شهدت الأسابيع الماضية حالة من الشدّ والجذب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية.. وبدأت عمليات التلاسن بين الدولتين بالتزامن مع خروج أعداد كبيرة من الإيرانيين فى مظاهرات حاشدة ضدّ الأحوال الاقتصادية المتدهورة فى الدولة الإيرانية.. وقالت وسائل الإعلام الأمريكية وبعض مسئولى النظام الأمريكى: إن الأمن الإيرانى قد استخدم العنف ضدّ المتظاهرين السلميين، بل إن الاتهامات الأمريكية وصلت إلى حد اتهام النظام الإيرانى بقتل المتظاهرين المدنيين، وعند هذا الحد خرج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتصريحات قوية ضدّ النظام الإيرانى، مؤكدًا أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تتورع عن استخدام القوة ضدّ النظام الإيرانى الذى يقمع المتظاهرين المدنيين.
تحمل تصريحات ترامب -كالمعتاد فى غالبية تصريحاته- نوعًا من الشيزوفرينيا، حيث قام الأمن الأمريكى بقمع العشرات من المظاهرات السلمية التى انفجرت فى كل المدن الأمريكية ضدّ الإبادة الجماعية.. والتطهير العرقى الذى تم على مدى عامين كاملين فى قطاع غزة على يد القوة العسكرية الغاشمة للكيان المحتل.. ورغم هذا كان الرئيس ترامب ضدّ المتظاهرين، وليس ضدّ العنف الأمنى لفضّ المظاهرات.
وترجع الأزمة فى العلاقات الإيرانية - الأمريكية إلى عام 1979 عندما نجحت الثورة الإيرانية بقيادة الخومينى فى الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوى، أحد أهم حلفاء أمريكا فى منطقة الشرق الأوسط، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث راح أقطاب الثورة الإيرانية ينظرون إلى أمريكا من منطلق أنها (الشيطان الأعظم)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى أزمة حادة وغير مسبوقة.. عندما اقتحم الطلبة الإيرانيون السفارة الأمريكية فى طهران.. واحتجزوا 52 دبلوماسيًا فترة طويلة امتدت إلى 444 يومًا من 4 نوفمبر 1979 إلى 20 يناير 1981، ومنذ ذلك الحين أضحى التوتر سمة غالبة على العلاقات الأمريكية - الإيرانية.. حيث تواصلت العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضدّ إيران مع محاولات جادة لحصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولكن محاولات الحصار باءت طوال الوقت بالفشل.. وذلك لأن إيران محاطة جغرافيا بخمس عشرة دولة.. ما يجعل حصارها أمرًا مستحيلاً.
ورغم العقوبات الأمريكية الكثيرة والتحرش السياسى والعسكرى الذى لم يتوقف طوال السنوات الأمريكية، عملت أمريكا على استخدام إيران مثل (البعبع).. الذى تهدد به دول الجوار لتبتزهم وتأخذ منهم مليارات الدولارات بحجة حمايتهم.. واستثمرت إيران ذلك الوضع بالسعى لتقوية ترسانتها العسكرية.. واستطاعت تحقيق نجاحات كبيرة فى مجال الصواريخ والطيران المسيّر.. وبعد طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023) تم وضع إيران فى بؤرة الاتهامات الصهيوأمريكية بحجة أنها تقدم الدعم العسكرى والمالى لكل أركان محور المقاومة حزب الله فى لبنان – حماس فى فلسطين- الحوثيين فى اليمن، وتمكن الحلف الصهيوأمريكى من توجيه ضربات قاسية جدًا ضدّ كل قيادات المقاومة، وخاصة فى لبنان وفلسطين، بل إن الاستهداف الذى طال حسن نصر الله والسينوار وكل رفاقهما طال أيضا بعض قيادات الحرس الثورى الإيراني.. ولم يقنع الحلف الصهيوأمريكى بتحييد حزب الله بعد اغتيال أغلب قياداته، ولم يقنع أيضا بوضع الحزب فى مواجهة مع النظام اللبنانى لنزع سلاح الحزب، ولم يقنع هذا الحلف بكل هذا الدمار والقتل الذى تم فى قطاع غزة، وراح الأمريكان يصعّدون من عملية استهداف إيران، فقامت بضربة مركزة ضدّ مراكز البرنامج الثورى الإيرانى، وأكد الأمريكان أن الضربة كانت قاتلة.. بينما ذهب الإيرانيون إلى أن تلك الضربة كانت هامشية جدًا.
