رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

على حافة الموت.. السودان أرض الحكايات المتداخلة


6-2-2026 | 13:36

.

طباعة
بقلـم: أشرف التعلبى

«إنما مصر والشقيق الأخ السودان كانا لخافق النيل صدرا

حفظا عهده القديم وشادا منه صيتاً ورفعا منه ذكرا

فسلوا النيل عن كرائم أوسعنا دراريَّها احتفاظاً وقدرا

كيف يا قومنا نباعد من فكرين شدا وساندا البعض أزرا»

هذه الأبيات أبدعها الشاعر السودانى التجانى يوسف بشير، معبرا عن حبه العميق لمصر، وعن العلاقة التى تجمع بين مصر والسودان بوصفهما شقيقين يتقاسمان التاريخ والمصير، ويربطهما شريان واحد هو نيل الحياة والهوية.

 

 

أما عن الكتاب الذى نتوقف عنده اليوم، فقد صدر حديثا عن مؤسسة أخبار اليوم ضمن سلسلة «كتاب اليوم» وهو كتاب «على هامش الجحيم»، سيرة حرب مشبعة بالتفاصيل الإنسانية وليست تقارير صحفية جامدة، لكنها رحلة اقتربت من الحقيقة خطوة خطوة، حتى حافة الجحيم، اصطحب فيه الكاتب الدكتور أسامة السعيد، رئيس تحرير جريدة «الأخبار»، القارئ معه فى دروب الخطر ليستمع إلى أنين الناجين وصرخات المكلومين، متجاوزا مجرد وصف الحرب إلى فهم الواقع السودانى المعقد.

يقدم الكتاب خمسة فصول متلاحقة من خلال معايشة استقصائية تكشف جذور الصراع وتشابكاته، مأساة النازحين، خيبات السياسة، وملامح المستقبل بين الحسم والتقسيم والفشل والتدخل الخارجى.

شارك الدكتور أسامة السعيد فى أول وفد صحفى يصل إلى بورتسودان منذ اندلاع الحرب، مدفوعا برغبة عميقة فى الاقتراب من الحقيقة بعيدا عن ضجيج المؤثرات والروايات الجاهزة، حيث كان يدرك منذ البداية أن الرحلة استثنائية فى ظروفها ومسارها، وأن لهذه الاستثنائية أثرها الذى سيطبع كل تفصيلة من تفاصيل الطريق، لكنه لم يتخيل أن القدر نفسه سيتدخل أحيانا ليعيد رسم الخطى، وأن الغموض سيغمر تحركاتهم فى معظم الوقت، حتى وقف هناك فى السودان على تلك الحافة الفاصلة بين الموت والحياة.

بدأت الرحلة بظلام دامس فى مطار الوصول، قبل أن تتعقبهم الطائرات المسيرة لحظة خروجهم، فتضرب المطار وكأن الموت يلاحقهم خطوة بخطوة، كما لم يكن الفندق سوى نزل شعبى متواضع، والمياه فيه ممنوعة، تحذير جاءه من موظف السفارة المصرية فى بورتسودان من الكوليرا التى تتسلل كفيروس خفى بين قطرات الماء.

كان اللقاء المرتقب مع رئيس المجلس السيادى السودانى، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، يتأجل مرة بعد أخرى، حتى جاء فى اليوم الأخير من الأسبوع، ورغم الإحباط الأوَّلى بدا التأجيل هدية غير متوقعة، إذ أتاح للدكتور أسامة السعيد أن يرى السودان فى مرآته اليومية، يرى الأرض مليئة بالطلقات، والسماء ملبدة بسحب سواد القنابل، وآذانه تَئِنٌّ لسماع الدقات المتسارعة لقلوب النازحين.

أما المدينة فقد بدت ككائن منقسم على ذاته، فى قلبها سيارات فارهة وفيلات أنيقة تطوقها الحراسات المشددة، وعلى أطرافها شوارع متعرجة وبيوت فقيرة تحكى حكاية الفجوة الشاسعة بين عالمين يعيشان فى المكان نفسه ولا يلتقيان، كأن السودان أرض الحكايات المتباعدة.

