رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«زها حديد وفريدا كاهلو».. تشكيل «البنية» ولغز البقاء فى معجم الدنيا


6-2-2026 | 13:41

.

طباعة
بقلم: د. جيهان زكى

أبدأ مقالي اليوم من المعجم..

معجم اللغة العربية، وقد اخترت المعجم العربي الجامع، لا بوصفه كتاب تعريفات، بل بوصفه مرآة خفية للمعاني.

فبين حروف متجاورة، وكأنها تنتظر من يوقظها، لمحت عيناي كلمة «البنية»، فاخترتها برفق لتكون الكلمة المفتاحية التي تجمع بطلتَي هذا السرد.. فاستيقظت!

وإذا بالتشكيل ينهض كرسام صبور، يمد الكلمة بالنبض واللون، فإذا به يعلق الضمة على الباء، فيميل بها نحو غرب لاتيني بعيد، ويمنح الفتحة على الحرف ذاته، لتنفتح بها على عراق الشرق.

 

«البنية» بضم الباء هى ابنة صغيرة، مصغر الاسم والمعنى، كلمة دافئة حملتها الفنانة التشكيلية «فريدا كاهلو» فى بلدها المكسيك.

أما البنية بكسر الباء فهى كل ما يُشاد ويُقام، ما يقاوم الفراغ، وهى الكلمة التى تناغمت مع مسيرة المعمارية «زها حديد»، حيث لم يصبح البناء حجرًا فحسب، بل فكرة تتجسد، وحلمًا يصر على اقتحام الواقع.

عزيزى القارئ،

فى عالم اعتاد أن يرسم للمرأة حدودها قبل أن ترسم هى ذاتها، خرجت «فريدا كاهلو» عن الإطار، فرسمت وجهها كما أرادته روحها، لا كما أراده الآخرون، وجعلت من جسدها وألمها سيرة مرئية لا تشبه سواها.

وعلى الضفة الأخرى من الإبداع، كانت «زها حديد» تطوع الخطوط المستقيمة، وتعيد تشكيل الفراغ، فبنت عالمًا معماريًا يتقدم على زمنه، ويؤمن بأن الاختلاف ليس خروجًا عن القاعدة، بل ولادة جديدة لها.

تحت عنوان «الاختلاف»، تلتقى بطلتا هذا السرد، «فريدا كاهلو» «زها حديد»، اللتان واجهتا القيود بالفن. إحداهما وُلدت عام 1907 واستقبلت قدرًا متفردًا، فحوّلت اللوحة إلى اعتراف إنساني، والأخرى وُلدت بعد نحو نصف قرن، وتحديدًا عام 1954 فى العراق، وكانت وعاءً لقدَر متفرد، حيث نجحت فى صياغة الخرسانة وتحويلها إلى حلم قابل للسكن.

وهنا يفرض علينا هذا النموذج الأنثوى سؤالًا شبه تلقائي: ماذا إن رفضت المرأة أن تنتهج المسار التقليدى فى هذه الدنيا؟

حديثى هنا ينبع من معرفة وتجربة شخصية، إذ أنتمي، من خلال مسارى الحياتى والمهني، إلى ما يمكن تسميته بـ«مدرسة الاختلاف»، تلك المدرسة التى كان مفتاح الالتحاق بها هو الانضباط، وعتبتها الأولى هى المساءلة الدائمة للذات، مع تحمل مسؤولية الخروج عن المألوف.

ومن هذا المنطلق، أحاول من خلال هذا الطرح الاقتراب من التجارب النسائية التى خرجت إلى الفضاء العام باعتبارها علامات فارقة، لا لأنها كسرت القواعد فحسب، بل لأنها أعادت تعريفها فى عمقها. نساء نجحن فى اقتحام مجالات ظلت طويلًا حكرًا على الرجال، ففتحْن بذلك آفاقًا جديدة لنساء سرن لاحقًا على الدرب ذاته.

كان يا مكان، فى سالف الزمان والأيام والأوان

تحت سماء المكسيك البعيدة، وُلدت فريدا كاهلو فى أسرة بسيطة، لا تملك سوى العمل اليومى وقسوة الواقع، لكنها كانت تحمل فى داخلها بذرة استثنائية، زرعها الله لتشق طريقها خارج المألوف.

وفى الناحية الأخرى من العالم، فى رحاب حضارة بابل وآشور، تألقت زها حديد، التى جعلت من البنية والبناء عملًا إبداعيًا، ومن الذاكرة مادة حية للفن، فحاورت التاريخ وأعادت صياغته بلغة معاصرة.

كلتاهما، زها حديد وفريدا كاهلو، نماذج استثنائية حولت الأمور التقليدية إلى غير تقليدية، والألم إلى لغة إبداع، والاختلاف إلى هوية فنية كاملة، هوية لا تبحث عن الاعتراف بقدر ما تفرض حضورها فى الذاكرة الإنسانية.

