هو الفيلسوف، والرياضي، والمنجّم، والطبيب، والشاعر، والكاتب «أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيامي النيسابوري» الملقب بحجة الحق، كان معاصرًا للسلطان ملكشاه السلجوقي (465–485هـ / 1072–1092م)، وأدرك أيضًا عهد أبنائه بركيا روق ومحمد وسنجر (485–552هـ / 1092–1157م).
وُلد الخيام في نيسابور، وتاريخ ميلاده غير معروف، وتلقى علومه في هذه المدينة، وتوفي بها – وفقًا لقول تلميذه صاحب «جهار مقاله» – حوالي سنة 527هـ = 1132م، ولا يزال قبره في نيسابور.
وكانت شهرة الخيام في عصره ترجع إلى الحكمة والطب والنجوم والرياضيات، وقد ترك رسائل في الفلسفة والطبيعيات والجبر والمقابلة والكيمياء، وعهد إليه السلطان ملكشاه أمور الرصد، ورتّب له الخيام الزيج الجلالي.
ويُنسب إلى الخيام كتاب في النثر اسمه «نوروزنامه»، وقد طُبع هذا الكتاب في طهران سنة 1312هـ ش = 1934م، فضلًا عما يُنسب إليه من الأشعار الفارسية والعربية.
غير أن شهرة الخيام في العصر الحاضر ترجع إلى رباعياته التي اشتهرت في العالم أجمع، وتُرجمت إلى عدد كبير من اللغات. ويرجع السبب في انتشار هذه الرباعيات إلى أنها تتناول مسائل عامة تدور في أذهان البشر في كل مكان وزمان؛ كالحيرة في أسرار الخلق والروح والوجود والعدم، والقول بالجبر، وقصر الحياة الدنيا ومصائبها، ومشاكل الميلاد والموت، ومصير الجسد بعد الموت، كما تتضمن بعض هذه الرباعيات نقدًا لاذعًا لأدواء المجتمع.
ومن أهم المسائل التي تتصل بالخيام مسألة تحديد العدد الصحيح لرباعياته؛ فقد تضاربت الأقوال فيها تضاربًا كبيرًا، ويقال إن الرقم الصحيح لرباعيات الخيام الحقيقية يتراوح ما بين 66 و178 رباعية، بينما يوصل البعض هذا العدد، في بعض الطبعات، إلى عدة مئات؛ بل إن هذا العدد قد زاد حتى تعدّى الألف في طبعات أخرى. ومن الواضح أن كثيرًا من هذه الرباعيات يُنسب إلى شعراء آخرين غير الخيام.
ولم يحظَ شاعر من شعراء الرباعيات بمثل ما حظي به الخيام من عناية واهتمام الدارسين من الغربيين والشرقيين، وقد طُبعت رباعياته طبعات عديدة مع مقدمات لكبار الأساتذة الإيرانيين. وتُرجمت إلى اللغات الأوروبية بعدد كبير من الغربيين، وتُرجمت إلى العربية أكثر من مرة. ومن أهم الترجمات التي لاقت نجاحًا كبيرًا الترجمة الإنجليزية المنظومة التي قام بها الشاعر الإنجليزي فيتزجيرالد (FitzGerald) ونشرها سنة 1859.
مكانته في عصره:
اشتهر عمر الخيام بفطنته وذكائه إبان تعلمه بين أقرانه من المتعلمين، حتى تخرّج بالتفوق والبراعة في كل علم من العلوم التي درسها، ولا سيما علم الفلك، ولهذا نجد أكثر المؤرخين يصفونه (فيما يصفون) بالحكيم الفلكي.
ولما أراد الملك شاه السلجوقي سنة 467هـ تعديل التقويم السنوي، كان عمر الخيام الفلكي على رأس الفلكيين الذين انتصبوا لذلك الغرض، فأثبت في هذه المهمة من الحذاقة ما كان موضع الإعجاب والتقدير، ثم أخذ صيته ينتشر في أنحاء العالم. وكان من بين المعجبين ببراعته في علم الفلك المؤرخ الإنجليزي المعروف جيبون، صاحب «تاريخ هبوط وسقوط الإمبراطورية الرومانية»، حيث قال: «إن مذهب الخيام في تقويمه ليفضل المذهب الغريغوري دقةً وإحكامًا». وقال بروكلمان في كتابه «تاريخ الشعوب الإسلامية»: والواقع أن شهرته البعيدة في الرياضيات حملت السلطان جلال الدولة ملك شاه السلجوقي على أن يعهد إليه بإصلاح التقويم، فوضع الخيام التقويم الجلالي (الزيج) الذي لم يُكتب له النجاح ولم يعمّ استعماله، على الرغم من أنه بلا شك أدق من التقويم الغريغوري المألوف.