واستغل الكيان المحتل ذلك العدوان الأمريكى.. ومن المؤكد أنه قد نسق مع الأمريكان.. فقام هو الآخر بعدوان جوى متواصل.. ضدّ الجمهورية الإيرانية.. وقد استمر هذا العدوان لمدة 12 يومًا.. من 13 – 24 يونيو 2025.. وقد كشفت هذه الحرب عن أن إيران تقريبًا لا تملك وسائل فاعلة للدفاع الجوي.. رغم صداقتها للدولة الروسية.. التى تمتلك أقوى أنظمة الدفاع الجوى s300 - s400 كما كشفت تلك الحرب عن شبكات ضخمة للتجسس داخل إيران.. لدرجة اكتشاف عشرة آلاف طائرة مسيّرة فى منزل طبيب يعمل جاسوسًا للكيان المحتل.. وفى المقابل كشفت تلك الحرب.. عن أن أنظمة الدفاع الجوى العملاقة.. التى يمتلكها الكيان المحتل.. قد فشلت فى صدّ الصواريخ الإيرانية.. تلك الصواريخ التى استطاعت توجيه ضربات موجعة ومؤثرة.. إلى كثير من المواقع الاستراتيجية والحيوية داخل الكيان المحتل.. وقد طالت هذه الصواريخ المتطورة الكثير من المواقع العسكرية والمدنية المهمة.. والأهم أن كل سكان الكيان المحتل قد عاشوا طوال مدة هذه الحرب (12يومًا).. فى ملاجئ تحت الأرض خوفًا وهلعًا.. وقد أثبتت تلك الحرب ومن قبلها طوفان الأقصى.. على أن (الكومبوند المزعوم).. الذى صنعه الاستعمار القديم والحديث.. ليهود العالم فى فلسطين.. لا يمتلك أى أدوات للأمن والأمان.. كما كان يزعم قادة هذا الكيان على مدى أكثر من سبعين عامًا.. ولذلك زادت معدلات الهجرة العكسية من الكيان المحتل إلى دول الغرب المختلفة.
وقد انتهت الحرب بين إيران والكيان المحتل بخسائر كبيرة للطرفين، وعدم تحقيق أى طرف من الطرفين لانتصار حاسم على الطرف الآخر.
ولذلك جاءت ذريعة المظاهرات الأخيرة لتكون الحجة أو التكئة التى يستند إليها الملف الصهيوأمريكى.. للتحرش من جديد بالدولة الإيرانية، وقد دفعت الولايات المتحدة الأمريكية بكثير من الحشود العسكرية إلى منطقة الشرق الأوسط.. ويتقدم تلك الحشود حاملة الطائرات العملاقة إبراهام لنكولن.. وردت إيران بأنها ستستخدم كل ما لديها من قوة.. للرد على أى عدوان أمريكى أو صهيونى على أراضيها.. كما أكد قادة النظام الإيرانى بأن كل الأهداف مباحة.. وهم بالطبع يشيرون إلى القواعد الأمريكية الكبيرة والكثيرة.. المنتشرة فى الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج.. واستهداف هذه القواعد سيؤدى إلى خسائر فادحة تُعيد إلى ذاكرة الأمريكان ما حدث لهم فى الصومال ولبنان وفيتنام، وانطلاقًا من كل هذا راحت مراكز البحوث السياسية والعسكرية فى كل العالم تتساءل: هل التوتر الأمريكى - الإيرانى الأخير سيكون نهاية للأزمة بين الطرفين خاصة بعد نجاح الأمريكان وحليفهم الكيان المحتل فى إعطاب أجنحة إيران فى المنطقة؟.. أم أن هذا التحرش الأخير سيكون بداية كارثة جديدة قد تؤدى إلى نشوب حرب عالمية ثالثة؟.. فالأزمة بين إيران وأمريكا مثل كرة الثلج الصغيرة فى الوقت الراهن، وإذا ما تدحرجت تلك الكرة الصغيرة ستتحول إلى جبل عملاق وشاهق يصعب اجتيازه؛ فإذا ما ضربت القواعد الأمريكية.. لن يقبل الشعب الأمريكى بتلك الخسائر الكبيرة.. مما سيدفع الحلف الصهيوأمريكى إلى مضاعفة الضربات ضدّ إيران عددًا وقوة.. وبالطبع سيتدخل حلفاء إيران فى المنطقة.. وقد يصل الأمر إلى حد استفزاز كل من روسيا والصين.. وهما من الحلفاء المقربين للدولة الإيرانية.. بما يعنى أن الأمر سينتهى إلى كارثة.. قد تنهى الحياة البشرية على كوكب الأرض.
ومن الممكن أن يكون كل هذا التحرش الأمريكى ضدّ إيران.. لا يستهدف إلا مزيدا من الضغط على دول الجوار مع الدولة الإيرانية.. لكى يدفعوا المزيد من المليارات للأمريكان.. الذين أغراهم سلطان القوة.. خاصة مع مجيء الرئيس دونالد ترامب.. الذى يتحدث طوال الوقت عن أمريكا القوية.. التى يجب أن تفرض هيمنتها وسيطرتها على الجميع.. للدرجة التى دفعته إلى الذهاب إلى دولة مستقلة (فنزويلا).. والقبض على رئيسها وكأنه (حرامى فى مولد).. ومن المؤكد أن إيران تختلف تمامًا عن فنزويلا.. وذلك لأن إيران تمتلك ترسانة عسكرية قوية تستطيع أن تؤلم كثيرًا مَنْ يعتدى عليها.. ويعلم الأمريكان هذا تمامًا.. ليصبح الخيار الوحيد أمامهم.. التخلى عن أسلوب (البلطجة).. والعودة إلى المؤسسات الدولية.. وقبل ذلك احترام استقلالية الدول الأخرى.