لعبت الدراما بعد ثورة 30 يونيو، دورا كبيرا فى بناء وتشكيل الوعى المجتمعي، وذلك من خلال كشف حقيقة تنظيم الإخوان الإرهابي، وطرحها فى سياق درامى يساهم فى كشف الحقائق لدى كافة أطياف المجتمع، خاصة فئة الشباب التى تعتبر الهدف الأول لجماعة الإخوان الإرهابية، باعتبارهم الوقود اللازم لاستكمال مسيرتها التخريبية والإرهابية.
ويأتى مسلسل «رأس الأفعى» ليكشف جانبا مظلما فى تاريخ الجماعة الإرهابية، حيث يركز على شخصية القائم بأعمال مرشد الجماعة محمود عزت، الذى يعتبر واحدا من أخطر الشخصيات التنظيمية داخل هذا التنظيم الإرهابي، والذى لعب دورا رئيسيا فى تحقيق أهداف الجماعة بالإضرار بالدولة والشعب المصرى بعد ثورة 30 يونيو، واعتماد سياسة خلق الأزمات الاقتصادية، وترويج الشائعات لإحداث بلبلة مستمرة داخل المجتمع.
النجاح الكبير والملحوظ لـ «رأس الأفعى»، جعله يتعرض إلى حملة إلكترونية شرسة من لجان الإخوان ومنصاتهم الإعلامية تستهدف تشويه المسلسل، وجندت كل لجانها للهجوم على صُناع العمل وعلى الشركة المتحدة خاصة وأنه يكشف عن تورط الجماعة فى أعمال عنف وتفجيرات، وتسعى الجماعة من وراء هذه الحملة إلى طمس الحقائق التى يطرحها المسلسل، فى محاولة يائسة منهم لإعادة صياغة الوعى الجمعى والتشويش على أى عمل فنى يتناول تاريخهم الدموى ومخططاتهم التخريبية.
ويمتلك «عزت»، ما يمكن وصفه بـ«أحشاء الإخوان» منذ أصبح عضوا بمكتب الإرشاد عام 1981، وله نفوذ مؤثر داخل الجماعة، ويحاط عمله ومهامه داخل التنظيم بالتكتم والغموض والسرية حتى على قيادات الإخوان أنفسهم لذلك يلقبونه بـ«إمام السرداب».
«إنقاذ التنظيم والتمويل».. المهمة التى أوكلت لـ«عزت» بعد سقوط حكم الإخوان عام 2013 والقبض على الإرهابى محمد بديع المرشد العام، ليتولى مهام القائم بأعمال المرشد، مهمة «عزت» الرئيسية كانت لملمة أشلاء التنظيم وتوفير الدعم والتمويل المالى لأنشطة الإخوان، وهو المسئول عن الكثير من الجرائم ضد الدولة ومؤسساتها، وأشرف على تنفيذ العديد من العمليات الإرهابية والتخريبية منذ ثورة 30 يونيو، حتى سقوطه فى قبضة الأمن فى أغسطس 2020 الأمر الذى أربك حسابات التنظيم داخليا وخارجيا، ومنذ الإعلان عن مسلسل «ظل الأفعى» أصابت الإخوان حالة من الذعر ودشنوا حملات إلكترونية ممنهجة لتلميع صورة «عزت» وتقديمه فى صورة ملائكية وتوجيه ضربة استباقية للعمل الدرامى بهدف التشكيك فى مصداقيته وتقليل تأثيره.
وفى تحليله لحالة الذعر التى أصيب بها الإخوان من مسلسل رأس الأفعى، قال الكاتب والمفكر ثروت الخرباوى عضو مجلس الشيوخ: يعتمد تنظيم الإخوان على ثلاثة عناصر أساسية، أولا السردية التى يقدّم بها نفسه للناس، ثانيا الصورة الأخلاقية التى يبنيها لأعضائه، ثالثا تماسك القواعد داخليا، وعندما يأتى عمل درامى يعيد صياغة هذه السردية بصورة سلبية أو ناقدة، فهو لا يهاجم الأشخاص فقط، بل يهدد الصورة المصطنعة للتنظيم؛ لذلك يكون رد الفعل دفاعيا وحادا.
