فى زمن تتشابك فيه الأصوات على الساحة الفنية، وتتغير ذائقة الجمهور، تبرز أسماء قليلة ما زالت تقاتل من أجل المحتوى، وتدافع عن قيمة الفن ودوره فى تشكيل الوعى. من بين هذه الأصوات تأتى الكاتبة والناقدة سارة نعمة الله، التى تحمل شغفًا حقيقيًا تجاه الدراما، وإيمانًا راسخًا بقدرتها على تغيير الواقع، ليس فقط من داخل أعمالها، بل أيضًا من موقعها داخل لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام.
فى هذا الحوار، تتحدث سارة بوضوح وصدق عن الحالة الدرامية اليوم: أين أصابت وأين تعثرت؟ كيف غابت عن الشارع المصري؟ ولماذا يحتاجها المجتمع فى معركة مواجهة التطرف وبناء الوعي؟ كما تفتح قلبها للكتاب الشباب، وترسم ملامح الدراما التى تحلم بعودتها.. تلك الدراما التى تُشبه الناس وتدافع عنهم وتُعيد إليهم صورتهم الحقيقية.
فى ضوء تحفظات الرئيس السيسى حول محاربة الفكر بالفكر.. كيف ترين دور الدراما فى هذه المواجهة؟
الرئيس تحدث أكثر من مرة عن أهمية مواجهة التطرف عبر الفكر المستنير، والدراما جزء أساسى من هذه المعركة، نحن بحاجة إلى استعادة الروح التى ميّزت دراما التسعينيات، تلك الروح التى كانت تعبر عن الهوية المصرية بشكل صادق وتقدم المجتمع الحقيقى دون مبالغة أو انعزال عن الناس، المحتوى الدرامى اليوم يحتاج إلى الكثير من التنقيح، وهناك جهود كبيرة تُبذل داخل لجنة الدراما لتصحيح المسار وإعادة الاعتبار للدراما التى تبنى الوعي.
ما الرسالة التى ترغبين فى توجيهها للكتاب الشباب؟
أود أن أقول لهم إن الاهتمام بالشرائح العمرية ضرورة وليس رفاهية، وأى عمل درامى ناجح يبدأ من فهم جمهوره، وقد رأينا كيف نجحت أعمال مثل «حسبة عمري»، لأنها توجهت لفئة ما فوق الخمسين، بينما جذب «عايشة الدور» المراهقين لأنه تحدث عن عالمهم، وتنويع الجمهور أمر مهم للغاية، وعلى الكتاب أن يخرجوا من دائرة موضوعات محدودة ويقدموا ما يلامس شرائح مختلفة من المجتمع.
شهدت السنوات الماضية عزوفًا من الجمهور عن الدراما.. ما تفسيرك لذلك؟
السبب الرئيسى هو أن بعض الأعمال ابتعدت تمامًا عن الواقع، واهتمت بعوالم لا تمثل أغلبية الناس، مثل التركيز على حياة الكمباوندات وأنماط معيشية لا تعبر عن المجتمع المصرى الحقيقي، وهذا خلق فجوة بين الجمهور والدراما، أما المراهقون فقد وجدوا أنفسهم فى الدراما الأجنبية والكورية لأنها قدمت لهم قضايا قريبة منهم وبأسلوب جذاب، بينما افتقدوا ذلك فى الدراما المحلية.
تحدثتِ سابقًا عن أهمية الأعمال القادمة من الأقاليم.. لماذا ترين ذلك ضروريًا؟
لأن الأقاليم مليئة بالحكايات والشخصيات الواقعية التى تستحق الظهور، نجاح مسلسل «تحت الوصاية» خير مثال على قوة القصص المرتبطة بالناس فعلًا، الفئات المهمشة تحتاج لمن يمثلها ويعبر عن مشكلاتها وتفاصيل حياتها، وهذا دور الدراما الحقيقى الذى يجب ألا نتخلى عنه.
كيف تقيمين وضع الدراما الكوميدية فى الوقت الحالى؟
للأسف هناك مشكلة كبيرة فى الكوميديا المصرية اليوم، وكثير من الأعمال تعتمد على الإفيهات والفانتازيا المصطنعة بدلًا من الكوميديا الإنسانية التى تأتى من المواقف الطبيعية، بل وأشعر أن هناك استخفافًا بالمشاهد، والكوميديا فقدت قوتها لأن كتابتها أصبحت ضعيفة وغير واقعية، ونحن بحاجة إلى وقفة حقيقية لإعادة بناء هذا النوع المهم من الدراما.
