رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الدولار والذهب».. معركة إعادة تشكيل خريطة الثروة


5-2-2026 | 16:07

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

فى عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشابك المصالح السياسية مع القرارات الاقتصادية، لم يعد الحديث عن الدولار والذهب مجرد متابعة لحركة أسعار أو توصيف لاتجاهات استثمارية مؤقتة، بل أصبح قراءة مباشرة لتحولات عميقة تطال بنية النظام المالى العالمي، وتعيد ترتيب أولويات الدول والمستثمرين والأفراد على حد سواء.

 

التقلبات الاقتصادية العالمية المصحوبة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية فرضت واقعًا جديدًا يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتراجع الثقة فى بعض الأدوات النقدية التقليدية، مقابل عودة قوية للأصول الآمنة، وعلى رأسها الذهب.

ويشهد الاقتصاد العالمى منذ عدة سنوات موجة ممتدة من الاضطرابات، بدأت بتداعيات جائحة كورونا، ثم تفاقمت مع ارتفاع معدلات التضخم، وتشديد السياسات النقدية فى الاقتصادات الكبرى، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من التباطؤ وعدم اليقين.

هذه التطورات ألقت بظلالها على أسواق المال والعملات، ودفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر فى ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ارتفاع تكلفة التمويل، إلى جانب تراجع معدلات النمو فى عدد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

ومع تعقد المشهد، باتت القرارات الاستثمارية أكثر حذرًا، وأصبح البحث عن الملاذات الآمنة أولوية متقدمة، رغم احتفاظ الدولار الأمريكى بمكانته كعملة الاحتياط الأولى عالميًا، إلا أن عام 2025 شهد تراجعًا ملموسًا فى قيمته أمام سلة العملات الرئيسية بنسبة 9 فى المائة، وهو تراجع يعكس تغيرًا فى ميزان الثقة أكثر مما يعكس ضعفًا اقتصاديًا مطلقًا.

ويرجع هذا الانخفاض إلى عدة عوامل متداخلة، من أبرزها تصاعد الخلافات السياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تبنى واشنطن سياسات حمائية وفرض رسوم جمركية واسعة على الواردات، كذلك اشتعال الحرب التجارية مع الصين، وما تبعها من اضطرابات فى التجارة العالمية.

كما أسهمت التوترات المتعلقة بالسيطرة والنفوذ الجغرافي، وعلى رأسها ملف جزيرة جرينلاند، فى زيادة حدة الخلافات، وهو ما انعكس سلبًا على صورة الدولار كعملة مستقرة ومحايدة.

لعبت السياسة النقدية للاحتياطى الفيدرالى الأمريكى دورًا محوريًا فى حركة الدولار خلال عام 2025، فعلى الرغم من تثبيت أسعار الفائدة فى آخر اجتماعاته، إلا أن الإشارات الصادرة عن البنك المركزى الأمريكى بشأن الاتجاه نحو خفض الفائدة خلال 2026، كانت كافية لإعادة تسعير الأصول الدولارية.

هذا التحول المتوقع من المنتظر أن يقلل من جاذبية العوائد على السندات الأمريكية ويدفع رءوس الأموال إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا، يضغط على الدولار فى أسواق الصرف العالمية.

وفى ظل هذا المناخ المضطرب، عاد الذهب ليتصدر المشهد كإحدى أهم أدوات التحوط، ليس فقط للمستثمرين الأفراد، بل أيضًا للمؤسسات المالية والبنوك المركزية.

فالذهب لا يرتبط بسياسات دولة بعينها، ولا يتأثر مباشرة بقرارات الفائدة أو مستويات الدين العام، وهو ما يمنحه ميزة نسبية فى أوقات الأزمات، كما أن محدودية المعروض منه مقارنة بالعملات الورقية، تعزز من مكانته كمخزن للقيمة على المدى الطويل.

وشهدت أسعار الذهب قفزات قوية خلال الفترة الأخيرة، مدفوعة بانخفاض الدولار، وزيادة الطلب العالمي، وتزايد المخاوف الجيوسياسية ولا يمكن فصل الارتفاعات القياسية فى أسعار الذهب عن تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة فى مناطق النزاع الساخنة، فالتخوف من توسع الصراعات، أو اندلاع مواجهات عسكرية جديدة، يدفع الأسواق فورًا إلى تسعير المخاطر، ويُترجم ذلك فى صورة ارتفاع الطلب على الأصول الآمنة.

