سيطر الخلاف الفكري والفلسفي بين “أبو حامد الغزالي” وابن رشد على المناخ الثقافي العام، وانحاز فريق إلى آراء الغزالي وانحاز فريق آخر إلى أفكار ابن رشد، الأمر الذي خلق انطباعًا لدى الكثيرين أن كل ما أنتجته الحضارة العربية والإسلامية في المجال الفلسفي لا يخرج عن كتاب الغزالي “تهافت الفلاسفة” – ورد ابن رشد عليه بـ”تهافت التهافت”، خاصة بعد أن قام د. سليمان دنيا بتحقيق الكتابية ونشرها، وصارت قراءتها متاحة لعموم القراء. وفي ذلك الانطباع السائد ظلم وغبن لسائر الفلاسفة الذين عرفهم التراث العربي، ناهيك عن أنه ظلم لكل من الغزالي وابن رشد، فإنتاج كل منهما وسيرته الطويلة تتجاوز الكتابين الذين أثارا الجدل؛ الغزالي كان غزيرًا ومتنوع الإنتاج في مختلف فروع المعرفة من علم الكلام إلى التصوف، يكفيه موسوعته “إحياء علوم الدين”، أما ابن رشد فحدث ولا حرج، فقيهًا وفيلسوفًا، أيقظ شرحه لأعمال أرسطو عن أوروبا وساهم في نقلها من العصور الوسطى المظلمة إلى بواقير عصر النهضة، من خلال ما عرف باسم “الرشدية اللاتينية”.
بعيدًا عن الغزالي وابن رشد، عرفت الحضارة العربية فلاسفة كبارًا، مثل الكندي وابن سينا والفارابي وابن طفيل وغيرهم، امتدت أفكارهم واستفاد بفلسفتهم العقل الإنساني كله، خاصة أن كل منهم لم يقف فقط عند حدود التخصص الضيق، بل كانوا في معرفتهم موسوعيين، في الطب لهم دور كبير، مثل ابن سينا، أما الفارابي فكان ذا علم واسع بالطب والصيدلة والموسيقى، ناهيك عن الفلسفة التي تميز بها، حتى أنه نال لقب "المعلم الثاني"، باعتبار أن "أرسطو الفيلسوف العظيم هو المعلم الأول". وقد اختلف المؤرخون في سر هذا اللقب الذي ناله "المعلم الثاني"، فقيل لأنه أفضل من شرح فلسفة أرسطو وأعاد تقديمها للفكر الإنساني، وقيل بل لعظيم أثره الفكري بإنتاجه الغزير ونشاطه الواسع.
وُلد الفارابي في منطقة فاراب التي تقع حاليًا في تركيا في القرن الثالث الهجري سنة 259 هـ، وفي بعض الروايات سنة 260 هـ، حوالي سنة 870 ميلادية، وكانت التركية لغته الأولى، ثم ارتحل إلى بغداد عاصمة العلم والثقافة فى مختلف جوانبها، بالإضافة إلى أنها عاصمة الدولة العباسية حيث بدأ إنتاجه من الكتب وعرف بإجادته العديد من اللغات، حتى ذهب البعض إلى أنه أجاد سبعين لغة، وهو قول مبالغ فيه، لكنه أجاد إلى جوار التركية الفارسية واليونانية وعددًا آخر من اللغات الشرقية، وهذا ما جعل بعض الباحثين يفسرون شعورهم بصعوبة أسلوبه العربي في بعض المواضع. ثم غادر بغداد إلى حلب والتحق بالدولة الحمدانية، ومنها إلى دمشق، حيث عاش حياة مليئة بالزهد، رغم أنه كان مقيمًا في "البلاط الحمداني" ولم يتزوج، وفي آخر حياته ارتحل إلى مصر قضى بها حوالى عام، ثم عاد إلى دمشق ثانية حيث توفي سنة 339 هـ (950 ميلادية).
وقد اختلف المؤرخون وكتاب السير حول أعداد مؤلفات وأعمال المعلم الثاني، إذ بلغت لدى البعض حوالي (400 عمل ورسالة)، غير أن المتاح لنا ونعرفه حوالي (40) عملًا، ويجب القول إن قسم الدراسات الفلسفية وأساتذة الجامعة المصرية اهتموا كثيرًا بالمعلم الثاني، الشيخ مصطفى عبد الرازق رائد دراسة الفلسفة الإسلامية له كتاب صدر سنة 1945 عن الفارابي، كان في الأصل محاضرات له بالجامعة، يوسف كرم اهتم به أيضًا، وقام بالاشتراك مع اثنين من زملائه بترجمة كتاب الفارابي "آراء أهل المدينة الفاضلة" إلى الفرنسية، عام 1949 ونشر بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، وتوقف عنده في دراسته بالفرنسية د. إبراهيم بيومي مدكور، أما د. عثمان أمين فقد قام بتحقيق كتابه "إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها".
قامت شهرة الفارابي في الفلسفة على أنه قرأ جيدًا وشرح فلسفة أرسطو للقراء بالعربية حتى صارت أفكاره ميسورة الفهم والاستيعاب في الثقافة العربية آنذاك، وإن كان هناك من رأى أن الفارابي خلط بين أفكار أفلاطون وأفكار أرسطو، وحدث لديه تداخل بينهما، وقد انعكس ذلك التداخل على الفلاسفة العرب الذين جاءوا من بعده، ويتوقف أصحاب هذا الرأي عند كتابه "الجمع بين رأيي الحكمين: أفلاطون الإلهي وأرسطو "، ويمكن الرجوع في ذلك إلى دراسة د. عبد الرحمن بدوي المهمة في هذه الجزئية.
ينفرد الفارابي بين أقرانه من الفلاسفة العرب والمسلمين بأنه تقريبًا فيلسوف السياسة، كتب بعمق في الفلسفة السياسية، على غرار ما فعل أفلاطون في محاورة الجمهورية ثم محاورة العدالة التى راجع فيها بعض آرائه فى محاورة الجمهورية وكما فعل أرسطو في كتابه "السياسة". شغل الفارابي بهذا الجانب، فقدم لنا كتابه الأشهر "آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها"، وقد حظي الكتاب باهتمام الدارسين والمحققين العرب في القاهرة، وأعد د. علي عبد الواحد وافى تقديمًا ودراسة موسعة عنه، وتقريبًا في كل عاصمة عربية نجد له تحقيقًا، ومن القاهرة صدرت طبعة جديدة مؤخرًا من تحقيق د. البير نصري نادر عن دار آفاق.
الكتاب يعد استكمالًا لكتاب آخر في نفس الموضوع بعنوان "السياسات المدنية"، مع اختلاف الباحثين في أيهما يسبق الآخر في الكتابة، لذا يمكننا القول بثقة إنه فيلسوف السياسة الأول في الحضارة العربية.
وقد عرفت المكتبة العربية أعمالًا مهمة في طبيعة الحكم والدولة: وظيفة الحاكم ودوره، ما يجب عليه القيام به، ودور الرعية معه، فقهاء كبار ومؤرخون أسهموا في هذا الجانب فيما عرف باسم "كتب ورسائل مرايا الأمراء"، هنا يبرز كتاب أبو الحسن الماوراني "الأحكام السلطانية"، وفي مقدمة ابن خلدون العديد من الفصول تتناول هذه القضايا بتفصيل يدخل تمامًا في مجال الاجتماع السياسي، وهناك رسالة ابن أبي الربيع التي حققها الراحل د. حامد ربيع، وغير ذلك من الكتب والرسائل المهمة، وهناك كذلك رسائل فى آداب التعامل مع الحكام والأمراء، ورسائل أخرى تحذر من الاقتراب من السلاطين، وثالثة على لسان الحيوانات فى هجاء السلطان، كما فعل ابن المقفع، الثقافة العربية مليئة بهكذا أعمال أدبية وفكرية، لكن هذه الأعمال كلها لا تدخل في مجال فلسفة السياسة وضرورة وجود الدولة، وهذا ما يميز جهد الفارابي في كتابيه سالفي الذكر، ويبدو أن جهده فى هذا الجانب لم يحظَ باهتمام كافٍ في زمنه. ابن سينا تعلم من كتب الفارابي، وكذا ابن رشد، لكنه تعلما منه ويدينان له بالفضل في قراءة وفهم أعمال أرسطو طاليس وليس فى المجال السياسي.
في الفكر والأدب الإنساني. صارت "المدينة الفاضلة" أو "يوتوبيا" حلمًا يراود عددًا من الفلاسفة والأدباء المبدعين، مثل توماس مور وغيره؛ وفي الأدب العربي الحديث وجدنا نجيب محفوظ يقدم رواية "رحلة ابن فطومة"، وهي أقرب إلى يوتوبيا الكاتب المصري في العصر الحديث، لم يقدمها محفوظ عملًا فلسفيًا أو سياسيًا خاصًا، وضعها في قالب الرواية.
الأصل في المدينة لدى الفارابي أن الإنسان الفرد لا يمكنه أن يعيش الحياة وحيدًا؛ بمفرده، فهو كما ذهب أرسطو "اجتماعي/مدني بطبعه"، يقول الفارابي في رسالته: ".. كل واحد من الناس مفطور على أنه يحتاج في قوامه وفِي أن يبلغ أفضل كمالاته؛ إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه"، ويخلص إلى القول: "لا يمكن أن يكون الإنسان ينال الكمال الذى لأجله جعلت الفطرة الطبيعية إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين".
