برز مسلسل «رأس الأفعى» -الذى يُذاع فى رمضان الحالي- كواحد من الأعمال الدرامية القليلة التى تتناول أحداثاً وطنية حساسة بعيون واقعية، مركزاً على مطاردة جهاز الأمن الوطنى للقيادى الإخوانى محمود عزت، الذى تولى زمام الأمور بعد أحداث أغسطس 2013، واشتهر بلقب «رأس الأفعى» بسبب دوره فى تنظيم العمليات الإرهابية، ومنذ بدء عرض أولى حلقاته والمسلسل يحتل مكاناً بارزاً فى نقاشات الجمهور وأحاديث النقاد، فالعمل يعود بالذاكرة إلى أحداث 2013، التفجيرات الإرهابية، مطاردة قيادات الإخوان، وبالأخص شخصية محمود عزت كعقل مدبر رئيسى.
بداية، تقول الناقدة الفنية، ماجدة خير الله، إن «تقديم أعمال درامية تُذكّر بمراحل حاسمة فى تاريخنا أمر ضروري، لكن الشرط الأساسى هو أن تكون جيدة فنياً، إخراج محترم، سيناريو مشوق، قصة تحمل إثارة حقيقية، ولو تحول العمل إلى محاضرة مباشرة يفقد قيمته الفنية. فى النهاية نحن أمام عمل درامى يجب أن يُمتع ويجذب».
«خير الله»، أوضحت أنها بعد متابعتها الحلقات الأولى لـ«رأس الأفعى»، فإنها أيقنت أن المسلسل يحقق هذا التوازن إلى حد جيد، حيث يبدأ المسلسل بمشاهد سريعة ومثيرة تجذب المشاهد فوراً، دون الإطالة فى تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات التى قد تُملّ إذا لم تخدم الحدث الرئيسي.
وأشارت «ماجدة» إلى أن «هذه النوعية من الأعمال –مثل سلسلة «الاختيار» وغيرها– تتطور بشكل ملحوظ فى السنوات الأخيرة، وتصبح جيدة فى مجملها، رغم وجود مجال لتحسينات إضافية مع الوقت، وتؤكد أهميتها الكبيرة للأجيال الحالية، خاصة الأطفال والمراهقين الذين لم يعيشوا تلك الفترة، «فى ناس عندها 9 أو 10 سنين مكنوش موجودين أصلاً وقت أحداث 2013، لازم نصحّى وعيهم ونربطهم بالوطن وبما حدث»، مضيفة أن «العالم كله ما زال ينتج أفلاماً ومسلسلات ضخمة عن الحربين العالميتين رغم مرور أكثر من قرن، يعنى مفيش حاجة اسمها ده قديم أو «اتكلمنا فيه قبل كده.. المهم التجديد والتجويد المستمر».
وعن الاستناد إلى وقائع حقيقية، أكدت الناقدة الفنية أنه «يعطى مصداقية إضافية ويزيد من إقبال الجمهور، زى رأفت الهجان مثلاً، الناس كانت تعرف إن الشخصيات دى موجودة فعلاً، حتى لو اتغيرت أسماؤها، ده اللى خلّى العمل له زخم خاص».
وردا على تساؤل حول إمكانية ملل الأجيال الجديدة من هذا النوع تقول: «لا، طالما العمل معمول بمتعة وتشويق فنى حقيقي. شوفى مسلسل الحشاشين، أحداثه من قرون، ومع ذلك الناس استمتعت بيه جداً لأنه قدم بشكل راقٍ، والاهتمام بالتفاصيل –الملابس، السيارات، المركبات العسكرية، تصميم المشاهد الحربية– يصبح أكثر أهمية مع مرور السنين، لأن كل فترة لها ملامحها اللى بتتغير».
«خير الله»، شددت على أن عملًا واحدًا لا يكفى لمحاربة الفكر المتطرف، وعلى كل الجهات أن تشارك: المعلم، الأسرة، الإعلام، المجتمع كله، وهناك بعض الممارسات المخيفة التى تُزرع فى الأطفال من صغرهم وتحتاج مواجهة شاملة».