وأضاف «الخرباوي» أن هذا العمل تحديدا يسلط الضوء على الصندوق الأسود الحقيقى للتنظيم، فـ«عزت» لم يكن مجرد قيادي، بل كان الرجل الذى يمتلك هيكل التنظيم السري، وهو الرجل الذى أدار التنظيم من تحت الأرض، وهو المسئول عن استمرارية النظام الخاص بشكل جديد، مشيرًا إلى أن محمود عزت هو الكتاب المغلق للإخوان، وفتح سيرته دراميا يعنى كشف آليات التمويل، وخطوط الاتصال الدولية، والأهم من ذلك، كيفية صناعة القرار السرى بعيداً عن الشعارات الدعوية التى يتم تصديرها للعلن، كما أن فضح شخصيته يكسر هيبة الرجل الحديدى الذى طالما أحيط بهالة من الغموض والقدسية داخل التنظيم، ولذلك فإن الدراما أقوى من ألف مقال وأكثر تأثيرا من الكتب والخُطب، فهى تدخل البيوت، وتؤثر عاطفيا، وتعيد تشكيل الوعى الشعبي، والإخوان يخشون سحب سجادة المظلومية من تحت أرجلهم، ومسلسل «رأس الأفعى» وصل إلى درجة عالية من الإتقان زلزلت الأرض تحت أقدامهم.
وعن تفسيره لإنكار الإخوان جرائم العنف التى ارتكبوها أوضح «الخرباوى»، أن هذا الإنكار ليس مجرد كذب، بل هو استراتيجية بنيوية تعتمد على عدة ركائز، أولاها التقية السياسية، يتبنى التنظيم مبدأ «تعدد الخطاب»، حيث يوجد خطاب ناعم موجه للشعب (سلمية، ديمقراطية)، وخطاب داخلى تعبوى يحرض على العنف والصدام، ثانيها المظلومية، فإنكار العنف يساعد فى بناء «سردية الضحية»، فإذا اعترفوا بالعنف، ستسقط عنهم صفة «المضطهدين»، وهو المحرك الأساسى لاستعطاف القواعد وحشد التمويل الدولي، وثالثها التبرير الفقهي، هم لا يسمونه «عنفاً»، بل يدرجونه تحت مسميات مثل «دفع الصائل» أو «الجهاد»، مما يجعل القواعد يشعرون نفسيا بأنهم لا يمارسون العنف بل يؤدون واجبا شرعيا.
وشدد «الخرباوي» على أن دراما الوعى تعد السلاح الأكثر فتكا بالتنظيمات السرية لعدة أسباب منها «ضرب القدوة»، فعندما يرى الشاب المنضم حديثا الرموز التى يقدسونها فى صورة المتآمر أو الخائف أو المتردد، تهتز صورته الذهنية وتحدث لديه «صدمة وعي»، كما أن كشف الوجه الحقيقى لمحمود عزت، وتحويل «رأس الأفعى» من شخصية غامضة مهابة إلى شخصية درامية مجسدة بضعفها ومؤامراتها، يسقط هالة القداسة ويجعل نقد التنظيم أمرا ممكنا لدى المخدوعين فى الجماعة، وكذلك توثيق الذاكرة، فالدراما تصل لشرائح لا تقرأ الكتب التاريخية، وبذلك تحصن الأجيال الجديدة من الوقوع فى فخ الاستقطاب مستقبلا، وتغلق أمام الإخوان طريق التجنيد.
وكشف «الخرباوي» عن استراتيجية متعددة المحاور يتبعها التنظيم الإرهابى لمواجهة دراما الوعى تتمثل فى التشكيك فى المصداقية، من خلال محاولة وصم الأعمال الدرامية بأنها «أمنية» أو «مسيسة» لصرف النظر عن الحقائق الواردة فيها. وصناعة «الدراما البديلة» من خلال منصاتهم فى الخارج، يحاولون إنتاج أعمال تصورهم كأبطال ومضحين (مثل محاولاتهم الفاشلة فى إنتاج أفلام وثائقية مضادة) أو مقاطع فيديو تجعل من قيادات الإخوان أكبر علماء مصر وأن سجنهم إنما تم لأنهم يطالبون بتطبيق الإسلام، وكذلك الاغتيال المعنوي، من خلال الهجوم على الممثلين والكتاب وصناع العمل لترهيب أى شخص يحاول الاقتراب من كشف أسرارهم. منوها أنه فى العصر الرقمي، المعركة ليست فقط على الشاشة، بل على وسائل التواصل.
وشدد عضو «الشيوخ»، على أن «رأس الأفعى» ليس مجرد مسلسل، بل هو «عملية جراحية درامية» استأصلت ما تبقى من هيبة القيادة التاريخية للتنظيم، ونجح فى تحويل الغموض الذى كان يتلفح به محمود عزت إلى إدانة واضحة أمام الرأى العام.
