وكلنا نتذكر الأعمال الرمضانية بمختلف تصنيفها سواء دراما أو فوازير أو كرتونا أو مسابقات بين الفنانين والبرامج الدينية التى يقدمها كبار المشايخ والعلماء وغيرها، والتى كانت مصدرا هاما للثقافة الشعبية فى الماضى، ولا يمكن أن نقارنها بالمحتوى الدرامى الذى يقدم اليوم للمشاهدين، والذى يبتعد كل البعد عن الحياة اليومية لأغلبية الشعب المصرى أو حتى طبيعته وثقافته وعاداته وتقاليده، وليس معنى كلامى أننى أتحامل على الأعمال الدرامية الحالية، ولكنى أرى مثلى مثل غيرى أنها ليس لها أى علاقة بالشخصية المصرية، وليس كما يردد بعض صناع الدراما أن هذا ما يريده الجمهور، فعليهم مراجعة نسب المشاهدة ومدى تأثير العمل على المجتمع، ولن أدخل فى مقارنة مع الأعمال الخالدة حتى لا أظلمهم أكثر، ولكن سأعطى مثالا بسيطا بمسلسل الاختيار بأجزائه والنجاح الجماهيرى الذى حققه على مدار سنوات، وجعل الشعب المصرى بأكمله يجلس وقت الحلقات أمام التلفاز كما كان يحدث فى الماضى كدليل على النجاح الحقيقى وليس نجاحا مزيفا بفعل السوشيال ميديا أو بضخ إعلانات ممولة للعمل، فمعادلة النجاح هنا أن الجمهور وجد نفسه فى العمل الدرامى، بل وأضاف لثقافته نظرا لجودة العمل الفنى، والتساؤل الآن كيف نخرج من الأزمة التى تعيش فيها الدراما المصرية؟ وهل الإجابة صعبة أو مستحيلة؟
أعتقد أن أغلبية الشعب المصرى يعرف الإجابة ولكن أغلبية صناع المحتوى الدرامى يفتقدون إلى جوهر الثقافة المصرية، رغم امتلاك مصر كل مقومات النجاح وليس بالاعتماد على تاريخ مصر الدرامى فقط، ولكن أيضا بدراسة هذا التاريخ جيدا وتشكيل مجموعات عمل متفاهمة فى كل التخصصات؛ لأن نجاح أى عمل درامى يحتاج إلى عمل جماعى متوازن (فريق العمل)، وهنا أذكر شيخ الدراما أو عمدة الدراما أو مخرج الشعب وهذه كلها ألقاب أطلقت على المخرج الكبير إسماعيل عبد الحافظ الذى قدم أعمالا خالدة فى وجدان الشعب المصرى والعربى، واستطاع أن يحفر اسمه بما قدمه من روائع فى الدراما المصرية مثل «ليالى الحلمية» بأجزائه المختلفة من تأليف المبدع أسامة أنور عكاشة.
ولو ذكرت أعماله كاملة سأحتاج إلى أكثر من مقال لذكرها، ولكن من منا ينسى «الشهد والدموع»، و«خالتى صفية والدير»، «شارع الموردى»؛ «العائلة»؛ «عدى النهار»؛ «نقطة نظام»؛ «كناريا وشركاه»؛ «للثروة حسابات أخرى»؛ «الأصدقاء» وغيرها.
ولد المخرج الكبير اسماعيل عبدالحافظ بمحافظة كفر الشيخ يوم 15 مارس 1941 وتخرج فى كلية الآداب قسم لغات شرقية بجامعة عين شمس عام 1963 بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف. ورفض العمل معيدًا بالكلية لحصوله فى ذات الوقت على خطاب تعيين للعمل بالإذاعة والتليفزيون، وعمل عام 63 كمساعد مخرج فى مراقبة الأطفال ثم انتقل عام 1965 إلى مراقبة المسلسلات.
حيث بدأ فى نهاية الستينيات أول عمل له كمخرج وهو من الجيل الثانى لمخرجى الدراما المصرية مع يحيى العلمى ومحمد فاضل.
وهنا لا نستطيع أن نذكر إسماعيل عبدالحافظ إلا ويرتبط مشواره برفيق دربه الفنى أسامة أنور عكاشة، فقد شكل الاثنان ثنائيا دراميا يحمل كل علامات الجودة والتميز والإبداع، فقد كان هذا الثنائى متفاهما جدا ويضيف كل منهما للآخر، فكتابات أسامة خارج عبدالحافظ لم تحقق نفس النجاح الذى قدم به هذا الثنائى الكثير من الروائع، والعكس أيضا صحيح فلم تحقق أعمال عبدالحافظ خارج كتابات أسامة النجاح المتوقع.
وكانت بداية الثنائى الذى لن يتكرر ولم يسبقة مثيل عام 85 فى (الشهد والدموع مرورا بليالى الحلمية وأهالينا وخالتى صفية والدير وامرأة من زمن الحب وكناريا وشركاه والوسية).
ومسلسل «الشهد والدموع» واحد من أبرز الأعمال الدرامية التى قدمها الثنائى معا، وجرى إنتاجه عام 1985 وشارك فى بطولته كوكبة من النجوم منهم يوسف شعبان وعفاف شعيب ومحمود الجندي، بجانب نخبة من الفنانين على مدار جزأين، ولا أحد ينسى الجملة الشهيرة (ابعدى ولادك عن بناتى يا زينب) بصوت يوسف شعبان.
كما يكفى أن تسمع صوت المتميز على الحجار وهو يغنى (تحت نفس الشمس /وفوق نفس التراب / كلنا بنجرى ورا نفس السراب / كلنا من أم واحدة أب واحد دم واحد/ بس حاسين باغتراب)، ذلك التتر مقطوعة موسيقية للعبقرى عمار الشريعى، وكلمات المبدع سيد حجاب.
وبعد نجاح «الشهد والدموع» على مدار عامين، ينتج لنا الثانى فى عام 87 أقوى مسلسل فى تاريخ الدراما المصرية بدون منافس وهو ليالى الحلمية بأجزائه الخمسة، وضم العمل نخبة كبيرة من نجوم الفن منهم: صلاح السعدني، ويحيى الفخراني، وصفية العمري، وهشام سليم، وممدوح عبد العليم، وآثار الحكيم، وغيرهم من كبار الفنانين.
ويتكرر نفس التفرد عندما نسمع صوت الجميل محمد الحلو يغنى ويقول: (بيقول منين بيجى الشجن.. من اختلاف الزمن ومنين بيجى الهوى.. من ائتلاف الهوى ومنين بيجى السواد.. من الطمع والعناد/ ومنين بيجى الرضا.. من الإيمان بالقضا)، وهى أيضا من كلمات المبدع سيد حجاب وموسيقى المتميز مشيل المصرى.
وبعد النجاح غير المسبوق لليالى الحلمية الكل كان ينتظر الثنائى ماذا سيقدم؟ وكان مسلسل «أهالينا» الذى كان دراما من الحياة المصرية، شارك فى بطولته كل من صابرين، وحسن حسني، وهشام سليم، وخيرية أحمد، تم إنتاجه 1997 والموسيقى التصويرية للموسيقار حسن أبو السعود، واستمر الثنائى فى مناقشة قضايا الأسرة المصرية، وكان مسلسل «امرأة من زمن الحب» الذى تم إنتاجه فى عام 1998، وقدمت بطولته الفنانة الكبيرة سميرة أحمد، كما شارك معها نخبة من النجوم، منهم، أحمد خليل ومحمد رياض، وياسمين عبدالعزيز، وكريم عبد العزيز، وهشام سليم، ويوسف شعبان وكانت الموسيقى التصويرية للمبدع عمار الشريعى.
وبعد ذلك كان مسلسل «كناريا وشركاه» اللى أنتج عام 2003، وكان بطولة كل من فاروق الفيشاوي، وسمية الألفي، ونبيل الحلفاوى، وكانت العودة مرة أخرى لغناء على الحجار من كلمات سيد حجاب الضلع الثالث للثنائى الكبير وموسيقى ياسر عبدالرحمن (دى دمعة من قلبى على الخد جارية؟! ولا دى بسمة.. نسمة فى مسامّى سارية؟!)
واستمر التنوع، وكان الجمهور ينتظر بشغف الجديد من الثنائى عبدالحافظ وعكاشة، وكان مسلسل «عفاريت السيالة» والذى يعد واحدًا من الأعمال الشبابية الكوميدية، جرى إنتاجه فى عام 2004، وشارك فى بطولته، عبلة كامل، وأحمد الفيشاوي، وحسن حسني، وصفية العمري، وزينة، وراندا البحيري.
وتوقفت كثيرا عند تتر المسلسل خاصة أنها كلمات سيد حجاب وألحان عمار الشريعى، لكن المفاجأة أن إسماعيل عبدالحافظ اختار مطربا شعبيا اسمه هانى عبدالفتاح لكى يغنى تتر المسلسل؛ لكى يكون مناسبا لفكرة العمل ورغم أنها مخاطرة ولكن كان الاختيار موفقا جدا، ثم مسلسل «المصراوية» هو آخر أعمال «عكاشة»، تم إنتاجه عام 2007، حيث عرض العمل على جزأين، وشارك فى بطولته، غادة عادل، وهشام سليم، وممدوح عبد العليم.