فى ظل صعود منصات المشاهدة الرقمية.. كيف يجب أن تتعامل الدراما مع هذا التحول؟
التحول الرقمى خلق واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله، لكن التعامل معه يبدأ بالمحتوى، والمنصات تخاطب الشباب والمراهقين بالأساس، بينما يظل التليفزيون الوسيلة الأقرب لربات البيوت وكبار السن، ولهذا يجب أن تتسم أعمال المنصات بإيقاع سريع وحلقات قصيرة وموضوعات مكثفة، بل وصارت الحواديت القصيرة عنصرًا مهمًا لأنها تتيح للمشاهد متابعة أكثر من قصة فى اليوم، وفكرة المسلسل المكوّن من خمسة عشر حلقة فكرة مناسبة للمرحلة الحالية بشرط أن يكون المؤلف قادرًا على الإمساك بالحبكة دون ترهل.
ما نوعية الأعمال التى تتمنين رؤيتها فى السنوات المقبلة؟
أتمنى بشدة أن نرى مسلسلات موجهة للأطفال، هذه الفئة هى الأهم لأنها مستقبل هذا المجتمع، والأخطار التى تحيط بها اليوم تجعل من الضرورى تقديم محتوى تربوى وإنسانى يواكب العصر ويحمى القيم، ومسلسل «لام شمسية» مثال على عمل تناول موضوع حساس بوعى كبير، وأتمنى أن تكون هناك مبادرات أكثر فى هذا الاتجاه.
هل ما زال نموذج البطل الشعبى مناسبًا للدراما فى عصرنا؟
أرى أن هذا النموذج استُهلك بشكل كبير، وليس من المعقول أن يظل البطل فى الدراما هو «الفتوة» أو الشخص الذى ينتقم بعنف ويأخذ حقه بيده، لماذا لا يكون البطل طبيبًا أو رياضيًا أو شابًا مكافحًا خرج من منطقة شعبية، ولأننا فى دولة قانون، فيجب على الدراما أن تعكس هذا، وتقديم العنف ليس إبداعًا، وتكريس فكرة القوة المفرطة يؤخرنا كثيرًا.
إذن لماذا تحقق الدراما التى تحتوى على العنف نسب مشاهدة مرتفعة؟
لأنها تلفت الانتباه بسرعة، وهى تعتمد على الإثارة المباشرة التى تجذب المشاهدين، ولكن هذا ليس دليلًا على الجودة، والجمهور يتابع أحيانًا من باب الفضول، وليس لأن العمل يقدّم قيمة أو رؤية، وهناك آلاف القصص العميقة والمُلهمة التى يمكن تقديمها دون الاعتماد على الدم والعنف.
ما الذى يميز دراما التسعينيات وتعتقدين أنه يجب استعادته؟
أهم ما ميز دراما التسعينيات هو حضور الهوية المصرية بكل تفاصيلها، والعلاقات بين الجيران، الترابط الاجتماعي، الشخصيات المكتوبة بصدق، وتواجد مجموعة كبيرة من النجوم فى عمل واحد، كل هذه العناصر منحت الدراما وقتها ثراءً كبيرًا، وصحيح أن الجمهور اليوم لم يعد يتحمل مشاهدة 45 حلقة كما كان فى السابق، لكن الروح نفسها يمكن إحياؤها بإيقاع يناسب العصر.
وجهتم كثيرا فى لجنة الدراما بمواجهة التطرف والتعصب عن طريق الفن.. من وجهة نظرك كيف يستطيع الفن مواجهة التطرف؟
الفن قادر على ذلك بقوة، حين يقدم العمل الدرامى فكرًا مستنيرًا ونماذج إيجابية، فهو يواجه التطرف من جذوره، والرئيس لم يطلب مواجهة الفكر إلا بالفكر، وهذا ما يجب أن تقوم به الدراما، فالتطرف موجود فى كل مكان، والفن الواعى هو خط الدفاع الأول ضدّه.