من جانبه أكد هشام النجار، المتخصص فى الفكر الدينى وشئون الإرهاب، أن «المسلسل حلقة مهمة فى سلسلة مسلسلات تمثل ذروة الأهمية فى نشر الوعى والحقائق كما هى موثقة وكما حدثت، وهو ما كشف ولا يزال يكشف أباطيل وتزييف وتزوير جماعة الإخوان الإرهابية للحقائق»، مضيفًا أن «هذا المسلسل المهم وما سبقه من أعمال يكشف حقيقة تنظيم الإخوان كتنظيم إرهابى يستخدم القوة والإرهاب والعنف والتفجيرات والاغتيالات عبر تشكيل أجنحة عسكرية سرية، من منطلق اعتناقها لمناهج تكفيرية متطرفة تناقض المفاهيم وتعاليم الإسلام الصحيحة، كما يكشف المسلسل وما سبقه ارتباط جماعة الإخوان المحظورة الخائنة مع أجهزة مخابرات خارجية ومع مشاريع تدميرية تخريبية ومؤامرات تغيير خرائط بالمنطقة، وكشف المسلسل كذلك حقيقة قيادات الإخوان الفاسدة الانتهازية، وهذا كله ينسف تماما كل ما تروج له جماعة الإخوان الخائنة من طهرانية ونقاء وسلمية ومظلومية».
وأشار «النجار» إلى أن «الجماعة تعمد لارتكاب العنف من جهة سواء من داخلها أو بالدفع بخلايا مسلحة من خارجها، وفى نفس الوقت تحرص على التنصل من هذا المسار والتبرؤ منه حتى لا تقع تحت طائلة المحاسبة والعقاب، وحتى لا تخسر التعاطف معها».
وفى رصده لتخوفات الإخوان من تأثير الدراما الوطنية كونها تشكل تهديدا لمستقبل الجماعة قال «النجار»: تأثير الدراما هائل وخطير نظرا لضخامة عدد مشاهديها ومتابعيها، فهى تنتشر بشكل كبير داخل الأوساط التى تحرص جماعة الإخوان على التسلل إلى داخلها وتغييب وعيها، فتأتى الدراما المصرية برؤى وأفكار وحقائق مناقضة لما تروجه الإخوان، فتخسر كل مجهوداتها فى نشر الكذب والشائعات والضلالات الفكرية، أيضا هناك بُعد مهم جدا يتمثل فى أن الشعب المصرى والشعوب العربية متعلقة جدا بالدراما خاصة الرمضانية، ما يعد استخدامها أيضا لنشر الوعى وتصحيح المفاهيم ونشر الحقائق الموثقة سواء التاريخية أو حقائق ما جرى طوال العقد الماضي، بجانب كونها مجالا لنشر القيم الاجتماعية والأعمال التقليدية، يعد تحولا مهما جدا ونوعيا فى مسار المعركة ضد جماعة الإخوان وفى مواجهة مجمل المؤامرة الدولية والإقليمية الضالعة فيها.
وأوضح «النجار» أن «خطورة محمود عزت تكمن فى تكوينه الممتد تاريخيا داخل التنظيم الخاص السرى داخل جماعة الإخوان الإرهابية ومرافقته لعتاة هذا التنظيم وصولا لسيد قطب نفسه، علاوة على أنه سعى بعد إسقاط نظام جماعته وعزلها عن السلطة بثورة شعبية ساندها الجيش المصرى لتطبيق كل مناهج وأدبيات هذا التنظيم المفخخة، وكل ما ابتدعه سيد قطب فى مواجهة الدولة والأجهزة والمؤسسات والشعب، حيث سعى إلى استعادة واستحضار هذا الإرث التكفيرى الإرهابى العدوانى لتطبيقه وتنفيذه بعد العام ٢٠١٣ ولذلك تشكلت داخل الإخوان التنظيمات السرية المسلحة منذ ذلك التاريخ، وحاولت تنفيذ الخطط الإرهابية التى وضعها سيد قطب وموثقة فى كتابه «لماذا أعدمونى» تحت عنوان «خطة رد الاعتداء».
وتابع: كما قام محمود عزت وأعوانه داخل الجماعة بإعادة هيكلة التنظيم برمته ليكون باستخدام كل وسائل العنف والإرهاب مع التلاقى والتحالف مع الجماعات والتنظيمات الإرهابية على الساحة فى ذلك الوقت، وهو ما يفسر هذا الكم من التفجيرات وعمليات الاغتيال والإرهاب واستهداف مرافق الدولة العامة من طرق وكبارى وأبراج كهرباء، بما يؤكد أنه سعى لتنفيذ مخطط سيد قطب القديم عبر استهداف المرافق الحيوية والقيادات التنفيذية.
وأشار «النجار» إلى أن إعلام جماعة الإخوان الإرهابية يقوم بحملات تشويه منظمة بين التحريض وتزييف الوعى تعتمد على ما تقدمه من خلال برامج وقنوات تديرها من الخارج، وحاولت توظيف مأجورين من خارجها يعتبرون من سواقط الإعلام والفن مثل هشام عبد الحميد وهشام عبدالله ومحمد ناصر وغيرهم، لكنها فشلت وتفشل أمام نصاعة الحقائق وقوة منطق الحق والدفاع عن الأوطان وصحيح الإسلام عبر دراما وطنية احترافية، كما باتت الأوراق التى تستخدمها محروقة، فلم ينفعها من استأجرتهم من سواقط الإعلام والفن.
