الخبرة المتراكمة والقراءة الصحيحة مع المواقف الثابتة، ثلاثة أعمدة راسخة للدولة المصرية فى تعاملها مع القضايا الإقليمية الشائكة، فهى تُقدر قبل أن تخطو موضع قدمها بحكم تجاربها الطويلة وممارستها الواعية، فلا تتعجل فى الخطوات ولا تتسرع فى الأحكام حتى تتضح الصورة الشاملة، وفى ذات الوقت تتقن الفهم العميق للأحداث بنظرة ثاقبة، فتدرك قبل الجميع السيناريوهات المتوقعة والتداعيات القادمة وتطرح الحلول الواقعية والعادلة معا، مع التمسك بالمبادئ السليمة، والتحصن بالرؤى السديدة، فلا تغير قناعاتها مهما تزايدت الضغوط، ولا تتراجع عن معتقداتها مهما كثرت التحديات، ولا تقيم وزنا لأية مخططات مهما اشتدت وتيرتها، فالحق أحق أن يتبع، والباطل زاهق لا محالة.
ولا ينكر إلا جاحد أو حاقد أن الجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى نجحت باقتدار وكفاءة فى تأكيد مكانة القاهرة كقوة إقليمية فاعلة فى قضايا الشرق الأوسط، وسعى مختلف الدول والمنظمات العالمية والأممية إليها للتدخل كوسيط نزيه وذات ثقل لحل العديد من النزاعات، ومحاصرة الكثير من الصراعات، خصوصا أن الدور المصرى يتحرك من موقف القوة لا الضعف، ويتسم بالاتزان والحكمة بلا تصريحات عنترية أو بحثا عن الشو الإعلامى، وليس هناك حسابات شخصية أو مصالح ذاتية، ولا تتخلى الدولة المصرية أبدا عن ثوابتها الأصيلة، وهى عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، ورفض أية مغامرات عسكرية مهما كانت الحجج والمزاعم، وضرورة الجلوس على مائدة المفاوضات للوصول إلى حلول ترضى كل الأطراف، وتنهى جميع الخلافات بشكل جذرى، وليس مجرد مسكنات تعود بعدها الأزمات أشد شراسة وأخطر ضراوة.
وفلسفة الدولة المصرية معلومة للجميع، ومعروفة للكافة، فلا تورية ولا سرية، وطريق القاهرة مستقيم لا عوج فيه، تقول فى العلن ما تؤكد عليه فى الغرف المغلقة، وتفرض خطوطها الحمراء بثقة لأنها تمتلك القدرة الشاملة، فلا تفريط فى حفنة من ترابها، ولا مساس بحدودها، ومن يفكر بغباء فى توريط نفسه فى هذه المأساة فلا يلومن إلا نفسه، وستبتلعه أرض مصر إلى الأبد، وسيجد جنودنا كالأسود يقفون له بالمرصاد، لنعيد حكايات البطولة والفداء التى تتجدد جيلا بعد جيل من نصر أكتوبر المجيد إلى المعركة ضد التنظيمات الإرهابية، وصولا إلى حرب التنمية الشاملة بكل المجالات وجميع القطاعات، فالمصريون واقفون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا فى ظهر قائدهم البطل وجيشهم العظيم، يدا تنتج وتبنى على كل المستويات لبناء اقتصاد وطنى صلب، وترحب بالمستثمرين من الدول كافة ليستثمروا فى أجواء الأمن والاستقرار الذى تنعم بها بلادنا، ويدا تدافع عن الأمن القومى المصرى على كل الجبهات والاتجاهات، تحمى وتصون ولا تعتدى، شعارها النصر أو الشهادة ولا ثالث لهما، فمن عاش منهم توارث البطولة فى حب الوطن، ومن استشهد فهو حى يرزق فى جنات النعيم.
وفى كل الفعاليات الدولية والمحافل العالمية يكون التقدير للدور المصرى المحورى فى المنطقة حاضرا بقوة، وظاهرا لا تخطئه عين؛ لأن الجميع يدرك أن مصر يكفيها فخرا أنها تواصل مسيرة البناء والتنمية فى إقليم مضطرب، ومنطقة مشتعلة، فلا تنتهى أزمة حتى تظهر أخرى، ولا تنطفئ نيران صراع إلا وتندلع فى أعقابه أو أثنائه حرب أشد شراسة، وأكثر تدميرا وضررا على أمن الدول واقتصادياتها المرهقة من تتابع الأزمات والصراعات، وفى كل مرة لا تنشغل القاهرة بحالها، ولا تقفل أبوابها على نفسها، وإذا فعلت فمن المؤكد أنه لا يمكن أن يلومها أحد على ذلك، لكنها من منطلق دورها الإقليمى المؤثر، وقدرتها الواسعة على التهدئة تتدخل سريعا للسيطرة على الأوضاع، وشرح المخاطر، والقيام بمهمة الوساطة الجادة، ولا شرط لها إلا احترام محددات الأمن القومى المصرى بلا فصال أو جدال، وضمان حماية مصالح أشقائها فى الدول العربية من المحيط إلى الخليج، وتعتبره على الملأ جزءا لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، والتأكيد مرارا وتكرارا بوضوح لا يقبل التأويل أو التفسير أن القضية الفلسطينية قضية القضايا العربية، ولا تنازل عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى الشقيق مهما كانت المؤامرات الخبيثة والمكائد الخسيسة.
