رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الدراما المصرية.. رحلة «استعادة الريادة»


6-2-2026 | 13:34

.

طباعة
تحقيق: سما الشافعى

لم تكن الدراما المصرية فى أى مرحلة من تاريخها مجرد صناعة فنية مرتبطة بالمواسم أو نسب المشاهدة فقط، بل كانت إحدى أهم أذرع التأثير الثقافى المصرى فى محيطه العربى، ووسيلة لصياغة الوعى الجمعى وتشكيل الذائقة العامة عبر أجيال متعاقبة، فمنذ ستينيات القرن الماضى احتل المسلسل المصرى موقع الصدارة داخل البيوت العربية، وصار جزءًا من الحياة اليومية للمشاهد العربى الذى وجد فى حكاياته مرآة قريبة لواقعه وهمومه وأحلامه.

 

وتزداد هذه المكانة ازدهارًا بعدما أشرفت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على المحتوى الدرامى خلال السنوات الأخيرة، لتطلق للمرة الأولى حفلاً بعنوان «رمضان بريمير»؛ احتفالاً بموسم دراما رمضان المقبل.

اتفق عدد كبير من النقاد والمؤرخين الفنيين أن العصر الذهبى للدراما المصرية لم يكن مرتبطًا فقط بأسماء بعينها، بل كان نتاج منظومة متكاملة احترمت دور الكاتب وقدّست قيمة النص، وراعت التوازن بين الترفيه والفكرة، فالناقد طارق الشناوى يؤكد أن الدراما فى تلك المرحلة كانت تنطلق من سؤال المجتمع قبل سؤال السوق، وأن الكاتب كان صاحب الصوت الأعلى داخل العمل بينما جاء المخرج والممثل فى خدمة الرؤية العامة، مشيرا إلى أنه مع التحولات الاقتصادية والإعلامية دخلت الدراما المصرية مرحلة مختلفة غلبت عليها الحسابات التجارية، وأصبح السباق مع الموسم الرمضانى عاملاً ضاغطًا أدى إلى تراجع زمن تطوير النصوص وتكرار القوالب الدرامية، وهو ما انعكس على مستوى الأعمال وخلق فجوة بين ما يُقدم وما ينتظره الجمهور.

أزمة سيناريو

معظم الأصوات داخل الوسط الفنى، تتفق على أن أزمة الدراما المصرية فى جوهرها أزمة كتابة، فالسيناريست عبدالرحيم كمال، أوضح أن «أى صناعة درامية لا يمكن أن تنهض دون نصّ قوى، وأن تهميش الكاتب لصالح النجم أو المنتج أضعف البنية الدرامية لعدد كبير من الأعمال»، مؤكدا أن احترام الكاتب ومنحه الوقت والمساحة الكافية للتفكير هو الخطوة الأولى فى طريق استعادة الريادة.

بينما ذهبت الكاتبة مريم نعوم، للإشارة إلى أن «المشكلة لا تتعلق بندرة الموهبة بل بغياب منظومة تطوير حقيقية تسمح للأفكار بأن تنضج وتتحول إلى نصوص قادرة على التعبير عن المجتمع بعمق وصدق»، موضحة أن «التجارب التى نجحت مؤخرا اعتمدت على هذا المبدأ؛ فحققت حضورا لافتا».

فى المقابل، بدأ عدد من النجوم خلال السنوات الأخيرة فى مراجعة علاقاتهم بالدراما الرمضانية، فالفنان يحيى الفخرانى، أحد الذين يؤمنون أن العمل الجيد لا يُقاس بعدد الحلقات أو حجم الظهور، بل بمدى صدقه وتأثيره، مؤكدا أن الجمهور لم يعد من السهل خداعه، وأنه بات يبحث عن حكاية تمسّ واقعه وحياته، وتعيش معه بعد انتهاء العرض.

أما الفنانة يسرا، فتؤكد أن النجومية الحقيقية اليوم هى فى اختيار الدور المختلف الذى يضيف للفنان قبل أن يضيف لرصيده التجارى، منوهة بأن الدراما المصرية قادرة دائمًا على استعادة مكانتها الريادية، وأن هذه الريادة لم تكن يومًا مرتبطة بزمن بعينه، بل بجودة ما يُقدَّم، وكذلك احترام عقل المشاهد، مشيرة إلى أن المشكلة لم تكن فى غياب الموهبة، وإنما فى اختيارات لم تكن موفّقة فى بعض الفترات، وهو ما بدأت الصناعة فى مراجعته مؤخرًا، موضحة أن المسلسل المصرى، حين يصدق فى التعبير عن المجتمع، يعود تلقائيًا إلى الصدارة.

وعى المشاهد

وأكدت « يسرا» أن الجمهور العربى ما زال ينظر إلى الدراما المصرية باعتبارها الأقرب إليه والأكثر تعبيرًا عن واقعه اليومى، مشددة على أن الريادة لا تُستعاد بالشعارات، بل بأعمال تحمل روحًا حقيقية وقضايا تمسّ الناس بعمق، كما لفتت أن المرحلة الحالية تشهد وعيًا مختلفًا لدى صُناع الدراما، خاصة فيما يتعلق بأهمية النص والموضوع، موضحة أن النجومية لم تعد وحدها كافية لنجاح العمل، وأن الجمهور أصبح أكثر قدرة على التمييز بين العمل الصادق والعمل المصنوع على عجل.

