتعلق بـ«دعم القاهرة» لعواصم الخليج فى الأحداث الأخيرة التى شهدتها على هامش الحرب «الأمريكية الإسرائيلية - الإيرانية»، وإن كان أيضا هناك من اجتزأ التصريح من سياقه الطبيعى، لكن الغريب أن «أديب» الذى أنهى إجابته بالتأكيد مرة تلو الأخرى على أن ما يقوله هو «صوت العقل»، فإنه لم يشر- لا من قريب أو بعيد- إلى أن «الدولة التى تغلق أضواءها فى التاسعة مساءً» لم تكن مصر فقط، بل هناك كثير من الحكومات لجأت إلى هذه الإجراءات الاحترازية المؤقتة لتجنب «أزمة طاقة»، ولنا فى إجراءات «جائحة كورونا» الأسوة الحسنة، وهى الإجراءات التى كان لمصر السبق فى تطبيقها ومن بعدها بدأ العالم فى التطبيق، وكذلك هى الإجراءات التى أبعدت مصر عن «أزمة غذاء» و«مشكلة دواء» بعدما تعلمت القاهرة الدرس جيدًا وطبقته مع اندلاع الحرب «الروسية - الأوكرانية»، التى قطعت «سلاسل الإمداد»، وكذلك إبان العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة.
كذلك، لم يشر «أديب» إلى أن «الدولة التى تغلق أضواءها فى التاسعة مساءً» كل مؤسسات التصنيف الدولية قامت بتثبيت تصنيفها فى خضم الأزمة الحالية فى المنطقة، وأكدت أنها اتخذت إجراءات جيدة جدًا والإصلاح الاقتصادى المصرى يمر بمسارات جيدة والخطورة تتمثل فى الحروب والصراعات الجيوسياسية وتداعياتها على المستوى العالمى وعلى مصر، كما أن وكالة فيتش العالمية قالت إن «مصر تحتل المرتبة الـ3 من بين 18 سوقًا فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والمرتبة 27 عالميًا من بين 200 سوق من حيث انفتاح الاستثمار مع توقعاتها أن يؤدى الحفاظ على سعر صرف مرن إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة على المدى القصير إلى المتوسط».
وعلى خُطى «فيتش»، وخلال الأيام القليلة الماضية، ثبتت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتمانى تصنيف مصر عند «B/B» على المدى الطويل والقصير بالعملتين الأجنبية والمحلية، مع نظرة مستقبلية مستقرة، كما أبقت تقييم قابلية التحويل والتحويل الخارجى عند مستوى «B»، وتعكس النظرة المستقرة توازنًا بين آفاق النمو على المدى المتوسط فى مصر والزخم القوى للإصلاحات، مقابل المخاطر المتجددة الناتجة عن استمرار الصراع لفترة طويلة.
كذلك، «الدولة التى تغلق أضواءها فى التاسعة مساءً» أكدت الوكالة الدولية أنها «دخلت هذا الصراع باحتياطيات خارجية أقوى مقارنة بالأزمات السابقة، حيث نفذت السلطات خلال الـ24 شهرًا الماضية إصلاحات كبيرة، من بينها تحرير نظام سعر الصرف، ما ساهم فى الحصول على دعم من صندوق النقد الدولى وجهات مانحة أخرى، وجذب تدفقات استثمارية كبيرة من دول مجلس التعاون الخليجى».
أخيرًا.. وتأكيدًا على أن «إغلاق التاسعة مساءً» الذى امتد بعد ذلك ليصبح «11 مساءً»، كان إجراءً طارئًا، فإن مجلس الوزراء أعلن ، إلغاء قرار غلق المحال التجارية فى الساعة الحادية عشرة مساءً، مؤكدًا وقف العمل بالمواعيد الاستثنائية السابقة والعودة إلى المواعيد الطبيعية، بالتزامن مع تطبيق التوقيت الصيفى.