سنوات والمشاهد المصرى والعربى، يترقب شهر رمضان باعتباره شهر المفاجآت والإبداع الدرامى، ومع تعدد القنوات الفضائية منذ حوالى ثلاثين عامًا اتسع نطاق الإنتاج الرمضانى، لم يعد الجمهور بإزاء عمل أو اثنين كما كان من قبل، لكنه بات بإزاء سيل من الأعمال، تتجاوز العشرين عملا طوال الشهر، ويعاد عرضها طوال العام.
ومنذ عشرين عاما، لم يعد الأمر قاصرا على المسلسلات التى تقدمها مصر، فقد ظهر منافس آخر هو الدراما السورية ثم الدراما التركية ومن بعدها الهندية، مترجمة ومدبلجة بالعربية.. ثم راح كثير من النقاد فضلا عن المشاهد يشكون أن بعض الأعمال الدرامية المصرية، لم تعد بنفس المستوى الفنى، الذى اعتاده المشاهد، قصص ومشاهد سوداوية وزيادة فى العنف، هبوط وتدنٍّ فى لغة الحوار بالعمل، الإتقان الفنى لم يعد كما كان، وراح النقاد يتساءلون..
وفى العام الماضى، كان الرئيس السيسى نفسه هو مَن أبدى تحفظًا وانزعاجًا من مستوى بعض المسلسلات الرمضانية، تجاوب الجمهور على نطاق واسع مع ملاحظات وتحفظات الرئيس، وانهالت العديد من الملاحظات والمآخذ على بعض الأعمال، والرسائل السلبية التى تقدمها للمشاهد وللمجتمع، ثم جاءت الملاحظات من بعض الأشقاء العرب الذين اعتادوا على الدراما المصرية فى رمضان، والمعنى أننا على وشك أن نفقد مصدرا مهما للتأثير فى محيطنا العربى والإقليمى، وهذا أمر لا يُستهان به ولا يجب التفريط فيه، فضلاً عن التأثير السلبى على المشاهد المصرى.
ولعلنا نذكر حين عُرض مسلسل «رأفت الهجان»، الذى كتبه صالح مرسى وأخرجه يحيى العلمى، ولعب بطولته محمود عبدالعزيز والفنانة يسرا، تم تكريم صُناع العمل فى معظم الدول العربية، وعُرض المسلسل فى معظم الدول تقريبا بكل أجزائه، حدث الشيء نفسه مع مسلسل أم كلثوم، الذى كتبه محفوظ عبدالرحمن حتى إن ملك الأردن كرم أبطال العمل وصناعه.
وفى السنوات الأخيرة عُرض مسلسل «الاختيار» بأجزائه الثلاثة، وقد حقق نجاحا كبيرا.. استطاع أن يستعيد المشاهد وأن يصنع رأيًا عامًا إيجابيًا تجاه القضايا التى عبّر عنها العمل، وهى المخاطر الوطنية على مصر من جراء جماعات الإرهاب.
لكن فى المقابل كانت هناك أعمال، خاصة تلك التى تتناول بعض القضايا الاجتماعية، هى التى أثارت السخط والقلق، لدى قطاع لا يُستهان به من المشاهدين.
والحادث أن المجتمع بات يشير إلى هذه الأعمال وأبطالها، باعتبارها تقف وراء انتشار بعض السلوكيات الهدّامة، ناهيك عن وقوع بعض الجرائم، بالتأكيد لا يمكن الجزم أن عملاً دراميًا، مهما كان رديئًا أو سلبيًا، يمكن أن يدفع مواطنًا إلى ارتكاب جريمة، لكن المؤكد أن شيوع ذلك الاتهام يكشف عن أن مصداقية بعض الأعمال باتت على المحك، وأن ثقة المواطن بالدراما راحت تهتز، وهذه وحدها تكفى لأن نتساءل: كيف حدث ذلك وما الذى دفع الدراما المصرية إلى تلك الحافة؟!
هناك مَن لا يعبأ كثيرا بهذا الأمر، وحجتهم أن بعض الأعمال التى يُشار إليها بأصابع الملاحظة والمؤاخذة، يمكن أن تحقق إقبالا جماهيريا واسعا، مثل مسلسل «جعفر العمدة»، الذى عُرض فى رمضان سنة 2023، كان البطل فى العمل مزواجًا، لديه أربع زوجات، وهو شخص «سيكوباتى» بالمعنى الكامل، يمارس العنف إلى أقصى حد، ويتاجر فى الممنوعات، لكنه يظهر الفضيلة والكرم.. العادل الذى يخاف الله.