وأضافت «يسرا» أن اختيارها لأعمالها فى السنوات الأخيرة أصبح أكثر ارتباطًا بجودة المشروع ككل وليس بحجم الدور فقط، مؤكدة أن الفنان مسئول عن تقديم صورة تحترم تاريخه وتحترم المشاهد فى الوقت نفسه، ومشيرة إلى أنها تؤمن بأن عودة الدراما المصرية للريادة تمر عبر الجرأة فى الطرح والابتعاد عن التكرار والاستسهال.

وقالت: المنصات الرقمية فتحت آفاقًا جديدة أمام الدراما المصرية، لكنها فى الوقت نفسه رفعت سقف التحدى، حيث باتت المقارنة مع تجارب عالمية أمرًا واقعًا، وهذا التحدى يجب أن يكون دافعًا لتقديم أعمال أكثر نضجًا، تحافظ على الهوية المصرية وتقدمها بشكل معاصر، وأن الدراما المصرية تمتلك كل مقومات العودة، من كتّاب ومخرجين وممثلين قادرين على الإبداع، لكنها تحتاج إلى استمرار الدعم الحقيقى للجودة، وعدم التراجع أمام الضغوط التجارية، لأن الفن، على حد تعبيرها، لا يعيش إلا بالصدق.

بينما أوضح الفنان حسين فهمى، أن الدراما المصرية لم تفقد ريادتها بقدر ما ابتعدت عنها مؤقتًا، مؤكدًا أن الريادة لا تسقط مرة واحدة، لكنها قد تُهمَل عندما يغيب الوعى بأهمية ما يُقدَّم، مشيرا إلى أن الدراما المصرية تمتلك تاريخًا طويلاً من التأثير لا يمكن محوه، لكن الحفاظ عليه يحتاج إلى مراجعة دائمة لما يُعرض على الشاشة. «فهمي»، لفت إلى أن «واحدة من أكبر أزمات الدراما فى السنوات الماضية تمثلت فى الرهان على النجومية وحدها، دون الاهتمام الكافى بالمحتوى»، موضحًا أن الجمهور لم يعد ينجذب إلى الاسم فقط، بل أصبح يبحث عن عمل يحترم عقله ويقدم له حكاية متماسكة وشخصيات حقيقية.

وأضاف «فهمى»، أن «الريادة لا تعنى كثرة الإنتاج، بل تعنى جودة ما يُنتَج، مشددًا على أن المسلسل المصرى فى فترات ازدهاره كان يُشاهَد ويُناقَش لسنوات طويلة، لأنه كان يحمل فكرًا وقيمة، لا مجرد أحداث متلاحقة، وأن العودة إلى هذا المفهوم هى الطريق الحقيقى لاستعادة المكانة العربية للدراما المصرية، كما أن الفنان شريك أساسى فى تشكيل الوعى، واختياراته الفنية لا يجب أن تخضع فقط لحسابات السوق، لأن الفن فى جوهره رسالة ومسئولية اجتماعية، وعندما يشارك الفنان فى عمل درامى يجب أن يسأل نفسه أولًا ماذا سيضيف هذا العمل إلى المجتمع وإلى تاريخه الفنى». وأشار «فهمى»، إلى أن «المنصات الرقمية فرضت واقعًا جديدًا على صناعة الدراما؛ إذ كشفت للمشاهد المصرى والعربى عن أعمال عالمية ذات مستوى عالٍ، وهو ما يجعل المنافسة اليوم أكثر صعوبة، لكنه فى الوقت نفسه يفتح الباب أمام تطوير الشكل والمضمون إذا أُحسن استغلال هذه الفرصة، والدراما المصرية قادرة على استعادة ريادتها متى عاد الاحترام إلى عناصر الصناعة الأساسية، وعلى رأسها الكاتب والنص، ومتى توافرت الشجاعة لتقديم أعمال مختلفة لا تراهن على الاستسهال، بل على القيمة والصدق».

رؤية الإخراج

أما عن رؤية المخرجين والمنتجين فى عودة ريادة الدراما المصرية، قال المخرج تامر محسن: إن عودة الدراما المصرية للريادة تمر عبر احترام عقل المشاهد وعدم التعامل معه باعتباره متلقيًا سلبيًا، مبينًا أن «الحرية الإبداعية لا تتعارض مع المسئولية الاجتماعية بل تكملها إذا وجدت رؤية واضحة».

بينما أشار المخرج محمد ياسين، إلى أن «الدعم المؤسسى للدراما خطوة إيجابية إذا أُحسن توظيفها، والمطلوب هو توفير بيئة إنتاجية تسمح بالتجريب وتقديم أعمال مختلفة دون فرض وصاية على المحتوى»، مؤكدًا _ في الوقت ذاته - أنه مع صعود المنصات الرقمية دخلت الدراما المصرية مرحلة جديدة من التنافس.