وكانت لعمر الخيام مكانة عظيمة لدى الحكماء وعند العلماء في عصره، وملوك زمانه، فكانوا يعدّونه في الحكمة ثانيَ ابن سينا، ويصفونه بأنه أعلم أهل زمانه في علم الفلك والنجوم، وأنه الإمام وحجة الحق. وكان السلطان جلال الدولة ملكشاه السلجوقي ينزله منزلة الندماء، وكان الخاقان شمس الملوك في بخارا يعظّمه غاية التعظيم، ويجلسه معه على سريره، هذا مع ما وصفوه بحسن الخاتمة بعدما عاش بالزهد والتقشف.
إن مكانة عمر الخيام، وعظمة شخصيته، وعلو منزلته، وكيفية ديانته، وحقيقة مبدئه، إنما تتضح بالبحث الصحيح، والاطلاع على أقوال المؤرخين الثقات، مع دقة النظر في تمييز الغث من السمين، والضعيف من القوي، والموضوع من الصحيح، والحيطة في أساليب الرد والقبول فيما كتبه المتأخرون، ولا سيما المترجمون من كتّاب الشرق والغرب.
ولا يمكن ذلك إلا بالإحاطة بما سجّله له بعض تلامذته وكبار أصدقائه الذين عاصروه وعاشوا معه في السراء والضراء، فعرفوه عن كثب معرفة صحيحة، وكذلك بالبحث والتأمل السليم، والتعمق الدقيق فيما ثبت عنه من الأقوال والآثار والمؤلفات، وفهم ما فيها من الميول والنزعات حق الفهم.
وكان أول من كتب عن الحكيم عمر الخيام النيسابوري هو معاصره وتلميذه أبو الحسن أحمد بن عمر بن علي النظامي السمرقندي، الملقب بالعروضي، وذلك في كتابه «جهار مقاله» الذي ألّفه في البحث عن علم الكتابة والإنشاء، وعلم الشعر، وعلم النجوم، وعلم الطب. ومع أن العروضي لم يأتِ في كتابه هذا في الموضوع عن أستاذه الحكيم عمر الخيام إلا بحكايتين (واكتفى في حكاية ثالثة بالإشارة إلى اسمه)، فقد اتخذه المؤرخون الذين كتبوا عن عمر الخيام بعده أساسًا تاريخيًا في معرفة شخصية عمر الخيام ومكانته. قال محمد بن عبد الوهاب القزويني، صاحب حواشي «جهار مقاله» للعروضي بالفارسية، ما نصه: إن أقدم وأصح كتاب ذُكر فيه عمر الخيام هو كتاب «جهار مقاله»، وأن مؤلفه العروضي السمرقندي معاصر الخيام، وأنه وصل إلى خدمة الخيام في مجلس الأنس، وذلك في بلدة بلخ سنة 506هـ، كما زار قبره سنة 530هـ، وأن هاتين الحكايتين اللتين يذكرهما العروضي بشأن عمر الخيام أصح المآخذ التاريخية وأقدمها في ترجمة حياة عمر الخيام.
فقد أفاد العروضي في هذه الحكاية أن عمر الخيام كان له اتصال وأنس مع أمراء عصره، الأمر الذي يدل على مكانته، وأنه كان إمام وقته وقدوة زمانه، وأنه كان يُعدّ حجة الحق بين المسلمين. وأفاد العروضي أنه قد استبعد في بادئ الرأي تنبؤ الخيام بشأن قبره، ولكنه بعدما نظر إلى شخصية الخيام علم أنه لا يكذب، ووصفه العروضي بلفظ «برزك» يعني العظيم، وقد يُراد به الوليّ كما هو المصطلح الفارسي، وأفاد أن وفاته تركت العالم السفلي يتيمًا محرومًا من صحبته وإرشاده، ثم أفاد أنه وجد تنبؤ الخيام بشأن قبره أمرًا واقعيًا، ثم بكى، وأفاد أنه كان لا يجد نظيرًا لعمر الخيام في بسيط العالم وأقطار الربع المسكون، ودعا له قائلًا: أسكنه الله تبارك وتعالى في جنانه بمنّه وكرمه.
