رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

محراب العلم لخدمة الأرض


6-2-2026 | 13:35

.

طباعة
بقلـم: د. محمود علوان

تحويل التعليم من مجرد نصوص صماء وحفظ معلومات إلى ممارسة حية تعكس فلسفة «الفتح البيئي»، وتجعل من المدرسة والجامعة محراباً للعلم النافع، وهذا التعليم الموحد الرؤية هو أساس بناء جيل موحد الهدف:

 

1. التعليم ما قبل الجامعي (غرس الفسيلة):

• منهج «التربية الذوقية والبيئية»: إدراج مادة تجمع بين الفن (تجميل البيئة بالمهارات اليدوية)، والعلوم (الزراعة المائية، طرق التدوير)، والتربية الأخلاقية والدينية، ليرى الطالب الجمال في النظام والنقاء، وليربط علمه بإيمانه.

• المدرسة المنتجة الخضراء: تحويل فناء وأسطح المدارس إلى مختبرات زراعية صغيرة، حيث يزرع الطلاب ما يأكلونه، ويتعلمون أن «العمل عبادة» وأن الأرض تجود لمنْ يكرمها ويُحسن إليها.

2. التعليم الجامعي (الاحترافية الأخلاقية):

• مقرر «أخلاقيات الهندسة والتكنولوجيا»: مادة إجبارية في الكليات العملية تناقش كيف يكون الذكاء الاصطناعي «أخضر»، وكيف نصمم تكنولوجيا تحافظ على البيئة ولا تدمر الروابط الاجتماعية، وكيف تكون الهندسة في خدمة الإنسان والطبيعة.

• مختبرات الابتكار المجتمعى: توجيه مشاريع التخرج لحل مشاكل بيئية واقعية في القرى الأكثر احتياجاً، ومنح جوائز تحت مسمى «جائزة ابن علوان للابتكار التنموي».

• كليات الدراسات الإسلامية والعربية: إدخال «فقه الاستدامة» أو «فقه العمران البيئي» كفرع جديد يبحث في تأصيل قضايا المناخ والبصمة الكربونية وترشيد الاستهلاك من منظور مقاصد الشريعة الخمسة (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال/الموارد).

---

الاقتصاد الأخضر: مقام الإحسان والأوقاف المتجددة

استقر بحول الله نهجنا، كما نادى الإمام ابن علوان بالعدالة والإنصاف وخدمة الخلق، واليوم تأتي التنمية المستدامة لتعيد الاعتبار للأرض والإنسان معاً، في اقتصادٍ يجمع بين الربح المشروع والأجر الأخروي، وهذا الاقتصاد الأخلاقي هو قاعدة مادية للوحدة، يربط المصالح ويحقق العدالة:

• الأوقاف البيئية: إحياء سُنّة الوقف الخيري لتشمل «الوقف الأخضر»؛ تمويل محطات التحلية بالطاقة الشمسية أو الضوئية، أو إنشاء الغابات الشجرية، أو تركيب ألواح شمسية أو ضوئية على مساجد ومستشفيات، كصدقة جارية تنفع الناس والحيوان والشجر. وهذه الأوقاف تمثل وحدة الزمان، فهي تربط حاضر الأمة بمستقبلها، وجيلها الحالي بأجيالها القادمة.

• فرص عمل خضراء: تحويل القرى المصرية إلى قرى خضراء منتجة يولّد آلاف الوظائف الجديدة للشباب في مجالات تدوير المخلفات، تركيب وصيانة الطاقات النظيفة، الزراعة العضوية الذكية، مما يحقق الكفاية المادية والراحة الروحية.

• تمويل إبداعي: طرح «صكوك خضراء» (Green Sukuk) تتوافق مع أحكام الشريعة، تجمع بين العائد المادي المشروع وبين الأجر الأخروي في إعمار الأرض، وتوجه الأموال لمشاريع الطاقة المتجددة وإدارة المياه النظيفة.