وفى مخيمات النازحين التى زارها كانت القسوة تتجاوز كل توقع، وجوه أنهكها الفرار من نيران قوات الدعم السريع، وأصوات تروى كيف أجبر آخرون على الهرب على يد المجرمين، فارتسمت لوحة مأساوية من الألم والنجاة.

وقام الوفد برحلة قصيرة إلى موقع «عروس» -منتج الموساد- ذلك المكان الذى كان يوما معبرا سريا لنقل يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل، شاهدا على صراعات الشرق الأوسط الخفية، أما اليوم فبدا الموقع مهجورا، ولا يتبقى إلا صدى الماضى عالقا فى زواياه المتهدمة.

وقبيل حظر التجوال، عاد الوفد مسرعا إلى بورتسودان، ليكتشف أن الموقع الواقع على أطراف الخرطوم تعرض لقصف مكثف فى التوقيت ذاته الذى كان مقررا لزيارتهم، وبدا الأمر كإشارة واضحة إلا أن تحركاتهم كانت مرصودة من ميليشيا الدعم السريع، وكان البقاء فى بورتسودان قرارا حكيما رغم تعجله بزيارة كل شبر فى أرض السودان، فالموت كان يجرى خلفهم، صامتا، لكنه حاضر فى كل خطوة.

قبل الرصاصة الأولى

وقبل الرصاصة الأولى التى دوت فى سماء السودان يشير الدكتور أسامة السعيد إلى أن اختزال الصراع فى السودان فى كونه مواجهة على السلطة بين جنرالين، كما تروج بعض التقارير الغربية، ليس سوى قراءة سطحية لمشهد بالغ التعقيد، فالحرب الراهنة أبعد من اختزالها فى ثنائية ضيقة، إنها قضية متشابكة من أطراف إقليمية ومحلية، تتداخل فيها المصالح، وتمتد جذورها إلى ما وراء اللحظة الراهنة.

يستعرض الكاتب السودان فى زوايا متعددة، موقعه الجغرافى الذى يضعه على مفترق طرق القارة، وتاريخه السياسى والاقتصادى والأمني، وموارده الطبيعية التى جعلت أرضه قابلة للاشتعال فى كل زمان، ويرى أن السودان كتاب مفتوح من الحكايات المتداخلة، وأن صورته الشائعة بوصفه بلدا مسالما تصطدم بمحطات من العنف الدموى فى تاريخه، حيث تكشف الصفحات القديمة عن صراعات تركت آثارها فى الذاكرة.

وتشير الدراسات، كما يوضح «السعيد»، إلى أن جوهر الأزمة المتجددة يكمن فى العجز عن صياغة عقد اجتماعى وسياسى جامع، يستوعب التنوع ويمنح الجميع شعورا بالانتماء إلى وطن واحد، ومن هذا المنطلق لا يمكن رد الحرب إلى صراع بين شمال وجنوب، أو بين رجلين على قمة السلطة، فمثل هذا التبسيط لا يمكن قبوله مع السودان لأنه يتجاهل التاريخ، وتعقيد التركيبة البشرية، وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية.

وشرارة الحرب الآنية ترجع إلى شهر رمضان من عام 2023، عندما انفجر الصراع بين القوات المسلحة بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتى»، صراع تعود جذوره إلى عقود مضت، منذ اعتمد نظام الرئيس السابق عمر البشير على ميليشيات موازية للجيش لتثبيت أركان حكمه.

ويتوقف الكاتب عند موارد الدعم السريع، لاسيما سيطرتهم على مناجم الذهب التى تحولت إلى شريان قوة ونفوذ، فى ظل دعم مطلق من نظام البشير لحميدتى، وهذا ما يؤكده «السعيد» بعد حواره مع الفريق البرهان عن سياسة التفرقة التى انتهجها البشير بين الجيش والدعم السريع فى التسليح والترقيات، وهى سياسة أسهمت فى نظره، فى إضعاف المؤسسة العسكرية وخلخلة توازنها الداخلى.