ومما يُذكر هنا أن الأستاذ أحمد حامد الصراف، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق، وعضو مؤتمر الفردوسي بطهران، (ويظهر أن له إلمامًا كبيرًا بالأدب الفارسي)، قال في كتابه «عمر الخيام» ما نصه: «إن أقدم الوثائق التاريخية التي تضمنت أخبار عمر الخيام الرسالة الموسومة بـ(الزاجر للصغار عن معارضة الكبار) لأبي القاسم الزمخشري، التي ألّفها قبل سنة 516هـ».
وقد قصّ الزمخشري قصة اجتماعه بعمر الخيام في المجلس الفريدي، ووصفه في هذه القصة بـ«حكيم الدنيا وفيلسوفها الشيخ الإمام الخيامي». نعم، ذكره بهذه الألقاب التي تدل بنصوصها على مكانة عمر الخيام الرفيعة، ومقامه السامي بين عظماء زمانه، وعارفي قدره من أقرانه. كما سماه الإمام ظهير الدين البيهقي «الدستور الفيلسوف حجة الحق عمر بن إبراهيم الخيام» في كتابه «حكماء الإسلام».
هذا، وإني أقول: إن أقدم الوثائق التاريخية في موضوع الحكيم عمر الخيام النيسابوري هو كتاب «جهار مقاله» لتلميذه العروضي السمرقندي، على ما ذهب إليه الباحثون في هذا الباب، مع أنه لا فرق بين الكتابين في القدم بالنسبة إلى سائر المآخذ التاريخية في هذا الموضوع، لأن صاحبيهما من معاصري الحكيم عمر الخيام النيسابوري، ولو قال الأستاذ الصراف «إن من أقدم الوثائق التاريخية…» بدل قوله «إن أقدم…» لكان أقرب إلى الصواب، ولكن نص قوله أوجب إبداء هذا الرأي فيه.
وقال الشيخ الإمام ظهير الدين أبو الحسن ابن الإمام أبي القاسم البيهقي رحمه الله في كتابه «حكماء الإسلام» ما نصه:
"الدستور الفيلسوف حجة الحق عمر بن إبراهيم الخيام، كان نيسابوري الميلاد والآباء والأجداد، وكان تلو أبي علي في أجزاء علوم الحكمة، إلا أنه كان سيّئ الخلق، ضيق العطن، وقد تأمل كتابًا بأصفهان سبع مرات وحفظه، وعاد إلى نيسابور فأملاه، فقوبل بنسخة الأصل فلم يوجد بينهما كثير تفاوت (إلى أن قال): وله ضنّة بالتصنيف والتعليم، ولم أرَ له تصنيفًا إلا مختصرًا في الطبيعيات، ورسالة في الوجود، ورسالة في الكون والتكليف، وكان عالمًا باللغة والفقه والتواريخ. وقيل: دخل الإمام عمر يومًا على شهاب الإسلام الوزير، وهو عبد الرزاق بن الفقيه الأجل أبي القاسم عبد الله بن علي بن أخ نظام الملك، وكان عنده إمام القراء أبو الحسن الغزال، وكانا يتكلمان في اختلاف القراء في آية، فقال شهاب الإسلام: على الخبير سقطنا. فسُئل الإمام عمر عن ذلك، فذكر وجوه اختلاف القراء وعلّل كل واحد، وذكر الشواذ وعلّلها، وفضّل وجهًا واحدًا على سائر الوجوه. فقال إمام القراء أبو الحسن الغزال: كثر الله في العلماء مثلك، اجعلني من أرومة أهلك، وارضَ عني، فإني ما ظننت أن واحدًا في القراء في الدنيا يحفظ ذلك ويعرفه، فضلًا عن واحد من الحكماء. وأما أجزاء الحكمة من الرياضيات والمعقولات فكان ابن بجدتها. ودخل عليه يومًا حجة الإسلام محمد الغزالي رضي الله عنه، وسأله عن تعيين جزء من أجزاء الفلك للقطبية دون غيره، مع أن الفلك متشابه الأجزاء، فأطال الإمام عمر الكلام، وابتدأ من أن الحركة من مقولة كذا، وضنّ بالخوض في محل النزاع، وكان من دأب ذلك الشيخ المطاع، حتى قام قائم الظهيرة، وأذّن المؤذن، فقال الإمام الغزالي: جاء الحق وزهق الباطل، وقام".
ودخل الإمام عمر يومًا على السلطان الأعظم سنجر وهو صبيّ، وقد أصابه الجدري، وخرج من عنده، فقال له الوزير مجير الدولة: كيف رأيته؟ وبأيّ شيء عالجته؟ فقال له الإمام عمر: الصبيّ مخوفٌ. ففهم ذلك خادمٌ حبشيّ، ورفع ذلك إلى السلطان، فلما برئ السلطان أضمر بسبب ذلك البغض للإمام عمر، وكان لا يحبه، وكان السلطان ملكشاه ينزله منزلة الندماء. والخاقان.
رباعيات الخيام:
كان عمر الخيام يرسل رباعياته في خلوته – والذين نظموا الرباعيات من الشعراء الفرس كثيرون أبرزهم الخيام – ثم ينشدها لأصحابه في المجالس فتحفظ وتنتشر. ومن البديهي أنه لم ينظم رباعياته في دور واحد من أدوار حياته، ولكنه نظمها في الحين بعد الحين حسب ما أوحى إليه خاطره وأملى عليه وجدانه. ولو أن هذه الرباعيات وُجدت مجموعة حسب وضعها التاريخي لأمكننا أن نفهم تدرج روح الشاعر، ولكن جميع المخطوطات التي تحوي هذه الرباعيات تضعها في ترتيب هجائي حسب القافية. وعَروض الرباعيات على وزن الدوبيت، وهو مركب من أربعة مصاريع، الأول والثاني والرابع مقفّى، والثالث مطلق، وكل رباعية تستقل بمعناها.
وقد اختلف الباحثون وتضاربت آراؤهم في عدد الرباعيات، فقد تعاقب عليها النساخ وتناقلتها الألسنة حتى دخلها التغيير، وأقدم مخطوط لها لا يحوي غير ثمانٍ وخمسين ومائة رباعية، ولكننا نجد أن الزمن كلما تباعد زاد عدد الرباعيات حتى وصلت في أحد المخطوطات إلى ثمانمائة رباعية، بعضها لشعراء معروفين. وأقدم نسخ الرباعيات كتبها أحد سكان شيراز سنة 865هـ، أي بعد وفاة الخيام بثلاثة قرون ونصف قرن، وهي محفوظة في مكتبة «بودلين» بأكسفورد، ولكن مجلة «العرفان» نشرت في المجلد الخامس والثلاثين، صفحة 859، خبرًا مؤداه أن الأديب أحمد الواساني قد عثر على مخطوط لرباعيات الخيام كُتب بعد سبعٍ وثمانين سنة من وفاته، فإن صح الخبر كانت هذه النسخة أقدم النسخ جميعًا. وقد استطاع أحد المستشرقين أن ينسب كثيرًا من الرباعيات في المخطوطات المتأخرة إلى أصحابها، مثل عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد، والأنوري، والعسجدي، وابن سينا، والرازي، والطوسي.
احتوت رباعيات الخيام آراءه في الكون، كالمادة والزمان والآلة والجبر والعدم. ورأي الخيام في المادة والزمان كرأي الفلاسفة الذين قالوا بقدمها، وقد أكثر القول بأنه لا بداية ولا نهاية لهذه الدنيا التي جئنا منها ونذهب إليها: «أولئك الذين هرموا الذين لا يزالون أحداثًا، سيذهب كل منهم فردًا فردًا بعد مجيئه، ولا يخلد في هذه الدنيا القديمة أحد، ذهبوا ويذهبون ويأتي غيرهم ثم يذهبون».
وقد كان جماعة من علماء المسلمين يكفّرون القائل بقدم العالم ويصمونه بالعقيدة الدهرية، ويستدلون على حدوث العالم بأن الشريعة جاءت بعقيدة التنزيه، وتقوم على أن الله أزليّ ليس له ابتداء، وأنه أوجد العالم من العدم، فهو لذلك حادث. على أن القول بقدم المادة لا يناقض وجود الله، لأن الله واجب بذاته، وهذه الموجودات علة، وهي ملازمة له كما يلازم المعلول علته، وإذا ثبت أن الأشياء صدرت عنه صدور المعلول عن علته وجب القول بقدم الأشياء. وقد سلك الخيام طريق الفلاسفة اليونانيين في الفلسفة الإلهية، فهو يعتقد بإله هو الخير محض، الذي لا يصدر منه الشر، وبذلك نفى وقوع العذاب والعقاب مدفوعًا بعقيدة الجبريين. «تفضلت قائلًا إني سوف أعذبك، وأنا لم أخشَ قط هذا القول، فإن المكان الذي أنت فيه لا يكون فيه عذاب، وأين المكان الذي لست فيه؟». «أنا العبد العاصي فأين رضاك؟ إن كنت تهب لنا الفردوس لطاعتنا فذاك بفضلك، فأين لطفك وعطاؤك؟».
وقد صرّح الخيام في رباعياته باعتقاده الجبر، وكان مؤمنًا بسيطرته وسلطانه على الكون وما فيه من جماعات، وقال غير مرة إنه دخل هذه الدنيا مضطرًا كارهًا، ويخرج منها مرغمًا كارهًا، ولو استشير ما أراد، ولو خُيّر ما اختار، فهو لذلك لا يطمئن إلى الاختيار. ومذهب الجبر قديم، والجبرية فرقة ينفون الفعل والقدرة على الفعل عن العبد، ويثبتون القدر، ويقولون بأن الله تعالى يخلق الفعل، ويخلق في الإنسان مقدرة متعلقة بذلك الفعل، ولا تأثير لتلك المقدرة في الفعل، ويقولون إن الله مالك في خلقه يفعل ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل، فلو أدخل الناس كلهم النار لم يكن حيفًا، ولو أدخل الناس كلهم الجنة لم يكن حيفًا، ولو أدخلهم النار لم يكن جورًا، بل هو في كل ذلك عادل، لأن العدل هو التصرف بما يملكه المتصرف. «أنا أشرب الخمر، ويشربها كل من هو أهل لها مثلي، فإن شربي لها ليس مستبعدًا في نظر العقل، لأن الله كان يعلم منذ الأزل بأني سأشربها». «ماذا أفعل يا إلهي وأنت الذي جبلتني من ماء وطين، أنت كتبت عليّ كل ما يصدر مني من خير وشر في هذا الوجود، فماذا أفعل؟».
وقد كره الخيام الوجود، وفضّل العدم، ووصف الدنيا بدار المحن والمصائب، وأكثر من ذمها حتى تجاوز الحد، واعتقاد الخيام بفلسفة التشاؤم هو الذي زهّد في عينيه الدنيا وبغّض إليه الحياة: «ما العقبى إذا بلغ المرء من الدنيا المراد، وما الغاية إذا قرأ الإنسان كتاب أعماله؟ فلنحسب أنك نلت مرامك مائة عام، وعشت بعدها مائة أخرى، فما النتيجة؟». ليست الدنيا بدار قرار ولا دار إقامة، وأفضل للحكيم أن يكون ثملًا: «اسكب ماء الخمر على نار الغم، قبل أن تذهب إلى القبر صفر اليدين».
نماذج من الرباعيات:
سمعت صوتًا هاتفًا في السحر
نادى من الحان غفاة البشر
هبّوا املأوا كأس الطِلى قبل أن
تُفعم كأس العمر كفُّ القدر
أحس في نفسي دبيب الفناء
ولم أُصب في العيش إلا الشقاء
يا حسرتا أن حان حيني ولم
يتمّ لفكري حلّ لغز القضاء
أفق وصبّ الخمر أنعم بها
واكشف خبايا النفس من حجبها
وروِّ أوصالي بها قبلما
يُصاغ دنّ الخمر من تُربها
غدٌ يظهر الغيب واليوم ليّ
وكم يخيب الظن في المقبل
ولست بالغافل حتى أرى
جمال دنياي ولا أجتلي
هاتِ اسقِنيها أيها النديم
أخصبُ من الوجه اصفرارُ الهموم
وإن أمت فاجعل غسولي الطِلى
وقد نعشي من فروع الكروم
لبست ثوب العيش لم أستشر
وحرت فيه بين شتّى الفكر
وسوف أنضوه برغمي ولم
أدرك لماذا جئت، أين المفر؟
وكم توالى الليل بعد النهار
وطال بالأنجم هذا المدار
فامشِ الهوينا أن هذا الثرى
من أعين ساحرة إلا حُورار
يا نفس ما هذا الأسى والكدر
قد وقع الإثم وضاع الحذر
هل ذاق حلو العفو إلا الذي
أذنب، والله عفا وغفر