وأى متابع لتطورات أزمات منطقتنا المنكوبة بوجود دولة الاحتلال، والمعطوبة بآفة الكيان الصهيونى الشرير، يعلم علم اليقين أن الدولة المصرية حذرت من خطورة النيات الإسرائيلية والأوهام الشيطانية لمجرم الحرب نتنياهو وعصابته فى حكومته المتطرفة، لأنهم يدبرون بليل، ويتآمرون مع سبق الإصرار والترصد ضد دول المنطقة من أجل تحقيق أوهام دولة الاحتلال الكبرى، وأباطيل التوسع على حساب سيادة العواصم المجاورة، والسعى بكل حماقة إلى تجريد الدول من عوامل قوتها، ومحاور صلابتها، وعناصر مناعتها بهدف تمهيد الطرق وفتح المنافذ لتغيير خريطة الشرق الأوسط على الهوى الصهيونى، فمنذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 انتبهت القاهرة لهذا المخطط الخبيث الذى وظف تلك الخطوة غير محسوبة التوابع فى اقتلاع جذور أهل قطاع غزة، والتآمر مع أطراف عدة وفى مقدمتهم الإدارة الأمريكية وبعض الحكومات الغربية لتصفية القضية الفلسطينية، وتهجير سكان غزة إلى سيناء أو غيرها من الدول، وهنا سارعت الدولة المصرية شعبا وقيادة وحكومة فى عدة مواقف للتأكيد بأن التهجير خط أحمر، والعبارة الرئاسية الجامعة المانعة لأية مؤامرات إسرائيلية هى مقولة الرئيس السيسى فى قمة القاهرة للسلام فى أكتوبر 2023 عندما قال بالنص:”أؤكد للعالم بوضوح ولسان مبين، وبتعبير صادق، عن إرادة وعزم جميع أبناء الشعب المصرى فردًا فردًا: أن تصفية القضية الفلسطينية، دون حل عادل، لن يحدث وفى كل الأحوال “لن يحدث على حساب مصر.. واليوم تقول لكم مصر بكلمات ناصحة أمينة: إن حل القضية الفلسطينية، ليس التهجير وليس إزاحة شعب بأكمله إلى مناطق أخرى؛ بل إن حلها الوحيد، هو العدل، بحصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة فى تقرير المصير، والعيش بكرامة وأمان، فى دولة مستقلة على أرضهم مثلهم، مثل باقى شعوب الأرض”.
ويعلم العالم أجمع، أن هذه القناعة المصرية على مدى نحو عامين ونصف لم تتغير قيد أنملة، فقد تواصلت جهود القاهرة الجبارة للوصول إلى قمة شرم الشيخ للسلام وتوقيع وثيقة وقف حرب غزة حتى لا تتسع دائرة الحروب، وتتابع تداعياتها الكارثية، ولو كان هناك رجل رشيد فى دولة الاحتلال يسمع بإنصات نداءات القاهرة ويتدبر بعقلانية تحذيراتها ما كانت شرارة الحرب الكارثية تطايرت إلى لبنان وغيرها ثم إيران للمرة الثانية بمشاركة أمريكية رعناء وعبثية، ولا يعلم أحد مداها وتوابعها على المنطقة والعالم فى ظل لغة التصعيد الأمريكى من جهة والإيرانى من جهة أخرى، والضحية هو الاقتصاد العالمى بسبب أزمة الطاقة الطاحنة نتيجة جولات الصراع على مضيق هرمز، والخوف هو دخول الاستهداف العسكرى إلى مضائق أخرى فى ضربة غير مسبوقة لشرايين التجارة وسلاسل الإمداد عبر التاريخ، وهو ما حذرت منه القاهرة منذ بداية هذا المسار الصعب، ولهذا دائما هناك حرص على الحضور للقيادة المصرية فى أية اجتماعات أو قمم للنقاش حول سبل مواجهة محنة المنطقة والعالم من جولات هذه الحرب الهدامة.