في حين أوضحت المنتجة ماريان خورى، أن «المنصات الرقمية فرضت معايير أعلى للجودة ودفعت صُناع الدراما إلى التفكير فى المشاهد العربى والعالمى فى آن واحد، والحفاظ على الهوية المصرية داخل هذا السياق العالمى هو التحدى الحقيقى».

أما الكاتب أحمد مراد، أكد أن «المنصات فتحت الباب أمام أنواع درامية لم تكن تجد طريقها للشاشة التقليدية، وأن هذا التنوع يمكن أن يكون رافعة مهمة لعودة التأثير المصرى عربيًا».

ريادة أفضل

النقاد وصُناع الدراما، اتفقوا على أن استعادة الريادة لا تتحقق بعمل ناجح أو موسم قوى بل تحتاج إلى مشروع ثقافى متكامل يعيد الاعتبار للكاتب، ويدعم المواهب الجديدة ويشجع التنوع فى الموضوعات، ويوازن بين القيمة الفنية والنجاح التجارى، حيث أكد الفنان أحمد السقا أن «الجمهور المصرى والعربى متعطش لأعمال صادقة تحترم عقله وتقدم له حكايات قريبة من واقعه دون افتعال».

فيما تمسكت الفنانة منى زكى، بأن «الرهان الحقيقى يجب أن يكون على الجودة وليس على عدد الأعمال»، غير أنه على الجانب الآخر أكد الفنان محمود حميدة أن «الدراما المصرية عانت لسنوات من الخوف من التجريب، والصناعة لا يمكن أن تتطور دون كسر القوالب الجاهزة والاقتراب من المناطق الإنسانية الشائكة، هذا فضلا عن أن الجرأة الفكرية لا تقل أهمية عن الإمكانات الإنتاجية».

وأشارت الفنانة هند صبرى إلى أن جزءًا من أزمة الدراما كان انفصال بعض الأعمال عن الواقع الحقيقى للمجتمع، معتبرة أن المشاهد العربى يبحث عن نفسه على الشاشة لا عن صورة مصطنعة.

«هند»، أكدت أن الأعمال التى نجحت أخيرا هى تلك التى احترمت التفاصيل الإنسانية وقدمت شخصيات تشبه الناس فى ضعفهم وقوتهم.

الفنان آسر ياسين، هو الآخر أشار إلى أن «الجيل الجديد من الممثلين أصبح أكثر وعيا بأهمية النص والاختيار، وأن المنافسة لم تعد على عدد البطولات بل على جودة المشروع الفنى»، موضحا أن «المنصات الرقمية لعبت دورًا فى تغيير هذا الوعى لأنها كشفت الجمهور على تجارب عالمية عالية المستوى».

بدورها، أوضح المخرجة كاملة أبو ذكرى، أن «العمل الدرامى الناجح هو الذى يُدار كمنظومة متكاملة تبدأ من السيناريو وتمر بالإخراج وتنتهى بالمونتاج والتسويق، والفوضى الإنتاجية التى سادت سابقا أضرت بجودة الأعمال، غير أنه هناك محاولات حقيقية لإعادة الانضباط المهنى».

فيما تمسك المخرج شريف عرفة، بالتأكيد على أن «الدراما المصرية تملك ميزة تنافسية كبيرة تتمثل فى الخبرة المتراكمة والكوادر المدربة»، لكنه شدد على ضرورة تحديث أدوات الحكى البصرى لتواكب التغيرات السريعة فى ذائقة المشاهد العربى.

عودة الأمل

الناقدة ماجدة خير الله، من جهتها، أكدت أن «عودة بعض الأعمال الجادة أعادت الأمل فى عودة الريادة للدراما المصرية»، محذرة من أن الاكتفاء ببعض النجاحات المحدودة، لأن الريادة لا تتحقق دون مشروع طويل المدى يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط».

وفي السياق، بينما أشار الناقد الفنى أحمد سعد الدين، إلى أن الدراما المصرية تمتلك قدرة فريدة على التأثير لأنها تنطلق من مجتمع غنى بالتناقضات والقصص لكنه يرى أن هذه القدرة أُهدرت فى فترات سابقة بسبب الاستسهال، مشددا على أن استعادة الثقة بين العمل والجمهور هى التحدى الأكبر. أما المنتج محمد حفظى، أكد أن التوازن بين الفن والتجارة هو أصعب معادلة فى صناعة الدراما، موضحا أن «السوق لا يجب أن يكون عدوا للفن بل محفزا لتطويره إذا وُضعت معايير واضحة للجودة، وأن المنتج الواعى هو مَن يراهن على العمل الجيد حتى لو استغرق وقتًا أطول»، مشيرا إلى أن «الدراما المصرية قادرة على المنافسة إقليميا وعالميا، إذا أحسنت استغلال المنصات الحديثة، وركزت على القصص المحلية ذات البعد الإنسانى العام، فالعالمية تبدأ من المحلية الصادقة».

 
 

الاكثر قراءة