دعني، عزيزى القارئ، أذكرك ببعض المحطات الزمنية فى حياة كل من بطلات هذا السرد، ولنبدأ بـ«فريدا كاهلو»، التى وُلدت عام 1907 فى المكسيك، أو كما تُسمى رسميًا «الولايات المتحدة المكسيكية»، وهى جمهورية دستورية فيدرالية تضم 31 ولاية ومقاطعة فدرالية، يحدها من الشمال الولايات المتحدة، ومن الجنوب والغرب المحيط الهادئ، وتعد خامس أكبر بلد فى الأمريكتين من حيث المساحة الكلية، ومن بين أكثر المناطق الحضارية اكتظاظًا بالسكان فى العالم.

عند مولد فريدا كاهلو عام 1907، أى فى بداية القرن العشرين، كانت المكسيك تشهد فترة معقدة سياسيًا واجتماعيًا، اتسمت بالصراعات الداخلية والفروق الاقتصادية الكبيرة بين الناس. وكانت الظروف الاجتماعية متردية، والبنية التحتية مهترئة، والحوادث المرورية مألوفة نتيجة الإهمال الإداري، وقد ظهر ذلك جليًا فى الحادث المأساوى الذى تعرضت له فريدا كاهلو وصديقتها بعد تصادم حافلتهما مع قطار مسرع.

ظلت فريدا تعانى من تداعيات هذا الحادث لأعوام طويلة.

أحببت جدًا لوحاتها؛ كانت وكأنها اعترافات بصرية صريحة: جسد مثقل بالجراح، علاقة معقدة بالزوج الفنان دييجو ريفيرا، وهوية أنثوية غير متعارف عليها. لم تحاول أن تكون جميلة بالمعنى التقليدي، بل كانت جميلة بصدق ملامحها وإنسانية أسلوبها.

وبين عامى 1940 و1980، شهدت البلاد ما أطلق عليه المؤرخون اسم «المعجزة المكسيكية»، حيث ازدهر الاقتصاد رغم استمرار اللامساواة الاجتماعية، التى أطلقت شرارة السخط الشعبي. فى ظل هذه التحولات السياسية، بدأت فريدا رحلتها مع الرسم من سرير المرض، معتبرة الفن وسيلة للبقاء والتعبير عن الذات، وأصبحت أعمالها ليست مجرد مرآة لحياتها الشخصية، بل تعبيرًا عن النضال الشعبى ومشاركة فعالة فى القضايا الاجتماعية والسياسية المكسيكية فى القرن العشرين.

أما زها حديد، فقد وُلدت عام 1954 فى بغداد، وهى السنة نفسها التى غنت فيها السيدة فيروز لبغداد أغنية «دار السلام»، تلك الأغنية الشهيرة التى أصبحت بمثابة نشيد وطنى غير رسمي، يحتفى به أهل بغداد ويتغنون به، وكذلك أهل العراق أجمعين، الذين افتخروا بأن فيروز غنت لهم ولعاصمتهم وتاريخها بكل بهاء وجمال وعنفوان، عند زيارة ملك العراق إلى لبنان.

وفى عام 1954، عام ميلاد زها حديد، شهدت بغداد أخطر فيضان لنهر دجلة، والذى هدد المدينة بالغرق بسبب ارتفاع المناسيب وقلة السدود، غير أن الأزمة مرت بسلام، وظل العراقيون يستمتعون بصوت فيروز العذب يرافق صباحهم، وشيئًا فشيئًا أصبحت فيروز سيدة الصباح فى العراق.

وأود أن أذكر هنا أن زها حديد كانت قد تخطت العشرين ربيعًا عند زيارة فيروز إلى بغداد فى فبراير 1976، حيث شعر العراقيون يومئذ أن صوتها، الذى يفتتح نهاراتهم، صار يطل عليهم مباشرة على مسارح بغداد، كأنه يمنحهم إكسير الأمل مع نسمات الفجر، وخلال أيام عدة لم يكن يُسمع فى مذياع أو بيت أو شارع سوى صوت فيروز.

فى هذه الأجواء كبرت زها، وتشبعت بوهج الفنون تحت سماء الأزمات السياسية والاجتماعية، وفى بداية الثمانينيات انتقلت إلى لندن لتدرس العمارة، فى وقت كان هذا المجال حكرًا شبه كامل على الرجال.

لم يكن الطريق سهلًا، فقد وُصفت تصاميمها الأولى بأنها «غير قابلة للبناء»، واتُهمت بالمبالغة والخيال الزائد، مما أصابها بالإحباط والوجع النفسي.

وفى يوم من الأيام، اتُهمت أنا أيضًا، فى إحدى المنحنيات الحادة فى حياتي، بالمبالغة فى الخيال والمشاعر، فبينما كنت أخوض غمار أحد المحكات الإدارية فى منصب عُرف أنه حكر على الرجل، قوبلت قراراتي، التى حملت فى طياتها إنسانيات واضحة، بالتشكيك فى فعاليتها، واتُّهمت بالمبالغة فى المشاعر.

لذا، وبدون قصد، استطعت أن أستشعر عمق الألم الذى لا بد أن تكون «زها حديد» قد عرفته فى مواجهة ردود أفعال قاتمة وصلبة، وما تولد لديها من طاقة لدرء صدمات القوالب الفكرية المصمتة، ولدحض الأفكار النمطية، وتحويل الألم إلى محرك للإبداع، والتشكيك إلى ثقة.