وهنا نتوقف عند دلالة مشاركة الرئيس السيسى مع قادة أوروبا فى القمة العربية الأوروبية بنقوسيا مؤخرا، وفى مقدمتهم نيكوس كريستودوليدس، رئيس جمهورية قبرص، وأنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبى، وأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، لبحث الأزمات المترتبة على الحرب الإيرانية فى ملفات الأمن والطاقة، فقد حرص الجميع على الاستماع إلى وجهة النظر المصرية التى تتحلى بالرؤية المتكاملة، وهذا ظهر من حسن الاستقبال، وحفاوة الترحيب من كافة الرؤساء والزعماء الأوروبيين الذين توافدوا إلى الرئيس السيسى، فهم يعلمون قدره، ويدركون ثقل الدور المصرى وتأثيره فى هذه المرحلة الحرجة للعالم العربى والاتحاد الأوروبى معا، وكعادة الرئيس السيسى كلماته مباشرة، وصراحته معهودة، فقد أشار إلى أن الأزمات التى تشهدها منطقتنا، لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطال الجميع، وفي مقدمتهم القارة الأوروبية، التى تعد من أكثر الأطراف تأثرًا بهذه التطورات، والأزمة الإيرانية ألقت بظلالها القاتمة، على الوضع الدولي برمته، بما ترتب عليها من انعكاسات خطيرة على استقرار المنطقة، وحركة الملاحة، والاقتصاد العالمى، ولاسيما أمن وأسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، فضلًا عن التهديد المحتمل بالتلوث النووى، الذى يمثل كارثة فى حد ذاته، وأن مصر حرصت ولا تزال على بذل مساع حثيثة لاحتواء الصراع ومنع اتساع نطاقه، خاصة في ظل الهجمات الإيرانية المستهجنة - وغير المقبولة تحت أى ظرف - التى طالت دول الخليج العربى والأردن والعراق الشقيق، والتي نؤكد إدانتنا التامة ورفضنا الكامل لها، ولأي تهديدات تمس أمن الدول العربية.
ولفت الرئيس السيسى أنظار كل القادة الحاضرين بل وكل العالم إلى أن ثوابت الموقف المصرى، واضحة لا لبس فيها وفي مقدمتها التأكيد على أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام، والتطورات الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن تسوية النزاعات بالطرق السلمية بات ضرورة لا خيار، فضلًا عن ضرورة إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط بأسره، والتنفيذ الشامل وغير الانتقائى، لمنظومة منع الانتشار النووى في المنطقة، مع التأكيد المصرى الحاسم بأن القضية الفلسطينية جوهر الأزمات في المنطقة، وهي القضية المركزية للعالم العربى والشرق الأوسط، ومن الأهمية عدم السماح لأى طرف، باستغلال الظرف الإقليمى، والإقدام على إجراءات تقوض أفق السلام، والتعايش بين الشعبين الفلسطينى والإسرائيلى، على أساس حل الدولتين.
ورغم الأجواء الإقليمية الصعبة، لم ينشغل الرئيس عن القيام بدوره المعهود فى كل المحافل التى يشارك فيها للدعوة للاستثمار فى مصر، فقد أكد أنه من المهم البناء على ترقية العلاقات المصرية الأوروبية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة عام 2024، وتتويجها بانعقاد القمة الأولى في أكتوبر 2025، في تجسيد لإدراك متبادل لأهمية التعاون فى تحقيق المصالح المشتركة، وتعزيز الاستقرار الإقليمى، فعلى صعيد التنمية البشرية تؤمن مصر بأن رأس المال البشرى هو أساس التنمية المستدامة، ومن ثم يأتى الاستثمار المشترك فى مجال التعليم والبحث العلمى ونقل التكنولوجيا ليسهم في عملية التطوير التي تنفذها مصر، وأن تصبح مصر عمقًا صناعيًا للاتحاد الأوروبى، بالإضافة إلى تحسين قابلية توظيف الشباب، وهو ما يقلل من موجات الهجرة غير الشرعية عبر خلق فرص عمل محلية، أما على الصعيد الاقتصادى فقد لفت الرئيس إلى أن مصر تعمل نحو الاندماج فى سلاسل القيمة الأوروبية والعالمية، من خلال تطوير الصناعة، والبدء فى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة عالية، ولقد أثبتت تجربة السنوات الماضية، أن مصر كانت شريكًا موثوقًا للاتحاد الأوروبى بما يتسق مع سياسة الاتحاد بتنويع سلاسل الإمداد، وهذه الرسائل الرئاسية وغيرها يفهمها الأوروبيون بدقة، ومن المؤكد أنها ستكون دفعة لضخ المزيد من الاستثمارات الأوروبية فى شرايين الاقتصاد الوطنى.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء