رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

جهاز الاستثمار العُماني.. الصلابة في مواجهة التحديات الجيوسياسية والجيواستراتيجية


12-4-2026 | 19:45

.

طباعة
بقلم/ أحمد تركي.. خبير الشؤون العربية
تأتي شهادة البنك الدولي بأن اقتصاد سلطنة عُمان يُعد من بين دول مجلس التعاون الأكثر قدرة على تجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز، لتؤكد حكمة القرارات والإجراءات والحوافز والإنجازات، التي تدفع نحو جاذبية الاستثمارات في عُمان بإدارة مقتدرة من جانب جهاز الاستثمار العماني الذي يعتبر الرافعة الأقوى لعُمان في خضم التحديات الجيوسياسية التي فرضتها ظروف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما ترتب عليها من تداعيات جمة.

فقد كان البنك الدولي قد خفض توقعاته لنمو الناتج المحلي الحقيقي في دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار 3.1 نقطة مئوية، حيث كان قد توقع في يناير نمواً بنسبة 4.4%، قبل أن يراجع تقديراته إلى 1.3% في العام الجاري، وفق أحدث نسخة من تقرير المستجدات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان .

تكتسب هذه الشهادة من قبل البنك الدولي أهمية محورية بالنظر إلى عدة أمور، أولها: تمكّنت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ممثلة بـ"استثمر في عُمان" منذ انطلاقتها قبل ثلاثة أعوام، من إعادة تشكيل مشهد ترويج الاستثمار في سلطنة عُمان عبر الانتقال من نموذج الترويج التقليدي إلى منظومة مؤسسية موحّدة تُعنى بإدارة رحلة المستثمر بكفاءة وتعزيز جاذبية الاستثمارات النوعية بما يواكب الخطة الخمسية الحادية عشرة ومستهدفات "رؤية عُمان 2040".

وجاءت هذه التحولات في سياق اقتصادي يشهد تطورات نوعية، مدعومة بتوجيهات سامية ركزت على تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية لتعزيز مكانة سلطنة عُمان كوجهة استثمارية مستقرة وجاذبة .

وشهد الاستثمار تحولًا نوعيًّا من تعددية الجهات والمسارات إلى نموذج وطني موحّد عبر "استثمر في عُمان" بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، لتصبح بوابة حكومية متكاملة للاستثمارات الاستراتيجية، تجمع الجهات الحكومية والخاصة ضمن منظومة واحدة تدير رحلة المستثمر بدءًا من الاستفسار الأولي، مرورًا بالتقييم والتفاوض، وصولًا إلى التنفيذ والتوسع، الأمر الذي أسهم في توحيد قنوات التواصل مع المستثمرين الإقليميين والدوليين.

وأكدت المؤشرات الاقتصادية وصول رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في سلطنة عُمان إلى نحو 78.78 مليار دولار أمريكي حتى نهاية الربع الثاني من عام 2025، في دلالة واضحة على دخول الاقتصاد الوطني مرحلة أكثر نضجًا في دورة الجذب الاستثماري، قائمة على تعميق القيمة المضافة وتعزيز الاستثمارات المرتبطة بسلاسل الإمداد والصناعات المستقبلية، إلى جانب ما يعكسه ذلك من مستوى الثقة المتراكمة في البيئة الاستثمارية .

وركّزت "استثمر في عُمان" منذ انطلاقتها على تعزيز الممكنات الجاذبة للمستثمر، وفي مقدمتها تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتقليص التعقيدات الإدارية، وتعزيز الشفافية، مدعومة بمنظومة رقمية متكاملة تشمل موقعًا إلكترونيًّا متعدد اللغات ومنصة رقمية تتيح متابعة الإجراءات بوضوح، إلى جانب توفير خدمات الرعاية اللاحقة لضمان استدامة المشروعات.

كما عملت على تأطير الفرص الاستثمارية الجاهزة وفق دراسات متكاملة وربطها باحتياجات السوق؛ حيث ضمت الخارطة الاستثمارية منذ انطلاقتها 75 فرصة استثمارية، من بينها 30 فرصة خلال عام 2025، فيما تضم المنصة حاليًّا 51 فرصة جاهزة للاستثمار في قطاعات متعددة تشمل التصنيع، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتعدين، والرعاية الصحية .

وأسهم التكامل المؤسسي، الذي يضم أكثر من 20 جهة حكومية وخاصة، في توفير بيئة عمل موحّدة تتيح للمستثمر إنجاز إجراءاته عبر نقطة اتصال واحدة، ما قلّل الحاجة للتنقل بين الجهات، وأسهم في تسريع الإجراءات ورفع كفاءة الأداء.كما برز دور مديري علاقات المستثمرين وفريق التفاوض الوطني في إدارة المشروعات الكبرى، ما أسهم في تسريع اتخاذ القرار وتحويل الفرص إلى مشروعات فعلية.

وانعكست هذه الجهود في تحقيق نتائج ملموسة، تمثلت في توطين نحو 40 مشروعًا استثماريًّا في قطاعات متعددة، إلى جانب توقيع 14 مشروعًا خلال عام 2025 بقيمة إجمالية بلغت نحو 1.6 مليار ريال عُماني، إضافة إلى توقيع 8 مشروعات عبر فريق التفاوض الوطني بقيمة تقارب 2.6 مليار ريال عُماني، كما استفاد أكثر من 55 مشروعًا من مسار الإجراءات السريعة، وتم تقديم الخدمات لأكثر من 3500 مستثمر عالمي، ما يؤكد فاعلية المنظومة في تحويل الفرص إلى مشروعات قائمة .

كما حققت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة مؤشرات نمو إيجابية في توطين المشاريع الاستثمارية وتعظيم الأثر الاقتصادي للمناطق التي تشرف عليها، في ظل جهودها لتعزيز التكامل المؤسسي وتوسيع الشراكات الاستراتيجية.

وكشف لقاء الخطة الخمسية للهيئة (2026–2030)،الذي عُقد مؤخراُ عن تمكين المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة والمدن الصناعية من تحقيق نمو متوازن في المشاريع والاستثمارات، وتعظيم أثرها الاقتصادي، من خلال التركيز على تنمية وتنظيم هذه المناطق وتوفير بيئة استثمارية جاذبة ومستدامة بما يتماشى مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" .

ويمثل الأداء الايجابي لجهاز الاستثمار العماني خلال المرحلة الأولى من رؤية عُمان ركيزة لتوسعة دوره في دعم الاستدامة المالية والاقتصادية خلال الخطة الخمسية الحادية عشرة كمرحلة ثانية من رؤية عمان, بما يسهم في استمرارية النمو وتعزيز صلابة الاقتصاد الوطني في مواجهة المتغيرات التقنية وتحولات الطاقة وتحديات متصاعدة في بيئة الاقتصاد العالمي نتيجة التطورات الراهنة والتبعات المتوقعة بسبب اندلاع الحرب في المنطقة, والاستفادة من الثقة المتنامية في بيئة الاستثمار والأعمال في سلطنة عمان ومزايا تنافسية عديدة من أهمها الاستقرار السياسي, والنمو المتواصل للاقتصاد خلال السنوات الماضية, والتقدم الحثيث نحو الاستدامة وخفض الاعتماد على النفط من خلال توسع ونمو قطاعات التنويع والأنشطة غير النفطية.

ويأتي إعلان جهاز الاستثمار العُماني خلال الأسبوع الماضي عن تحقيقه نتائج مالية غير مسبوقة تضعه ضمن صدارة صناديق الثروة السيادية عالميا في عام 2025 ليؤكد على استمرار نجاح الجهاز في تعزيز أدائه وتنمية الأصول, والقيام بدور محوري في دعم الاقتصاد الوطني, وتحويل سلطنة عمان إلى مركز جاذب للاستثمارات العالمية التي تمثل قيمة مضافة لقطاعات التنويع المستهدفة, وتفتح الأفق لقطاعات واعدة مثل الطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي .

فمنذ تأسيسه في عام 2020, وتوحيد الاستثمارات الحكومية تحت مظلة الجهاز ضمن إعادة الهيكلة الشاملة للجهاز الاداري للدولة للتمهيد لانجاح تنفيذ رؤية عمان 2040, عزز جهاز الاستثمار دوره في الاستدامة المالية والاقتصادية بنجاحه في رفع عائده المحقق على الاستثمار وزيادة ملموسة في حجم أصوله بما في ذلك أصول محفظة التنمية الوطنية, ومن عائد سنوي على الاستثمار يقدر بنحو 3.8 بالمائة في عام 2020, ارتفع متوسط عائد الاستثمار الذي حققه جهاز الاستثمار العماني خلال الفترة من 2021 وحتى 2024 إلى نحو 9.35 بالمائة, وصعد حجم اصول الجهاز من حوالي 17 مليار ريال عماني في 2020 الى 20.425 مليار ريال عماني في نهاية 2024 , اي ما يتجاوز 53 مليار دولار.

وضمن أصول جهاز الاستثمار العماني, يرصد نمو محفظة التنمية الوطنية ما حققه الجهاز من تقدم في رفع كفاءة الاستثمارات الحكومية, وزيادة حجم استثماراته وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص العماني والمستثمرين العالميين, حيث زاد حجم محفظة التنمية الوطنية من 10.7 مليار ريال عماني في عام 2022 إلى ما يتجاوز 12 مليار ريال في عام 2024 .

وإضافة الى المحفظتين الاستثماريتين للجهاز, محفظة الأجيال للاستثمار الخارجي ومحفظة التنمية الوطنية للاستثمار المحلي, دشن جهاز الاستثمار محفظته الاستثمارية الثالثة وهي صندوق عُمان المستقبل برأسمال ملياري ريال عماني على مدار خمس سنوات, وبلغ حجم الاستثمارات عبر الصندوق 815 مليون ريال عماني خلال عام 2024 وتمثل الدفعة الأولى من المشروعات التي يتم تمويلها من خلال صندوق عمان المستقبل مع شراكات محلية ودولية، في قطاعات ذات أولوية مثل اللوجستيات، والتعدين، والسياحة، والصناعات التحويلية، والطاقة النظيفة.

كما تم تخصيص 200 مليون ريال عُماني لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة من قبل صندوق عُمان المستقبل, وعزز جهاز الاستثمار مساهمته في تعظيم الاستفادة من برامج وسياسة المحتوى المحلي، إذ ارتفعت نسبة المحتوى المحلي من إجمالي قيمة العقود بجهاز الاستثمار العُماني إلى 32.4 بالمائة, وارتفع الانفاق على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من قبل جهاز الاستثمار العُماني لتصل إلى 19.8 بالمائة من إجمالي إنفاق الشركات التابعة للجهاز، وخلال الفترة الماضية قام الجهاز بتدشين ثلاثة صناديق إستراتيجية، تركز على الطاقة الجديدة وسلاسل التوريد, وقطاعات البنية الرقمية والسياحة والزراعة، واستقطاب الشركات الصناعية والخدمية الراغبة في التوسع داخل سلطنة عُمان، وتعزيز جهود التوطين ونقل التكنولوجيا .

يُشار إلى أن الجيوسياسية (Geopolitics) هي دراسة تأثير الجغرافيا (الموقع، الموارد) على السياسة الخارجية للدول وعلاقاتها الدولية. أما الجيوستراتيجية (Geostrategy) فهي الجانب التطبيقي الذي يستخدم المعلومات الجغرافية لإعداد خطط استراتيجية (عسكرية/سياسية) لتحقيق مصالح الدولة. الجيوسياسية تحلل الواقع، بينما الجيوستراتيجية تخطط للمستقبل.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة