لا شك أن العالم فقد النسق الاقتصادى المزعوم، بل فقد الاتزان لقواعد التداول، وأصبحت عمليات البيع على المكشوف فى هذا المد التاريخى للمعادن الحرجة التى تدهس الأسواق والمتداولين معا.
منْ يستطيع النصح الاستثمارى من خلال هذا المشهد الضبابى؟ الكل يحتاج إلى التفكير العميق، فالسوق مملوءة بمفاجآت ومخاطر، وهناك ارتباك حتى فى قرارات البيع والشراء وأيضا سياسة الاحتفاظ أو الاستحواذ، لقد أصبحت نماذج العرض والطلب القديمة غير صالحة بالمرة للتسعير المسبق وفقاً للقواعد العامة، بل أصبحت سلوكيات المستثمرين وسيكولوجية الأسواق غير مفهومة بالمرة، وأصبحت هنا ومع التآكل المتعمد للدولار المشدود على حبل السياسة الترامبية.
كانت المعادن الحرجة هى الملاذ الآمن والأداة النهائية للتحوط من هذه الفوضى الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية، ومع تصاعد الأحداث بدأ الكل يتحدث عن المعدن النفيس صاحب الصوت العالى الذى لا يشيخ وهو الذهب وقد تحدثنا عنه من قبل، أما اليوم فسوف نتحدث عن الفضة التى لم تعد الأخ الأصغر أو ظل الذهب بل كنسخة أساسية عندما يصعد الذهب عشرة تصعد الفضة ثلاثين، وهذا يجعلها الاختيار الأول لرأس المال الجريء ومحركا للسوق الصاعد فى الشرق الأوسط.
لقد ضمنت الفضة بقاءها فى سوق المعادن وأدرجتها الولايات المتحدة الأمريكية فى قائمة المعادن الحرجة، فقد تجاوزت دورها الصناعى وأصبحت تنسج لنفسها مكانة بجانب الذهب كملاذ آمن، ففى أثناء انشغال العالم بالضجيج الذى يُحدثه ترامب كانت هناك أزمة تتشكل بطريقة صامتة فى أعماق النظام العالمى الذى أرداه ترامب قتيلاً، معركة تتشكل بأزمة لا يراها الناس لكنها تغير وجه سوق المعادن الثمينة كله. وأصبحت الفضة الأخ الأصغر للمعدن النفيس فى قلب العاصفة؛ لتصل إلى قمم قياسية وتاريخية مداها غير مسبوق.
الأرقام وحدها غير كافية لتروى القصة وما وراءها، فالأمر ليس مجرد ارتفاع فى سعر الفضة بسبب الطلب الاستثمارى عليها أو مسألة التضخم، وإنما القصة الكبيرة تشرح خلفيات الصورة الأخطر والتعمق أمام رؤيا المحللين حيث فخ الترجيح الجغرافى للفضة أو النقل الجغرافى للفضة بين الأسواق العالمية من المستحيلات الاقتصادية، مما يُحدث فوضى فى منظومة تسعير الفضة كلها وترامب فى قلب العاصفة كالعادة، فمنذ أعلن فى بداية يناير من العام الحالى عندما فرض 10 فى المائة رسوم على 8 دول من بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا والدنمارك بضغوط للحصول على جرينلاند من الدنمارك، طبقا لتقرير وكالة رويترز، بدأت المعادن تتحرك 25 فى المائة كتحرك سياسى، بالرغم أن إنجلترا بها جمعية سوق السبائك فى لندن، وهى مركز تداول الفضة، وهناك بورصة كوميكس فى نيويورك، وهذه البورصات هى التى تدير آلية التسعير والمرجعية الاقتصادية والمالية التى يعتمد عليها العالم كنموذج للمضاربات.
ومع نقل المعدن من لندن إلى أمريكا تزيد التكلفة 25 فى المائة بالرسوم الترامبية وتصبح العملية غير مجدية اقتصاديا، وهنا عندما تصبح تكلفة نقل الأصول عالية بين الأسواق وتنهار آلية التسعير الموحدة، وتفتح الباب أمام المزاحمة الجغرافية، ويجد المتداولون أنفسهم أمام أسعار مختلفة لسحب 33 مليون أونصة من الفضة من مخازن كوميكس أى 26 فى المائة، من المخزون المسجل عالمياً فى أسبوع واحد طبقا لنشرة موقع جنسن ديفيد للمعادن.
أما المعضلة الكبرى والمفصلية فهى زيادة الطلب الصناعى على الفضة، فالطاقة الشمسية وحدها استهلكت 197 مليون أونصة عام 2024، وهو ما يمثل 19 فى المائة من إجمالى الطلب العالمى مقارنة بـ 5 فى المائة فقط، وبحسبة بسيطة كل لوحة طاقة شمسية تحتاج إلى حوالى 20 جراما من الفضة، والتقنيات الحديثة مثل خوادم الذكاء الاصطناعى تستخدم الفضة بنسبة من 50 إلى 100 فى المائة.
لقد أصبحت الأسواق لا تسير فى خطوط مستقيمة والدول تتخلى عن الدولار ونفدت كل الأسئلة عن الذهب والدولار وحتى مجاهيل الاقتصاد العالمى، وسار الجميع إلى «فومو» الشراء بالقفز السريع حتى لا يفوت القطار، والمشهد على المدى الطويل سوف يتكرر مع حالة الجاذبية للأصول الاستراتيجية والذهاب بعيداً عن الدولار، قد تكون هناك مراحل تصحيح لاحقة ودخول لاعبين جدد إلى الأسواق وانكشاف الأسواق المالية فى مرحلة الاختبار الحقيقى لأمريكا وعملتها الدولارية والاتجاه العالمى إلى البدائل المتاحة الذهب والفضة، والبنوك المركزية الذكية تشترى وتخزن وتحصن نفسها بالذهب؛ لأنها تفهم أصول اللعبة والنفوذ وإعادة تشكيل الثروات والسوق يشاهد وينتظر عالم الذكاء الاصطناعى الذى يحتاج للفضة وأيضا الطاقة المتجددة التى تحتاج الفضة.
ويتبادر إلى الواجهة سؤال مفتاحى ومنطقى: هل الدول العربية تصدر معدن الفضة؟
الإجابة نعم، طبقا لنشرة معهد الفضة العالمى 2025 فهناك المغرب والسعودية ومصر ولبنان والكويت، وطبقا للترتيب الرقمى مصر صدرت ما قيمته 1.48 مليون دولار عام 2024، ومصر لديها معادن مصاحبة للذهب مثل الفضة بمنجم السكرى، وعلينا أن نفكر جيداً بهذا المعدن الذى يحتاجه العالم حالياً نتيجة لنقص الإمدادات واستمرار العجز فى المعروض العالمى وزيادة الطلب الصناعى المرتبط بالخوارزميات الجديدة، كما يمكن أن نفكر تفكيرا ماليا واستراتيجيا عميقا نحو كونه من الملاذات الآمنة بسبب الظروف الجيوسياسية المتدهورة ومراعاة الطلب الصناعى القوى فى المرحلة القادمة، وهل يجب إدراجنا الفضة ضمن المعادن الحرجة مثلما فعلت أمريكا؟ فالأسواق لا تنتظر أحدا، ونحن أمام معدن أصبح يناطح الأخ الأكبر وهو الذهب، فهل تكون لنا رؤية استراتيجية نحو هذا المعدن الذى يجمع الآن بين ميزة استراتيجية وميزة الملاذ الآمن والأداة النهائية للتحوط؟.