واختتمت «خير الله»، حديثها بالتأكيد على أن «أكبر فائدة من تحويل أحداث وطنية كبيرة إلى دراما هى أن الناس تعرف ماضيها عشان تفهم حاضرها وتحمى مستقبلها، وتتجنب تكرار الأخطاء، الكتب المدرسية وحدها لا تكفي؛ الفن هو الوسيلة الأقوى والأعمق تأثيراً».
وفى سياق متصل أكدت الناقدة الفنية حنان شومان، على دور الدراما فى تقريب التاريخ للمشاهدين، خاصة مع أعمال مثل مسلسل «رأس الأفعى» الذى يُعرض فى رمضان الحالى ويستند إلى أحداث حقيقية من فترة 2013 وما بعدها، مشيرة إلى أن «الأعمال الدرامية لها قدرة خاصة على جذب الجمهور، حتى منْ لا يهتم بالتاريخ أصلاً، أكثر بكثير من الكتب أو الوثائقيات».
وأضافت «حنان»: الدراما تقرب الحدث من المشاهد، سواء كان تاريخاً بعيداً أم قريباً، وأستشهد بأعمال كلاسيكية مثل «الناصر صلاح الدين» الذى شكّل صورة معينة فى أذهان أجيال كاملة، غير أن هذا لا يمنع من التحذير بأن الدراما قد تُفسد التاريخ أحياناً، أو تصححه فى أحيان أخرى، وفى حالة «رأس الأفعى»، بما أنه يتحدث عن تاريخ قريب جداً، فإن معظم المشاهدين إما عاصروه أو سمعوا عنه، لكنهم غالباً ما يعرفون الإطار العام فقط. «الكشف عن التفاصيل والكواليس يضيف قيمة كبيرة، ويخلق عند الأجيال الجديدة تساؤلات تدفعهم للبحث والقراءة أكثر».
وحول ما وصفته بـ«التحدى أمام صُناع العمل»، تقول: يتمثل فى الاعتماد على وقائع حقيقية، فتراه الناقدة فى المقام الأول عند الكاتب، والكاتب يضطر أن يوازن بين الدراما والالتزام بالحقيقة، وفى عصر الإنترنت أى خطأ صغير فى تفصيل أو شخصية يُكتشف فوراً ويُناقش بشدة، والتاريخ القديم يحتاج جهداً كبيراً فى الديكور والملابس، لكن «رأس الأفعى» يتحدث عن زمن قريب نسبياً، فالصعوبة الحقيقية تكمن فى الدقة والمصداقية، وهنا تقع المسئولية الأساسية على الكاتب أكثر من المخرج أو الممثلين.
«حنان» رفضت إصدار حكم نهائى مبكراً. حيث تقول: «مسلسل من 15 أو 30 حلقة لا يُقيّم بعد عدة حلقات، هذا ظلم للعمل، فهناك بعض المسلسلات تبدو قوية من البداية، لكنى أفضل الانتظار حتى خمس حلقات على الأقل قبل إبداء رأى متوازن، وأحذر هنا من التسرع فى الحكم سواء إيجاباً أو سلباً.
بالنسبة للأجيال الشابة التى لم تعاصر الفترة، والروايات المغلوطة التى تنشرها بعض القنوات المعادية عن فترة الإخوان، تقول «شومان»: الدراما لها دور مهم، لكن لا يجب المبالغة فيه، فلا أعطى مسلسلاً واحداً أكبر من حجمه، فهو يترسخ فى الذهن أكثر من القراءة، لكنه لا يبنى روحاً وطنية بمفرده».
كما ذكرت أن أعمالاً سابقة مثل «رأفت الهجان» كانت مؤثرة جداً لأن الإنتاج الوطنى كان محدوداً آنذاك، أما اليوم فالمعروض كثير. «لكنه يثير علامات استفهام عند من كانوا صغاراً أو لم يولدوا بعد، فيبدأون يسألون ويبحثون، وهذا يساعد فى فهم التاريخ القريب بشكل أعمق من مجرد سماع قصص من الأهل».
