في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل من خلال أتمتة المهام المعرفية والروتينية، مما قد يؤدي إلى فقدان نحو 92 مليون وظيفة مقابل استحداث 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، وفقًا لتوقعات المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025. ويجسد هذا التحول المزدوج تحديًا حقيقيًا أمام العاملين وصناع القرار، يتمثل في ضرورة التكيف مع متطلبات سوق عمل سريع التغير.
تزايدت المخاوف مؤخرًا بشأن إمكانية استبدال الذكاء الاصطناعي للعمالة البشرية يومًا ما، ويبدو أن هذا المستقبل قد أصبح واقعًا. إذ أعلنت العديد من المؤسسات والشركات مؤخرًا عن تقليص عدد موظفيها، مشيرةً إلى كفاءة الذكاء الاصطناعي كمبرر رئيسي.

في هذا الإطار، أعلن بنك الكومنولث الأسترالي (CBA) عن إلغاء نحو 120 وظيفة إضافية من هيكله التنظيمي، في إطار سعي أكبر بنك في البلاد إلى تعزيز استثماراته في الذكاء الاصطناعي والأتمتة. وتأتي هذه التخفيضات بعد شهرين من جولة تخفيضات أخرى أدت إلى إلغاء حوالي 300 وظيفة، وإطلاق البنك برنامج "مستقبل القوى العاملة" بقيمة 90 مليون دولار أسترالي، بهدف تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي لدى موظفيه الحاليين.
وقد انتقد اتحاد القطاع المالي عمليات التسريح، مستشهدًا باستطلاع رأي أظهر أن 72 في المائة من موظفي بنك الكومنولث الأسترالي يخشون على أمنهم الوظيفي في ظل تهديدات الذكاء الاصطناعي ونقل العمليات إلى الخارج. ردًا على هذه المخاوف، أشار البنك إلى أن إجمالي عدد موظفيه قد ازداد بمقدار 2500 موظف خلال العام الماضي، وأن تغييرات الأدوار جزء طبيعي من تطور القوى العاملة. وتعكس هذه التطورات اتجاهًا أوسع نطاقًا في القطاع المصرفي.
كذلك، يواجه مئات الآلاف من العاملين في مجال التكنولوجيا واقعًا مريرًا، إذ لم يعد مستقبلهم يبدو مشرقًا كما كان قبل عقد من الزمن مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى سوق العمل. فبينما زادت شركات التكنولوجيا الأمريكية استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، قامت بتسريح عدد هائل من الموظفين، وفقًا لما أفادت به صحيفة " الجارديان" البريطانية. فقد سرحت شركة "مايكروسوفت" 15 ألف عامل العام الماضي، وشركة "أمازون" 30 ألف موظف خلال الأشهر الستة الماضية. كما استغنت شركة الخدمات المالية "بلوك" عن أكثر من 4 آلاف موظف، أي ما يعادل 40 في المائة من قوتها العاملة، في فبراير الماضي.
ومؤخرًا، سرحت شركة البرمجيات العملاقة "أوراكل" آلاف الموظفين. كما قامت شركات أصغر حجمًا مثل "بينترست" بالاستغناء عن حوالي 15 في المائة من قوتها العاملة. وقد بدأت بعض الشركات بالفعل في الترويج للمكاسب التي حققتها بفضل الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال، أرجعت جوجل 50 في المائة من برمجياتها إلى الذكاء الاصطناعي في أحدث تقرير أرباح لها.
وفيما يتعلق بالآثار المحتملة لفقدان الوظائف المرتبط بالذكاء الاصطناعي، يشير تقرير حديث صادر عن بنك الاستثمار "جولدمان ساكس" إلى أن تداعيات هذا الفقد لا تقتصر على صعوبة حصول العمال المتضررين على فرص عمل على المدى القصير فحسب، بل قد تمتد لتشمل آثارًا طويلة الأمد تتمثل في تراجع الدخل، وتأخر الاستقرار المعيشي و الاجتماعي. ويزداد الوضع سوءًا إذا حدث ذلك خلال فترة ركود اقتصادي. وكانت مؤسسة "جولدمان ساكس" قد قدرت سابقًا أن ما بين 6 في المائة و7 في المائة من العمال الأمريكيين (حوالي 11 مليون شخص) قد يفقدون وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي.
وأفادت دراسة أجراها معهد ماكينزي العالمي أنه بحلول عام 2030، قد يضطر ما لا يقل عن 14 في المائة من الموظفين على مستوى العالم إلى تغيير مساراتهم المهنية نتيجة للتحول الرقمي، والروبوتات، وتطورات الذكاء الاصطناعي. ووفقًا للخبراء، يهدد الذكاء الاصطناعى بشكل أكبر الوظائف المكتبية ذات المهام الروتينية، بينما تبقى الوظائف الإبداعية أقل عرضة للاستبدال.
ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على إحلاله محل بعض الوظائف، بل يمتد إلى تعزيز التكامل بينه وبين العنصر البشري، حيث يعملان معًا في إطار يرفع من كفاءة الأداء وجودة الإنتاج. فبدلًا من استبدال العنصر البشري بالكامل، يساهم الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الأدوار المهنية، من خلال إتاحة وظائف جديدة تتطلب مهارات متقدمة مثل تحليل البيانات، تطوير الخوارزميات، إضافة إلى وظائف الإشراف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وضمان أخلاقيتها. وبذلك، يتجه سوق العمل نحو وظائف أكثر مرونة تجمع بين القدرات البشرية والتقنيات الذكية لم تكن موجودة سابقًا.

وعن تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمعات وخاصة سوق العمل، قال المهندس مصطفى أبو جمرة، العضو المنتدب لشركة "ميديا ساي"، لـ "المصور": إن أعمال كثيرة سوف تُستبدل ببرمجيات الوكلاء التي تقدم نفس جودة العمل البشري بشكل أكثر جودة و أوفر اقتصاديًا. وبالطبع سوف يكون لهذا آثار شديدة السلبية على العمالة التي لم تدمج الذكاء الاصطناعي في شغلها، ولم تتعلم مهاراته بل إنه قد قود دور المبرمجين الذين يعملون على بنائه، و تطويره.
وأكد "أبو جمرة" أنه لا يوجد استثناء حتى في الأعمال الابداعية مثل الموسيقى و التمثيل. فالذكاء الاصطناعي الحالي و ليس المستقبلي قادر على فعل ذلك. لكن المؤسسات و الشركات مازالت تتكاسل في الاعتماد عليه، وهذا الأمر لن يستمر طويلًا. كما يتوقع إنفجار استخدامه مؤسسيًا العام القادم.
وختم" أبو جمرة" حديثه قائلًا إن الذكاء الاصطناعي الحالي أصبح قادرًا على الفهم العميق، والتحليل الصحيح، و استنباط التحليلات الداله، واتخاذ القرار الأفضل. وإذا ما مكناه من العمليات مثل الشراء والبيع يمكنه تحسين الاقتصاد، والخدمات.