فى السياق، أوضح منير أديب، الباحث فى شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن «الدراما تكشف جماعات العنف والتطرف وهى إحدى الأدوات المهمة فى تفكيك الأفكار المتطرفة، ومن خلالها تستطيع أن تكشف مخططات الأعداء تجاهك، سواء كانوا أعداء الداخل أم الخارج، فالدراما من أهم الأدوات السحرية فى مواجهة جماعات العنف والتطرف كونها اللغة السهلة واليسيرة على الفهم وتؤثر قى قلب المشاهد ووجدانه، ومن هنا يمكن أن نقول إن تأثير الدراما فى الناس يفوق تأثير مئات الأطنان من الخطب السياسية والمقالات الصحفية، وما يشرحه السياسيون ويقدمه الباحثون بشكل بحثي، فالمشهد الواحد فى الدراما يؤثر على مشاعر الناس ووجدانهم فهي بمثابة الذاكرة الحيّة للمجتمعات التى لها جاذبيتها وتأثيرها وسحرها».
وشدد «أديب» على أن مسلسل «رأس الأفعى» لا يتحدث فقط عن القيادى الإخوانى محمود عزت بل يسعى لتفكيك التنظيم، ويسلط الضوء بشكل كبير على جرائم التنظيم قديما وحديثا، فالمسلسل فى جوهره يسعى لتفكيك الأفكار المؤسسة للتنظيم، ويسلط الضوء على دور أجهزة الأمن والمعلومات فى مواجهة الإرهاب فى العموم ومواجهة هذا التنظيم على وجه الخصوص، حيث وثقت دراما «رأس الأفعى» الدور الوطنى لأجهزة الأمن فى حماية الدولة ومقدراتها من العنف والإرهاب.
وأضاف: الإخوان مارسوا كل أشكال العنف السياسى واللفظى والسلوكى والجنائى، فى الوقت الذى تولى فيه محمود عزت إدارة شئون التنظيم بعد إلقاء القبض على مرشد التنظيم محمد بديع، حيث كان عزت مسئولاً عن التنظيم ويتحمل كل ممارساته المنحازة للعنف حتى إلقاء القبض عليه عام 2020.
وفى تفسيره لحالة الهجوم المسبق من الإخوان على العمل الدرامى والشركة المنتجة، أكد «أديب» أن «هذا النمط من الخطاب الإعلامى ليس جديدا على الإخوان، إذ اعتادت الجماعة إعادة صياغة روايتها كلما شعرت بتهديد صورتها أمام الرأى العام، خاصة مع اقتراب أعمال درامية تتناول تاريخها، خاصة وأن المسلسل يتناول محمود عزت صفته أنه قائم بأعمال مرشد الإخوان، وبالتالى يتناول الرجل الأول فى الجماعة، وهذا الأمر يزعج التنظيم».
وأضاف: المسلسل يتناول أيضا كل قيادات العنف داخل التنظيم وهو ما يسمى بـ«التيار القطبي»، والإخوان منزعجون لأن المسلسل يتناول ويسرد الحقائق التى عاشها المصريون، وبالتالى فإن تناول تلك الأحداث والوقائع دراميا سوف يصدقها المشاهدون لسببين أولهما كونها حقائق، وثانيا لأن المواطنين عايشوا هذه الحقائق وكانوا شهودًا عليها مثل قيام الإخوان بعمليات تفجير أبراج الاتصالات والكهرباء، وسد مجارى الصرف الصحى عبر إلقاء مادة الجبس داخلها وفك قضبان القطارات وقطع الطرق الرئيسية، وإلقاء الزيوت على المحاور الحيوية، مما تسبب فى زيادة الحوادث وخسائر اقتصادية، وقد قام التنظيم بتلك الجرائم وفق خطة ممنهجة اتبعتها الجماعة بعد ثورة 30 يونيو لإرباك الدولة وزعزعة استقرارها، وبالتالى فعندما يتحدث المسلسل عن المخططات التى قام بها الإخوان فهذا يفكك التنظيم ويجعله يفقد مصداقيته أمام الناس.
«أديب»، أشار إلى أن محمود عزت هو الرجل الأخطر داخل التنظيم فهو كنز معلومات كبير، لافتا إلى أن خطورة «عزت» لا تقل عن خطورة سيد قطب، وتأثيره على التنظيم لا يقل عن تأثير المؤسس الأول حسن البنا.