تعرض العمل للكثير من الانتقادات، سواء من نقاد الفن أو حتى المعنيين بالقضايا الاجتماعية التى تهم المجتمع، بل والقضايا السياسية، ذلك أن البطل يمثل نموذجا، مناقضا لفلسفة الدولة فى بناء المجتمع المدنى، القائم على العدالة واحترام الحقوق الإنسانية وتمكين المرأة لا إهانتها.. الرد من القائمين على العمل، كان أنه نجح جماهيريا وحقق إقبالا من المشاهدين، لم يحظَ به عمل آخر فى تلك السنة.
مقولة إن العمل حقق إقبالا جماهيريا، صحيحة فى جانب وخاطئة فى جانب آخر، الخطأ فى أنه يأخذنا إلى منطقة «الجمهور عايز كده»، وهذا باب قد نرى أوله لكن آخره لا ندرى عنه شيئا، صحيح أن العمل لا يجب أن يصدم الجمهور ولا أن يكون مضادا للذوق العام، لكن كذلك لا يصح أن يتدنى إلى حد تلبية الغرائز كلها، وإذا كان المجتمع يتجه إلى الحد من تعدد الزوجات لأسباب عديدة، فلا يصح أن نقدم عملًا يشجع على التعدد، ولا أن يظهر عملا يمنح الخيانات الزوجية قدرا من المشروعية، العام قبل الماضى كان هناك عمل تبنى ذلك المنهاج.
وفضلا عن ذلك ليس لدينا قياسات للرأى العام واستطلاعات تجعلنا نجزم أن الجمهور يريد هذا أو ذاك، كل ما لدينا بعض ملاحظات، وتجارب، عمل يحقق نجاحا جماهيريا فيقال الجمهور عايز كده، وكأن الجمهور تمت استشارته قبل الشروع فى القيام بالعمل، أى عمل درامى فى البداية اتفاق ولقاء بين منتج ومؤلف ومخرج، أى أنه اختيار ثلاثة أفراد، المجتمع بينهم يقدمون له مشروعهم وهو يقبل عليه أو لا يقبل، لكن لا يتم الرجوع إليه قبل البدء فى العمل، المشكلة لها عدة أوجه يحسن أن نتوقف عندها.
الوجه الأول يتعلق بمَن يرسم خريطة رمضان الدرامية، وهذا شأن القائمين على القنوات الفضائية، هم الذين يختارون الأعمال التى تعرض ويقررون قبولها للعرض وإتاحة الفرصة لها، هنا يكون السؤال موجها إليهم، عن اختياراتهم وتفضيلهم لعمل عن آخر، ونجم عن نجم..؟
البعض يذهب إلى أن المسئولين بالقنوات قد يتعرضون لضغوط من نجم بعينه بقبول العمل حتى لو لم يكن ملائما تماما.. وبغضّ النظر عن مدى صحة ذلك من عدمه فإن المسئول فى النهاية هو مَن يقرر العمل ويفتح له الشاشة، وليس صُناع العمل نفسه.
وهذا يضعنا أمام منطقة أخرى، عادة إذا كان هناك عمل يتعلق بقضية وطنية أو شخصية عامة، يأخذ عين المشاهد واهتمامه، لا يكون التركيز فى الأعمال الاجتماعية، حتى لو كان فى بعضها عوار، سوف تلاحظ أن الشكوى من الدراما الاجتماعية تظهر، حين لا يكون هناك عمل درامى يتعلق بالقضية الوطنية، ساعتها يتم التركيز على العمل الاجتماعى والتوقف أمام كل ما فيه، لا يمر عابراً.
ومن يراجع السنوات التى عرض فيها مسلسل «الاختيار»؛ سوف يجد أن هناك مسلسلات اجتماعية لم تكن جيدة، مع ذلك مرت، لم يتوقف عندها كثيرون، السبب أن الاتجاه العام كان منصرفا إلى «الاختيار» لكن حين لم يكن هناك مثل هذا العمل، تم التركيز على الدراما الاجتماعية والانتباه لما فى بعضها من جوانب ضعف.
هل هذا يعنى أن السادة صُناع الدراما ليس لهم دور وأن المسألة بعيدة عنهم؟!
على وجه القطع لا..
فى تاريخ الدراما المصرية، كان هناك اتجاه للأعمال الأدبية والتاريخية الكبرى، تنهل منها الدراما، هنا نتذكر فيلم «دعاء الكروان» وهو مأخوذ عن رواية د.طه حسين، أول مسلسل قُدم على شاشة التليفزيون المصرى كان عن رواية ثروت أباظة «هارب من الأيام»، وهكذا الحال فى أعمال عديدة، «اللص والكلاب» نجيب محفوظ «الرباط المقدس» توفيق الحكيم، «الأرض» عبدالرحمن الشرقاوى «الثلاثية» لنجيب محفوظ، «الزينى بركات» جمال الغيطان «شيء من الخوف»، رواية ثروت أباظة وهكذا فى العديد من الأعمال، سواء مسلسلات أو أفلامًا.
ونلاحظ فى السنوات الأخيرة أن بعض كُتاب الدراما باتوا يأنفون من الاعتماد على الأعمال الأدبية التى استقرت فى وجدان القارئ، وراحوا يقدمون قصصهم، بعضها، دون إجادة أو إتقان، فيظهر الخلل فى عدد من الأعمال، خلل مصدره أن الكتابة ليست دائما جيدة.
العاملون فى هذا المجال يدركون الأمر، واصطلحوا على القول «المشكلة فى الورق» ويطلقون عليها أحيانا «الكتوبة»؛ أى القصة والسيناريو والحوار.
تبدو فداحة المشكلة حين يقترب بعض الكُتاب من القضايا والموضوعات التاريخية، حيث الافتقاد إلى التدقيق والتوثيق، فى بعض المواقف يتم اختراع أو تأليف تاريخ.. بالطبع العمل الدرامى ليس بحثا ولا دراسة أكاديمية فى التاريخ، لكن على الأقل يجب مراعاة روح العصر والظرف الذى يتم تناوله، بحيث لا نجد موقفا مناقضا تماما لما حدث، الخطورة هنا أن لدينا نسبة ليست هينة من المواطنين أميين لا يقرؤون ولا يكتبون، ناهيك عن الأمية الثقافية، هؤلاء جميعا مصدرهم فى معرفة التاريخ يكون بالسماع والحكى وما تقدمه لهم الأعمال الدرامية، على سبيل المثال تستعمل العديد من المنصات ووسائل الإعلام مشهد المظاهرة النسائية فى ثورة سنة 19 كما ظهرت فى مشهد بفيلم «بين القصرين» باعتباره المظاهرة الحقيقية التى جرت فى مارس سنة 19.
يُضاف إلى ذلك عاملان.. الأول انتشار ما يسمى «ورش الكتابة» قد يكون أفرادها هواة أو مجموعة من المبتدئين، ثم لا يكون هناك مايسترو، ينسق ويجعل العمل متسقا في النهاية، ولا تكون المشاهد متنافرة ومتضادة، وهكذا نجد طريقا للعودة إلى عمل أدبى مستقر ومعترف به، ولا توجد رغبة فى تقديم كُتاب جدد ومنحهم فرصا ليكون من بينهم نماذج مثل مصطفى محرم وأسامة أنور عكاشة.. وحيد حامد ومحفوظ عبدالرحمن وغيرهم.
الثانى هو أن يقع العمل تحت سطوة النجم الأوحد أو تسلط المنتج.
قد يصرّ المنتج على بطل أو بطلة بعينها، حتى لو كانت قدراتها وموهبتها لا تسمح، هنا تقع المشكلة، عادة غير الموهوب والضعيف لا يرضى إلا بالأضعف منه، حتى لو كان هناك نجم بحق يتم تحجيم دوره ليكون على مقاس البطل أو البطلة، وهذا فى النهاية ينتج عملا ضعيفا حتى لو حمل الموضوع فكرة جيدة، يتم إفسادها باختيار الأقل موهبة وحضورا.
وعن سطوة النجم، حدث ولا حرج، معظم ميزانية العمل تذهب أجرا إلى النجم، ويتبقى للآخرين الفتات، بما يثير حنقهم وغضبهم، لن أقول الحقد والفشل، هذا ينعكس فى النهاية على العمل وقد يحدث أن يتدخل النجم فى كتابة العمل، فيطلب «مؤلف ملاكى» يضع النهاية التى يريدها النجم، وتزيد مشاهده، حتى لو كان فيها ملل ورتابة، ويتم تحجيم الآخرين، الآن هناك ما يسمى دراما النجم، هو المؤلف وهو المخرج وهو كل العمل.
ورغم هذه الأزمات كلها، فإن هذا لا ينفى أن هناك أعمالاً جيدة يتم إنتاجها، تظهر سنويا فى رمضان وفى غير رمضان، ونحن نريد أن يكون الكل جيدا ومتميزا.
وترتفع كل سنة صيحات البعض بضرورة وضع محاذير وقيود على تناول بعض القضايا، وتشديد الرقابة قبل الإنتاج، غير أن فرض القيود لن يؤدى إلى النتيجة المرجوة، بل قد يكون العكس، المهم هو ازدياد الوعى لدى العاملين فى هذا المجال بأهمية ما يقومون به ويدركون أنه ينعكس على المشاهدين.