أي أن الاجتماع فطرة إنسانية، لنقل ضرورة كي ينال الإنسان الكمال؛ الكمال عنده هو الهدف النهائي للطبيعة وللفطرة الإنسانية. وهذا ما تقوم عليه وتسعى إليه المدينة الفاضلة، ولابد أن تصل إليه وتحققه.
والمدن عنده فئتان: كاملة وغير كاملة، لا يستعمل وصفًا سوى "غير الكاملة"؛ الكاملة هي المعمورة التي تشمل كل الدنيا، ثم تليها المدن الوسطى.. وهذه تتكون من أمة تجتمع في مكان من المعمورة؛ ثم المدينة الصغرى، وهذه تتعلق بالمدن التي تقع داخل كل أمة، مثل القاهرة والإسكندرية وحلب، أما غير ذلك فيقصر على سكان شارع أو حارة بعينها؛ وعنده أن الخير الأفضل والكمال الأقصى أولًا بالمدينة؛ لا باجتماع الذي هو أنقص منها، أي القرية، التى لا تحظى بتقدير كبير لديه.
وسط هذا، فإن المدينة الفاضلة هي التي ينال بها الأفراد "السعادة"، والأمة الفاضلة هي التي يؤدي الاجتماع فيها إلى "نيل السعادة".
الحياة ليست كلها خيرًا وسعادة؛ أي ليست المدينة الفاضلة فقط؛ هناك مضادات للمدينة الفاضلة التي أشار إليها في العنوان واختار لها اسمًا هو "المدينة الجاهلة"، وعلى غرار هذه التسمية يطلق عدة مسميات وعناوين، تتضمن "المدينة الفاسقة"، "المدينة المتبدلة"، و"المدينة الضالة وقرأها بعض المحققين المدينة الضارة".. ويقدم توصيفًا أو تقريبًا لكل مسمى من هذه المسميات.
المدينة الجاهلة تأخذ عدة أشكال؛ يحددها في ستة؛ ويهمنا هنا أن نتوقف أمام الشكل الخامس منها، ويسميه الفارابي "مدينة التغلب". هي المدينة القائمة على القوة وعلى العدوان والقهر، أي التغلب على الآخرين، بكلمات الفارابي: "هي التي قصد أهلها أن يكونوا القاهرين لغيرهم؛ الممتنعين أن يقهرهم غيرهم؛ ويكون كدهم اللذة التي تنالهم من الغلبة فقط".
منذ حوالي 11 قرنًا قدم الفارابي هذا التوصيف الدقيق لما أطلق عليه "مدينة التغلب"، ولما كانت المدينة عنده، وفق المصطلحات الحديثة، "الدولة" أو "دولة المدينة" كما قال أرسطو من قبل، فإن "دولة التغلب" هي الدولة التي تعتز بالقوة فقط؛ ليس المقصود القوة الاقتصادية وغيرها، بل القوة العسكرية أو المسلحة، وتكون متفوقة على الجميع وتقهرهم بقوتها، ولا تقبل أن ينازلها أحد بقوته. ينطبق هذا على "الدولة الاستعمارية" أو "دولة الاحتلال" في القرنين التاسع عشر والعشرين تحديدًا، حيث قامت عدة دول أوروبية بغزو دول في إفريقيا أو آسيا ثم احتلالها، دائما عبر استعمال القوة العسكرية والحربية.
الآن في هذه اللحظة التاريخية تنطبق مقولة الفارابي على دولة إسرائيل التي تقهر الشعب الفلسطيني وتريد أن تتغلب على كل دول المنطقة، تحت زعم إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتنطبق على القوة العظمى الأولى في العالم، التي تطلق تهديداتها في كل ناحية من نواحي المعمورة، كما حدث في فنزويلا بداية هذا العام، وكما هو الحال مع الدنمارك التي وجهت إليها تهديدًا مباشرًا بأخذ جزء منها؛ أي تغلبًا، بكلمات الفارابي.
يستحق أبو نصر الفارابي؛ المعلم الثاني؛ اهتمامًا خاصًا، لقيمته الفلسفية والفكرية؛ فهو جزء من تراثنا الثقافي وتراث الإنسانية كلها، فضلاً عن أن أعماله تتجاوب مع اللحظة التي نعيشها؛ وكأنه كان يستشرف هذا الواقع ويحذر منه.
أتمنى أن يُعاد نشر كل أعماله محققة، وأن ندرسه بعمق؛ ولعل الأجيال الجديدة تدفع إلينا من يواصل هذه المسيرة الثرية والعميقة.