ولا يمكن أن تنسى على الحجار وهو يغنى (لا تقوللى ده المكتوب وحكم القضا ولا حالنا عال والقاشية ماشية ورضا /هو ابن ادم ريشة طايشة ف فضا / والصبر طيب والسؤال له جواب / تعمل صواب تاخد نصيبك ثواب / وحسابنا عند الله ف يوم الحساب / والصبر طيب). وطبعا كلمات سيد حجاب وألحان عمار الشريعى.
فعلا نحن مفتقدون الآن لمثل هذه النوعية من الأعمال الدرامية الخالدة التى قدمها هذا الثنائى الناجح، والتى كانت تحمل فكرا فى الكتابة ورؤية فى الإخراج تضيف على رؤية الكاتب، وكان من أهم مميزات عبدالحافظ اختياره لفريق عمله وتسكينه للممثلين فى أدوارهم ، فلا تجد ممثلا لدى عبد الحافظ فى غير محله.
شيخ الدراما لم يصنع أعمالا خالدة فقط، بل صنع نجومية الكثير من الفنانين وكان كل الممثلين يتمنون أنهم يعملون معه؛ لأن مجرد الظهور لأى ممثل فى أحد مسلسلاته ينال شهرة وانتشارا كبيرا ويعرفه الجمهور المصرى والعربى.
حقا المخرج إسماعيل عبد الحافظ، أسطورة أمتعت العالم العربى بباقة من الأعمال المميزة طوال مشواره الفنى، حيث لا يوجد مخرج تلفزيونى مثله حاول الاقتراب، ووصف حارات مصر الشعبية برجالها الجدعان، ولا يوجد مخرج مثله حاول أن يقدم صورة الأسرة المصرية وعلاقاتها ببعضها ببعض، فهو المخرج الوحيد الذى يمكن أن تستنشق وتعرف عمله من مجرد سماعك لتتر المسلسل، فقد كان يهتم بكل صغيرة وكبيرة فى عمله بداية من كلمات التتر المبدعة ومروراً باللحن والأغانى، واختيار مطربين مميزين مثل على الحجار ومحمد الحلو اللذين يمثلان صوت مصر الدافئ، كل هذا مروراً بتجوله فى حارات مصر الشعبية وقراها النائية ومحاولة تقريبها ووصفها إلى الجمهور مترجمة فى مشاهد على الشاشة، ناهيك عن تميزه فى اختيار تركيبات مختلفة من النجوم التى تشاركه فى العمل، بل إنه كان يتعمد الإبقاء على التواصل بين الجيلين وليكن مسلسل «ليالى الحلمية» خير دليل على ذلك، والذى جمع وعرف نجوم مصر ببعضهم البعض؛ حيث شارك به النجمان الكبيران يحيى الفخرانى وصلاح السعدنى، وأخرج جيلاً أصبح نجوماً فيما بعد مثل ممدوح عبد العيلم، هشام سليم، سمية الألفي، آثار الحكيم وغيرهم.
أكثر ما كان يجذب الانتباه إلى أعمال إسماعيل عبد الحافظ، صورة العائلة المصرية التى كان يحرص على إظهارها فى جميع أعماله تحديداً داخل المنزل، ليس فقط فى البيوت الشعبية ولكن فى الأرستقراطية أيضاً مثل مسلسل «أهالينا» الذى لعبت بطولته الفنانة صابرين.
ورغم تمسك عبد الحافظ بصورته الإخراجية التقليدية فى الدراما فى السنوات الأخيرة، فى الوقت الذى حرص فيه كثير من المخرجين على اتباع الأسلوب السينمائى؛ إلا أن أعماله كانت الأكثر مشاهدة دائماً لوجود الروح المصرية بها سواء فى أسلوب الحديث أو شكل الديكور والموسيقى المستخدمة.
واليوم أنا لا أتحدث عن جيل من العمالقة للمقارنة مع الأجيال الحالية ولكنها قراءة فى تاريخ الدراما وكيف كانت ولماذا كانت جزءا من الريادة، مع العلم أن أغلب منْ أكتب عنهم لم يولدوا عمالقة ونجوما، بل كانت بدايتهم متخبطة مثلهم مثل غيرهم؛ حتى وجدوا أنفسهم وصنعوا شهرتهم من خلال أعمالهم المتعاقبة، ولم تكن موهبتهم هى العامل الوحيد فى نجاحهم ولكن توليفة فريق العمل بأكمله استطاعت أن تخرج لنا أجيالا من العمالقة بأعمال فنية محفورة فى تاريخ الدراما العربية فى فترة ذهبية، ولم يكن هذا الوصف بالكلام ولكنها حقيقة، فقد كان الفيلم العربى والمسلسل العربى يذاع على التليفزيون من ماسبيرو لكل الشعوب العربية متخطيا كل الحواجز والحدود الجغرافية، وكان وما زال الفن المصرى عنصرا أساسيا فى تكوين القوة الناعمة المصرية.