إلى جانب ذلك تتكاثر فى المشهد السودانى الحركات المسلحة، كجيوش صغيرة متعددة الانتماءات السياسية والقبلية والعرقية، يقدر عددها بالعشرات، وكانت دارفور الحاضنة الأبرز لظهور كثير من هذه الحركات، بما فيها الدعم السريع، فى إقليم غنى بالموارد، يتقدمها الذهب بوصفه وقودا للصراع، ثم يستعرض الكاتب تاريخ بعض هذه التنظيمات، وفى مقدمتها حركة تحرير السودان، بوصفها جزءا من سردية السلاح والهوية والسلطة.

وليس الصراع محصورا بين الجيش والدعم السريع وحدهما، فهناك مواجهة موازية بين المكون المدنى والمكون العسكرى، ثنائية أفرزت توترا دائما لم تنجح الاتفاقات المتلاحقة بعد سقوط البشير فى تبديده أو تثبيته على أرض الواقع.

مأزق السلاح وأزمة السياسة

ويتحدث الكاتب بدهشة ممزوجة بالأسى عن أن معظم القوى السياسية والعسكرية كانت تدرك أثر العوامل الخارجية فى توجيه مسار الأحداث، وكانت هذه الحقيقة تتردد فى الأحاديث العلنية، غير أن أحدا لم يمتلك القدرة على مواجهتها أو تحييدها، وفى هذا الفراغ استفادت قيادة الدعم السريع من إرث انعدام الثقة بينها وبين القوات المسلحة منذ عهد البشير، واستثمرت التوتر السياسى مع قوى الحرية والتغيير، بما أتاح تقاربا مرحليا بين أطراف متباعدة.

ومع تعقد المشهد ميدانيا وسياسيا برز الخطاب العرقى والتجنيد على أساس الإثنية عنصرا فاعلا فى الحرب، بينما أسهمت جرائم قوات الدعم السريع فى تعميق الاستقطاب وتغذية دوامة الكراهية، كل هذه المؤشرات كانت تؤكد أننا نتجه نحو حرب قادمة لا محالة، حتى قبل أن تطلق الرصاصة الأولى.

ليس من سمع كمن رأى.. فحسبما يروى «السعيد» ويحلل، لم تكن المواجهات عشوائية ولا وليدة الصدفة، بل كانت خيوطها تمتد إلى خطط أوسع من نزاع داخلي، كأن المسرح أكبر من ممثليه، والستار يرفع عن مشهد تتداخل فيه الأيادى العابثة، وفى نقاشه مع قيادات ووزراء سودانيين، ومنهم حاكم دارفور منى أركو مناوى، توقف الكاتب عند مستقبل دارفور وسقوط الفاشر بيد الدعم السريع، وفى تلك اللحظة يدرك القارئ وهو بصحبة الكاتب أن هناك مخطط تقسيم تنسج خيوطه بدعم من قوى إقليمية، فى بلد لا يحتمل مزيدا من الشروخ، وما جرى فى الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، شاهد دامغ على كيف يمكن للانقسام أن يتحول إلى فاجعة جماعية.

ذهب «السعيد» إلى بورتسودان محملا بعشرات الأسئلة، لا بصفته صحفيا متخصصا فحسب، بل كمواطن مصرى يؤرقه ما يحدث فى العمق الجنوبى لبلاده، وكان السؤال الأثقل: لماذا تأخر الحسم العسكرى؟ وعلى رأس من واجههم به كان الفريق عبدالفتاح البرهان.. واستنتج من إجابات المسئولين أن تقديرات الحرب الشاملة لم تكن دقيقة، وأن تمسك الدعم السريع بالتحصن داخل المدن قيد يد الجيش، ومنعه من استخدام ما يُعرف بـ«القوة المميتة»، كما أن القدرات التسليحية للدعم السريع حديثة، وربما تتفوق على ما تمتلكه القوات المسلحة السودانية، فى مفارقة تزيد المشهد تعقيدا.

ويرى «السعيد» أن مصر لم تغلق يوما بابها فى وجه الأشقاء، بل كانت دوما الملاذ الآمن حين تتلبد سماء الجنوب بغيوم الأزمات، مدفوعة بحرص ثابت على استقرار السودان ووحدة مؤسساته وسلامة دولته، وفى الأزمة الراهنة كانت القاهرة الوجهة الأولى لمئات الآلاف من النازحين، يحملون معهم حكايات الموت ونداء النجاة.

