فى كتاب «السيستم وقع» الصادر حديثا عن دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، لا يكتفى المؤلفان «إيمان على» و«هيثم طارق» بنعى الأنظمة الدولية المتهاوية، بل يأخذنا كتابهما فى رحلة تشريحية قاسية إلى ما هو أبعد وأخطر: إلى «السيستم الداخلى» لأرواحنا الذى يبدو أنه قد «وقع» هو الآخر تحت وطأة ضجيج الإشعارات (Notifications) وسطوة الخوارزميات.
إن المأساة الحقيقية التى يطرحها الكتاب ليست فى سقوط الدول، بل فى «جنازة المعنى»؛ تلك اللحظة الفارقة التى يتحول فيها الإنسان من «كائن يبحث عن الحقيقة» إلى مجرد «نقطة بيانات» (Data Point) تسبح فى عدمية رقمية، وحيث يتم «اغتيال الواقع» لصالح «الوهم المريح».
فى الدوائر الحكومية اعتدنا سماع عبارة «السيستم وقع» كإعلان عن عطل تقنى مؤقت يوقف مصالحنا لبعض الوقت، لكن فى كتابهما الجديد والمثير للجدل «السيستم وقع: حيث القاتل كود، والمقتول دولة، ومسرح الجريمة هو كل شيء»، يأخذنا المؤلفان فى رحلة فكرية مرعبة لنكتشف أن هذه العبارة لم تعد مجرد تبرير لكسل وظيفى، بل هى التوصيف الأدق للحظة الحضارية الراهنة، إنها لحظة انهيار «نظام التشغيل» الذى أدار العالم لقرون - نظام الدولة الوطنية - لصالح نظام جديد غامض تديره خوارزميات لا ترحم. ينطلق الكتاب من أطروحة جريئة مفادها أن «السيستم» القديم، الذى أرسته معاهدة «وستفاليا» عام 1648 والذى منح الدولة احتكار القوة والسيادة، قد تهشم بالفعل، نحن لا نعيش مجرد تطور تقنى، بل «تحول أنطولوجى» فى طبيعة القوة، فالدولة التى كانت اللاعب الوحيد على رقعة الشطرنج، باتت اليوم تقف عاجزة أمام «آلهة السيليكون» الجدد (جوجل، أمازون، ميتا)؛ كيانات لا تملك جيوشاً نظامية، لكنها تملك ما هو أخطر: «البيانات».
كما يستعرض الكتاب ببراعة أمثلة حية، من «جيوش الذباب الإلكترونى» إلى «المرتزقة الرقميين» (مثل شركات التجسس التى تبيع اختراقات «صفرية النقرة»)، ليؤكد أننا نعيش عصر «دمقرطة الدمار»، حيث يمكن لمراهق فى غرفة مظلمة أن يشل البنية التحتية لدولة كاملة، وحيث تُغتال الحقيقة بـ «التزييف العميق» (Deepfake). وينتقل الكتاب من الجيوسياسى إلى الإنسانى، وهنا يكمن وجعه الحقيقى، يصف المؤلفان الإنسان المعاصر بـ«المواطن الزجاجى» الذى يعيش عارياً فى «بانوبتيكون» رقمى (سجن مفتوح). تحت وطأة ما تسميه «رأسمالية المراقبة»، تحولنا جميعاً من «مواطنين» إلى مجرد «فائض سلوكى»؛ بيانات خام تُستخرج وتُباع فى أسواق المراهنات المستقبلية.
فى فصل صادم بعنوان «المزرعة البشرية»، تكشف الكاتبة كيف تتم هندسة سلوكنا عبر «إشباع الدوبامين» المتقطع، وكيف سُرقت منا «القدرة على الاختباء»، لنصبح كائنات مكشوفة، يتم التنبؤ بأفعالنا قبل أن نقوم بها، وتوجيه رغباتنا لخدمة أرباح الشركات.
الكتاب لا يغلق باب الأمل فالخاتمة تطرح مفهوم «الأنسنة الرقمية» و«الزهد الرقمى» (Digital Asceticism)، ليس بمعنى اعتزال التكنولوجيا، بل بمعنى استعادة السيادة على الذات، تدعو المؤلفة لبناء «سيستم داخلى» مضاد؛ حصن من الوعى والترابط الإنسانى الحقيقى الذى لا يمكن للخوارزميات اختراقه.