---

حوكمة الفتح: بين ميزان الأرض وميزان القلب

لكي لا تبقى هذه الدعوة حماسة عابرة أو شعارات بلا تطبيق، نحتاج إلى هندسة مؤسسية تعكس تكامل وتوازن رؤيتنا، التي تجمع بين المادة والروح، بين الكم والكيف:

• مجالس خبراء الأرض: تشكيل مجالس على مستوى المحافظات تجمع على سبيل المثال بين العقول الهندسية (المهندس)، وحكمة الشيوخ (عالم الدين المستنير)، وخبرة المزارعين (أهل الأرض)، وشغف الشباب (الناشط والمبتكر) وغيرهم من المختصين كلا بمجاله. مهمتها المراقبة بميزانين: ميزان تقني يقيس نسبة تحسن جودة الهواء والمياه، وميزان قلبي يجمع قصص التغيير في سلوك الناس ونمط عيشهم. هذه المجالس المختلطة هي تجسيد للوحدة في التخطيط والعمل بين مختلف فئات المجتمع وتخصصاته.

• التقرير السنوي للفتوح البيئي: أن تقدم كل محافظة تقريراً بعنوان «كيف أزهرت أرضنا ورقَّت قلوبنا؟» يجمع بين المؤشرات الكمية (عدد الأشجار، نسبة التدوير، انخفاض الاستهلاك) وقصص التأثير الإنساني (قصة أسرة تحسنت صحتها، قصة شاب وجد عملاً، قصة قرية أصبحت أنظف).

• المحاسبة بالرحمة: أن تكون آليات المتابعة والتقييم قائمة على التوجيه والتعاون والمساعدة قبل المحاسبة والجزاء، انطلاقاً من أن «الخلق عيال الله»، وأننا جميعاً في مرحلة تعلم وارتقاء. وهذه الرحمة في المحاسبة تضمن استمرار الوحدة حتى في لحظات التقصير، فلا تنقلب إلى صراع أو إقصاء.

---

وعورة الطريق وحلاوة الفتح: مواجهة عقبات الوحدة

نعترف بأن الطريق وعر، لكن وعورته جزء من جماله واختباره. نحن ندرك أن «مافيا المخلفات» وثقافة الاستهلاك الشره التي تغذيها الإعلانات والسوشيال ميديا، والبيروقراطية أحياناً، ليست شياطين خيال، بل تحديات حقيقية. والتصوف الحق، كما فهمناه من منهج ابن علوان، هو مواجهة الواقع ببصيرة وإصرار، لا الهروب منه بخرافة أو استسلام:

• تحدي التكلفة والعادة: مقاومة التغيير وارتفاع التكلفة الأولية للتكنولوجيا النظيفة.

الحل: تحفيزات ضريبية مباشرة، وتمويل مجتمعي (تمويل تشاركي)، وتدريج التطبيق، وجعل «التحول الأخضر» رخيصاً ومتاحاً للجميع عبر الدعم والقسط. وهذا الحل التشاركي يعمق الوحدة.

• تحدي الوعي والتراث: العادات الاستهلاكية الراسخة والاعتقاد بأن الوفرة هي الإسراف.

الحل: البرامج التربوية المتدرجة والإعلام الهادف الذي يربط القيم بالواقع الملموس، ويُظهر أن «الترفيه» الحقيقي والسعادة في البساطة والنقاء لا في التبذير والتراكم.

• تحويل التحدي إلى فرصة: كل عائق هو دافع للابتكار. مقاومة المياه المالحة تدفع لابتكار تحلية رخيصة بالطاقة الشمسية أو الضوئية، ومشكلة المخلفات البلاستيكية تخلق صناعة تدوير كاملة توفر آلاف الوظائف الخضراء. وهذه الفرص المشتركة تصهر الجميع في بوتقة العمل والإنجاز.

    كلمات البحث
  • التعليم
  • نصوص
  • فلسفة
  • الفتح
  • البيئي