وتبرز المخاوف المتعلقة بإيران وتأثير أى تصعيد محتمل على أسواق الطاقة، وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد العالمية، كأحد العوامل التى عززت الإقبال على الذهب، وأضعفت فى المقابل شهية المخاطرة تجاه الأصول المرتبطة بالدولار.

أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة يتمثل فى التحول الاستراتيجى فى سلوك البنوك المركزية تجاه الذهب، فبدلًا من الاعتماد شبه الكامل على الدولار وأذون الخزانة الأمريكية اتجهت العديد من البنوك إلى تنويع احتياطياتها.

ووفقًا لتقارير مجلس الذهب العالمي، بلغ صافى مشتريات البنوك المركزية من الذهب نحو 863.3 طنًا خلال عام 2025، وهو رقم يعكس «تراجع الثقة فى الأصول الدولارية وحدها، الرغبة فى التحوط من العقوبات المالية، السعى لتعزيز الاستقلال النقدي».

وتصدر البنك المركزى البولندى قائمة أكبر المشترين فى مؤشر واضح على أن الذهب بات جزءًا أساسيًا من استراتيجيات الأمن الاقتصادى للدول، وفى عام 2026 ما زالت العوامل الداعمة للذهب لا تزال قائمة، بل وقد تزداد حدة خلال هذا العام وذلك فى ظل توقعات خفض أسعار الفائدة عالميًا، مع استمرار التوترات السياسية، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادى فى عدد من الدول الكبرى، وهو ما يدعم سيناريو استمرار الاتجاه الصعودى لأسعار الذهب، حتى وإن شهدت الأسواق بعض فترات التصحيح المؤقت.

وشهدت مصر خلال عام 2025 تغيرًا ملحوظًا فى أنماط الادخار والاستثمار، حيث اتجه المواطنون بشكل متزايد نحو الذهب كوسيلة لحماية مدخراتهم، ويأتى ذلك فى ظل انخفاض أسعار الفائدة لدى البنك المركزى المصري، وتراجع العوائد على شهادات الاستثمار لتتراوح بين 16فى المائة و18فى المائة، ومن المتوقع مزيد من التيسير النقدى خلال 2026 وتخفيض سعر الفائدة.

وبلغ حجم مشتريات المصريين من الذهب نحو 45.1 طن خلال 2025، ورغم تراجعها النسبى عن العام السابق بحوالى 10 فى المائة إلا أن طبيعة المشتريات تعكس تحولًا واضحًا نحو السبائك والجنيهات الذهبية، بعيدًا عن المشغولات ذات الطابع الاستهلاكي. وفى ظل ركود نسبى يشهده سوق العقارات، وبطء حركة البيع، وارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالأصول العقارية، برز الذهب كخيار يتمتع بمرونة أعلى، سواء من حيث السيولة أو سهولة التخارج.

كما أن انخفاض الفائدة قلل من جاذبية أدوات الادخار التقليدية، ما عزز من مكانة الذهب كأداة للتحوط والحفاظ على القيمة، قبل أن يكون وسيلة لتحقيق الربح، ولم يقتصر التحول على الذهب فقط، بل امتد إلى عدد من المعادن الأخرى، وعلى رأسها الفضة، التى شهدت ارتفاعات قوية خلال يناير 2026، فى إشارة إلى توسع موجة التحوط، وزيادة الطلب الصناعى والاستثمارى على المعادن.

ولا شك أنه فى ظل عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب وعدم اليقين، يبدو أن الذهب استعاد مكانته التاريخية كأحد أعمدة الاستقرار المالي. فبين تراجع نسبى فى قوة الدولار، وتصاعد المخاطر العالمية، يجد المستثمرون والدول على حد سواء فى الذهب ملاذًا آمنًا وأداة استراتيجية لإدارة المخاطر.

وإذا استمرت المعطيات الحالية على حالها، فإن الذهب لن يكون مجرد أصل استثمارى فى المرحلة المقبلة، بل عنصر أساسى فى معادلة الأمن الاقتصادى العالمي.

 

الاكثر قراءة