أما فكرة محاربة الفكر المتطرف عبر الدراما، فتراها «شومان» جزئية فقط. حيث تقول: لا يمكن اعتبار الدراما سلاحاً قوياً بمفردها، فمحاربة الفكر المتطرف تحتاج جهوداً متكاملة من التعليم والإعلام والمدارس والجامعات والأسرة، وهنا أحذر من تحميل الفن مسئولية المجتمع كله، لأن ذلك يظلمه ويحوله إلى عمل تعليمى بحت، وهذا ليس دوره الأساسي، الفن جزء من المنظومة، يساهم فى بناء الوعي، لكنه لا يحمل العبء وحده.
فى النهاية، تؤكد حنان شومان أن «رأس الأفعى» خطوة جيدة فى توثيق التاريخ المعاصر، يثير النقاش ويشجع على البحث، لكن نجاحه يعتمد على استمرار الدقة والجودة الفنية طوال الحلقات.
من جهته، يؤكد الناقد الفنى أحمد سعد، أن «رأس الأفعى» يعد توثيقاً درامياً صادقاً لمرحلة عاشها المصريون عن قرب، حيث يتطابق مع الوقائع بنسبة تتجاوز الثمانين فى المائة، مع بعض التعديلات الفنية الطبيعية لخدمة السرد، مضيفًا أن «الدراما هنا لا تقتصر على الترفيه، بل تصبح أداة توعية حقيقية، خاصة أن السنوات الفاصلة عن تلك الأحداث ليست طويلة؛ فكثير من المشاهدين شهدوا التفجيرات والعنف بأعينهم، ونزلوا ميادين 30 يونيو، وتعاملوا مباشرة مع مخاطر الجماعة. لكنهم لم يعرفوا التفاصيل الخفية: منْ كان يرسم الخطط؟ كيف تم نسجها؟ وكيف أُفشلت؟»
« سعد»، أوضح أن «المسلسل يساعد على ترسيخ الذاكرة الجماعية ودحض الروايات المشوهة التى تحاول تصوير الجماعة كضحية. المشاهد يبحث عن إجابات واضحة: منْ العدو الحقيقي؟ ما الذى كان يطمع فيه هؤلاء؟ وما حجم الخطر الذى كاد يهدد استقرار البلد؟ هذه الأسئلة تحول الدراما إلى رسالة توعوية عميقة تكشف الوجه الحقيقى للأفكار المتطرفة».
رغم اتهامات بعض القنوات المعادية بـ«تسييس» الدراما المصرية، أشار «سعد» إلى أن الفن مسيس منذ الأزل، لكن المسألة فى الأسلوب: التقديم المباشر يفقد قوته سريعاً، أما غير المباشر فيترسخ فى الوجدان، وهذا بالذات ما يقلق خصوم «القوى الناعمة» التى تشكل الرأى العام بفعالية.
كما لفت إلى أن «مسلسل رأس الأفعى فنياً، يمتلك نقاط قوة واضحة فى كشف طريقة تفكير الأعداء وطبيعة تهديدهم للوطن، غير أنى أنصح بعدم الحكم النهائى بعد حلقات قليلة؛ فأداء الممثلين وتطور الخيوط الدرامية تحتاج متابعة أكبر. التحدى الأساسى أمام صناع العمل هو الالتزام بالحقيقة التى عاشها الجمهور، لأن أى خروج عن الإطار الواقعى يهدر المصداقية فوراً».
فى النهاية، أشار سعد إلى أن أثر مثل هذه الأعمال يمتد إلى الأجيال الصغيرة التى لم تشهد الأحداث. كما وثّقت مسلسلات سابقة حقب الخمسينيات والستينيات -مثل «رأفت الهجان» رغم مرور عقود-، يسجل «رأس الأفعى» مرحلة 2013 فى الذاكرة الوطنية، فيفتخر بها الشباب ويتعلم من تضحيات من سبقوهم، مما يقوى الوعى التاريخى ويحمى الأجيال اللاحقة من محاولات التزييف والتضليل.