المعذبون فى الأرض

الحقيقة التى يشير إليها «السعيد» فى كتابه تبدو فى ظاهرها، بديهية فى زمن الحروب: ثمة رابح وثمة خاسر، غير أن السودان فى هذه المحنة، يكسر القاعدة بقسوة مضاعفة، فالقاتل سودانى، والمقتول سودانى أيضا، والجرح واحد وإن اختلفت الأيدى التى تمسك بالسلاح.

فى هذا المشهد الضبابى عجزت المنظمات الدولية والإقليمية- من الاتحاد الإفريقى إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية- فى التعاطى مع الأزمة بالفاعلية المطلوبة، بل اتسمت ردودها بالبطء والانقسام عن فرض مسار دبلوماسى جاد، أو حتى إيصال ما يكفى من المساعدات الإنسانية إلى من هم فى أمس الحاجة إليها، وهو ما تأكد منه الدكتور أسامة السعيد فى زيارته لأحد مراكز الإيواء فى بورتسودان، عندما استمع إلى حكايات نساء نزحن من ويلات الحرب، من الخرطوم وأم درمان ودارفور والجزيرة وسنار وسنجة.

ولا يقف السرد عند حدود النزوح إذ يتطرق إلى جرائم إبادة جماعية فى مناطق الجنينة بدارفور، حيث قُتل المواطنون بطرق وحشية، وأُحرقت القرى، ودمرت حقول المزارعين ومخازن الغلال، واستخدم مرتزقة من دول عدة لاقتراف جرائم على أرض السودان، كأنه دون أسوار.

ثم يتوقف عند ما جرى فى الفاشر، بين قوات الدعم السريع وأهالى المدينة، من مجزرة قتل فيها المئات وتعرضت عشرات النساء للاغتصاب، ويذكر اسم «أبولولو» الذى ذاع عالميا بوصفه أحد رموز الرعب التابعة لقوات الدعم السريع.

دولة عند مفترق طرق

من خلال معايشة عميقة للملف السودانى، قبل زيارته إلى بورتسودان وبعدها، ومن خلال الاطلاع على طيف واسع من الاجتهادات البحثية والرؤى السياسية، يرسم «السعيد» خريطة للغد تتقاطع عندها معظم التصورات حول مسار السودان ومصيره، تتبلور فى خمسة سيناريوهات كبرى: الحسم العسكرى، والحل السياسى، والتقسيم، والدولة الفاشلة، والتدخل الخارجى.

وفى ظل تعثر الحسم والحوار معا، يلوح فى الأفق سيناريو الدولة الفاشلة، من انتشار السلاح، وتآكل الموارد، وتراجع قدرة الدولة على بسط سلطتها، وتصاعد التطرف والإرهاب... عندها تفقد الحكومة المركزية سيطرتها الفعلية على أراضيها، وتعجز عن أداء وظائفها السيادية، فتدخل البلاد فى دوامة انهيار فى الحكم، تتفجر معها صراعات محلية جديدة، ويتآكل النسيج الاجتماعى.

اليوم يقف السودان عند مفترق طرق، كل طريق فيه يؤدى إلى نهاية مختلفة... ومن هنا تكمن أهمية كتاب «على هامش الجحيم» فهو ليس مجرد سرد للحرب أو جرد للخسائر، بل رحلة استقصائية تجمع بين تدقيق الصحفى وحس الأديب، بين التحليل السياسى والتأمل الإنسانى، بين القرار والمصير.

الدكتور أسامة السعيد بخبرته الممتدة فى ميادين الصحافة والأدب- وله أكثر من 15 كتابا بين السياسة والرواية والقصة- قدم من خلال هذه الصفحات صورة السودان بكل تناقضاته، وهو لا يقدم حلولا جاهزة، لكنه يدعو القارئ إلى الاقتراب من الحقيقة، والانحياز للإنسان حيثما كان.

الاكثر قراءة