رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السردية الوطنية (3): من الإنسان والاتزان.. إلى قطاعات الصناعة والاستثمار


5-2-2026 | 16:12

.

طباعة
بقلـم: د. محمد فؤاد

فى المقالين السابقين من هذه السلسلة، جرى تثبيت قاعدتين لا غنى عنهما لأى مشروع تنموى جاد. الأولى أن الاستثمار فى الإنسان ليس ملفًا اجتماعيًا موازيًا للاقتصاد، بل هو جوهر القدرة الإنتاجية نفسها.

والثانية أن توازن الاقتصاد الكلى ليس ترفًا محاسبيًا، بل هو الدرع الذى يحمى هذا الاستثمار من الاستنزاف، ومن التحول إلى إنفاق بلا مردود.

 

 

لكن حتى مع صحة هذين الشرطين، يظل سؤال التنمية الحقيقى معلقًا:

أين يظهر هذا الاستثمار؟ وأى اقتصاد نريد أن ينمو؟ وبأى محركات؟

هنا تحديدًا تنتقل السردية من مستوى الشروط العامة إلى مستوى الاختيار، اختيار القطاعات، واختيار الصناعة، واختيار نمط الاستثمار. لأن النمو، فى الواقع لا يحدث فى المتوسطات، بل يتكون داخل قطاعات بعينها، وبسرعات غير متساوية، وبآثار اجتماعية مختلفة جذريًا.

عندما يصبح القطاع هو وحدة التحليل

أحد أكثر أوهام الخطاب الاقتصادى شيوعًا هو التعامل مع الاقتصاد ككتلة واحدة لكن الأرقام تقول غير ذلك، فبينما قد يحقق الاقتصاد معدل نمو 4 فى المائة أو 5 فى المائة، فإن هذا النمو قد يكون محصورًا فى أنشطة منخفضة التشغيل، أو كثيفة الاستيراد، أو محدودة القيمة المضافة.

إن القطاعات تختلف جذريًا، فوفق بيانات جداول المدخلات والمخرجات، تحقق الصناعة فى مصر أعلى مضاعف تشغيل بين القطاعات الرئيسية، متقدمة على السياحة والاتصالات، وبفارق واضح عن أنشطة أخرى أقل قدرة على خلق وظائف مستدامة، أى أن كل زيادة فى الطلب الصناعى تولد سلسلة ممتدة من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، داخل الصناعة وخارجها.

ولهذا، لم يكن اختيار الصناعة، والزراعة الحديثة، والسياحة، وتكنولوجيا المعلومات فى النظرة القطاعية مجرد تصنيف فني، بل اعتراف بأن هذه القطاعات هى وحدها القادرة على:

- تعميق الروابط الإنتاجية

- توسيع قاعدة الصادرات

- وزيادة حصيلة النقد الأجنبى بشكل مستدام

وهو ما يفسر لماذا تستحوذ الصناعة وحدها على ما يقرب من 50 فى المائة من الصادرات السلعية، بعد أن كانت أقل من ذلك بعدة سنوات، رغم أن مساهمتها فى الناتج المحلى تدور فى نطاق 14–17 فى المائة. هذه المفارقة وحدها تكشف وزن الصناعة الحقيقى فى معادلة الاقتصاد.

الصناعة: حيث يتحول النمو إلى قدرة

فى كل تجارب التحول الهيكلي، كانت الصناعة هى النقطة التى ينتقل عندها الاقتصاد من النمو الكمى إلى النمو القابل للاستمرار.

الصناعة لا تخلق إنتاجًا فقط، بل تُعيد تشكيل الاقتصاد حولها.

وخلال الفترة الأخيرة، أظهرت الصناعة غير البترولية فى مصر قدرة لافتة على التعافي، حيث سجلت معدلات نمو تجاوزت 14 فى المائة فى العام المالى 2024/2025 بعد سنوات من التباطؤ والانكماش النسبي. ولم يكن هذا التحسن نتيجة طفرة استثنائية، بل استجابة مباشرة لتحسن توافر مدخلات الإنتاج وتراجع بعض الاختناقات.

لكن الأهم من رقم النمو هو تركيبه.

فالصناعات التى قادت هذا التحسن مثل الملابس الجاهزة، والصناعات الهندسية، والسيارات، والدواء هى صناعات:

- قابلة للتصدير

- كثيفة التشغيل

- وقابلة لتعميق المكون المحلي

وهنا تظهر المفارقة: من دون تعميق التصنيع المحلي، ستظل هذه الصناعات عرضة لتقلبات العملة وسلاسل الإمداد، مهما ارتفعت معدلات نموها المؤقتة.

الصناعة، إذن، ليست قطاعًا ينمو أو يتراجع فحسب، بل أداة سيادية لإدارة المخاطر الاقتصادية، خاصة فى عالم يتجه نحو إعادة تموضع سلاسل القيمة ويفرض أعباء جديدة مثل آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية.

الاستثمار: ليس كل تدفق إضافة

فى هذا السياق، يصبح الحديث عن الاستثمار أكثر دقة، وأقل احتفاءً بالأرقام المجردة. فصحيح أن صافى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر تحسن تدريجيًا منذ 2016، وأن مصر استطاعت جذب استثمارات فى الطاقة الجديدة، والصناعة، والخدمات التكنولوجية، لكن السؤال الأهم ليس: كم دخل؟ بل: ماذا أضاف؟

الاستثمار الذى لا يوسع الطاقة الإنتاجية، ولا ينقل معرفة، ولا يخلق فرص عمل مستقرة، يظل مهما بلغ حجمه محدود الأثر. ولهذا، فإن التحول الحقيقى فى فلسفة الاستثمار لا يكون فى الترويج، بل فى الاختيار: اختيار القطاعات، والمشروعات، ونمط الشراكة.

عندما يتحول الاستثمار إلى أداة لخدمة استراتيجية الصناعة، يصبح محركًا للنمو. وعندما ينفصل عنها، يتحول إلى نشاط مالى قصير الأجل، قد يحسن المؤشرات، لكنه لا يغير البنية.

أين تكمن العقدة؟

العقدة ليست فى غياب الرؤية، بل فى غياب التكامل الزمنى والتنفيذي.

فالاستثمار فى الإنسان، وتوازن الاقتصاد الكلي، والنظرة القطاعية، والصناعة، كلها حلقات صحيحة. لكن تركها متجاورة، لا متداخلة، هو ما يعيد إنتاج ما يسمى بـ«النمو غير الشامل».

إلى أين تتجه السلسلة؟

هذا المقال يحدد أين يجب أن يكون النمو، ومنْ يقوده، وبأى قطاعات.

لكن ما لم يُجب عنه بعد هو:

كيف نُحوّل هذه السردية إلى برنامج تنفيذ؟ ما الأولويات؟ ما الترتيب الزمني؟ ما مؤشرات القياس؟ ومنْ يُحاسَب؟

ولهذا، فإن المقال القادم هو الأهم فى هذه السلسلة. ليس لأنه يستكمل بقية فصول السردية فقط، بل لأنه ينتقل من مستوى التشخيص والاختيار إلى مستوى التنفيذ.. وهو الاختبار الحقيقى لأى سردية اقتصادية.