فها هى «زها» تحوّل الرسم التجريدى إلى مخططات معمارية، وكأنها ترسم لوحات ثلاثية الأبعاد من الخرسانة والحديد والزجاج. بدت مبانيها وكأنها تتحرك، تنساب، وتتحدى الجاذبية.

رغم أن «فريدا كاهلو وزها حديد» تنتميان إلى عالمين مختلفين تمامًا، فإن حياتيهما تقاطعتا فى محاور جوهرية، أبرزها الألم كمحرّك للإبداع، ففريدا حولت معاناتها الجسدية والنفسية إلى لوحات صريحة تعكس صراعها مع الجسد والحب والخذلان والفقدان، فتجلت آلامها فى ألوانها الزاهية ورموزها المشبعة بالرمزية الشعبية المكسيكية.

أما زها حديد، فقد واجهت ألمًا من نوع آخر، ألم التشكيك والإقصاء الجندرى والتمييز المهني، لكنها حولته إلى دافع لتجاوز القواعد المعمارية السائدة، فابتكرت مبانٍ جريئة، حادة، وكأنها تعانق المستقبل قبل أن يولد. وقد تجسد ذلك بوضوح فى مبنى «الماكسي»، المتحف الفنى بروما، الذى عايشته عن قرب خلال رحلتى مع شباب جائزة الدولة للإبداع، حيث شرح المعمارى أحمد عبد الحليم الصعوبات المعمارية التى صنعت عبقرية زها حديد، لاسيما سلاسة الشكل الخارجى وواجهته المعاصرة الأنيقة.

فى حضرة زها حديد، وقفت فخرًا، وقد امتلأ قلبى بمزيج من الإعجاب والانبهار، وكذلك الألم لما تعرضت له من أوجاع خلال تحديات الحياة.

واسترجعت تعليقًا كانت قد أدلت به فى أحد اللقاءات، وقد أكد لى ما سكن قلبى من مشاعر:

«لم تتبلور ماهيتى وتتحدد إلا بعد أربعين عامًا من العمل الشاق. يمكننى القول إن أغلب المصاعب التى واجهتها طوال هذه السنوات لم تكن بسبب عدم قدرتى على العمل أو الإنجاز، بقدر ما كانت بسبب كونى إما امرأة أو عربية، أو ربما الاثنين معًا: امرأة عربية. فالجهل من جهة، والرفض من جهة ثانية، كان لهما تأثير سلبي.

مهما كانت نسبة هذا الرفض، صغيرة أو كبيرة، واضحة أو مبطنة، متعمدة أو غير متعمدة، فقد شكلت بالنسبة لى تحديات كبيرة، لكننى سعيدة لأن النتيجة مهدت الطريق أمام جيل جديد من المعماريات، فى مضمار كان حكرًا على الرجال.»

عزيزى القارئ،

لا أعرف إن كانت الشابات من مواليد الثمانينيات والتسعينيات يعرفن العظيمة زها حديد، أو الفنانة التشكيلية الرائعة فريدا كاهلو، لذلك أتيت اليوم بوجهيهما ومسيرتيهما لأقدمهما كنموذج مضيء للبساطة، والثقة بالنفس، والجرأة، والقدرة على إعادة توجيه الحياة.

ففريدا احتفت بملامحها الطبيعية، من حاجبيها المتصلين إلى ملابسها التقليدية، وكانت لوحاتها بمثابة سيرة ذاتية مصورة، مليئة بالرموز والأساطير، حتى أصبحت أيقونة للهوية المكسيكية الصادقة. ومع ذلك، يظل لغز بقائها حيّة فى معجم الدنيا أحد أبهر ألغاز الشرق والغرب، إذ عبرت الزمان والمكان بوهج ألوانها وبهجتها وتلقائيتها.

أما زها، فرغم عالميتها، حملت روح الشرق فى انسيابية الخطوط والديناميكية المعمارية، لتصنع لغة خاصة تجمع بين الجذور والحداثة، وكأنها تقول للعالم إن الإبداع لا يحتاج إلى إذن، ولا يقتصر على الرجل.

رحلت فريدا كاهلو عام 1954، ورحلت زها حديد عام 2016، لكن إرثهما باقٍ وخالد. كلتاهما حولت الألم إلى قوة، والحدود المفروضة على المرأة إلى أفق مفتوح من الإبداع. جوائزهما وإنجازاتهما لم تكن مجرد تكريم، بل شهادة على القوة النسائية التى لا تنحنى أمام الألم، ولا تتراجع أمام القيود، بل تحوّل كل تجربة إلى فن خالد، وكل تشكك إلى تحقق، وكل تحدٍ إلى إبداع يتجاوز الزمان.

الزمان، وتحدى الزمان، والبقاء فى معجم الدنيا والأيام.

فلتبقَ قصتهما مصدر إلهام لكل امرأة تبحث عن صوتها، ولكل مبدعة تسعى لأن تصنع كلمتها فى معجم الدنيا.

 

 

    كلمات البحث
  • معجم
  • اللغة
  • البنية
  • السرد
  • الحرف