وفى ذات السياق أكد الناقد الفنى جمال عبد الناصر، أهمية تحويل الأحداث الوطنية الكبرى إلى دراما، مشدداً على أن هذا النوع من الأعمال ضرورى للأجيال التى لم تعش تلك الفترات. وقال إن «التاريخ دائماً ما يتعرض لروايات متضاربة، بعضها يحرف الحقائق لأسباب سياسية أو مذهبية، ولهذا نحتاج إلى توثيق صادق يعرض الواقع كما حدث دون تحريف. حتى فى التاريخ القديم نجد روايات مختلفة عن شخصيات كبيرة مثل صلاح الدين الأيوبى أو الصحابة، فكل طرف يبرز ما يناسبه، لكن الحقيقة تحتاج منْ يرويها بموضوعية».
«جمال»، أوضح أن «مسلسل رأس الأفعى يعد من الأعمال المهمة التى تناولت فترة حساسة فى تاريخ مصر الحديث، وهى أحداث 2013 وما تبعها من موجة تفجيرات إرهابية، والمسلسل يركز على شخصية محمود عزت، الذى كان العقل المدبر لكثير من العمليات الإرهابية للجماعة المحظورة، كما أن العمل يكشف كيف كان يجنّد أفراداً من جهات مختلفة، يخدعهم بوعود وهمية، ويحركهم لتنفيذ أعمال تخريبية. ويستخدم فلاش باك ذكيا ليربط بين محمود عزت وسيد قطب، الذى يُعد أحد أبرز من أسس فكر التكفير والاغتيالات فى تاريخ الجماعة».
وأبرز الناقد دور المسلسل فى بناء الوعى التاريخي، قائلاً إن «الكثيرين يعرفون اسم محمود عزت كقيادي، لكنهم لا يعرفون التفاصيل الدقيقة لما فعله. فالعمل يظهر ذلك بوضوح، وفى الوقت نفسه يكشف حجم المخاطر التى واجهها رجال الأمن، وكيف أحبطوا عمليات كبيرة قبل وقوعها، رغم أننا لم نكن نعلم بحجمها وقتها. ويذكر حوادث مثل اغتيال النائب العام وغيرها».
كذلك، لفت «جمال» إلى أن التحدى الأكبر فى هذه الأعمال هو تقديم الواقع كما هو، مع إضافة الكواليس الخفية التى لم يعرفها الجمهور سابقاً. لأن «الناس تحب الصدق، والمسلسل ينجح فى ذلك حتى الآن، ويثير نقاشاً واسعاً على السوشيال ميديا بينما الجماعة تحاول التشكيك فى الأحداث لأنها تكشف وجهها الحقيقي، وتبين أن صراعها كان على السلطة وليس دينياً كما يدّعون».
وأعرب «جمال» عن استمتاعه بالكتابة، خاصة مع هانى سرحان الذى استطاع أن ينسج خيوطاً درامية حول وقائع حقيقية، مع صراع يبدأ من الحلقة الأولى ويتطور تدريجياً، إضافة إلى خطوط إنسانية تظهر علاقات الضباط بأسرهم. حيث قال «ده مش سرد تاريخى جاف، ده دراما حقيقية مشوقة تجمع بين التوثيق والمتعة».
«عبد الناصر»، انتقل بعد ذلك للحديث عن دور الدراما فى توعية الأجيال الشابة بالأحداث التاريخية، وقال: «هذا الجيل بصرى أكثر منه قرائي، الصورة والصوت والتمثيل هى اللى بتوصل له. الدراما تخترق عقله أسرع من الكتب أو المقالات، وتبنى فكره الصحيح قبل ما يتأثر بالسوشيال ميديا أو القنوات المعادية».