رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

في «فن القاهرة» بالمتحف الكبير… حوار إنساني يجمع الطب بالفن في جلسة «الشفاء خارج حدود العلم»

24-1-2026 | 19:36

جانب من الندوة

طباعة
ياسر علي

أقيمت مساء اليوم، داخل المتحف المصري الكبير، وضمن فعاليات معرض «فن القاهرة»، جلسة حوارية بعنوان «الشفاء خارج حدود العلم.. حيث يلتقي الطب بالفن والحكاية الإنسانية»، جمعت بين الطبيب اللبناني البارز علي طاهر، طبيب أمراض الدم والأورام، والإعلامي اللبناني ريكاردو كرم، في لقاء إنساني تأملي ناقش أبعاد الشفاء بوصفه تجربة تتجاوز حدود التشخيص الطبي.

في مستهل الحوار، أعرب ريكاردو كرم عن سعادته باللقاء، واصفًا الدكتور علي طاهر بأنه نموذج يجمع بين الدقة العلمية والخيال الإنساني، وبين مهنة الطب وحساسية الفن، موضحًا أن الحوار يسعى إلى استكشاف المنطقة المشتركة بين المريض كحالة طبية، والإنسان كحكاية.

الدكتور علي طاهر

من جانبه، قال الدكتور علي طاهر إن أهم ما تعلمه من ممارسته الطبية هو الإصغاء العميق، مؤكدًا أن الإصغاء في الطب لا يقل أهمية عنه في الفن.

وأوضح أنه يمتلك منذ طفولته حسًا فنيًا سابقًا لممارسته للطب، حيث كان شغوفًا برسم الوجوه والحكايات، معتبرًا أن الفن لم يكن هواية عابرة، بل ذاكرة ورسالة شكّلتا جزءًا من هويته الشخصية.

وعن حماية المعنى داخل الممارسة الطبية، أشار طاهر إلى أن الأرقام والتحاليل ضرورية للتشخيص، لكنها لا تكفي وحدها، لافتًا إلى أن ضعف الإنسان وقلقه واحتياجه عناصر أساسية يجب التعامل معها بإنسانية.

وأضاف أن القصة تسبق التشخيص دائمًا، موضحًا أنه يبدأ بالاستماع إلى حكاية المريض قبل إصدار أي حكم طبي، لأن التشخيص الحقيقي ينبع من فهم التجربة الإنسانية.

وفي سياق متصل، لفت طاهر إلى أن الملاحظة هي أساس البحث العلمي، تمامًا كما هي أساس القراءة الفنية، موضحًا أن المختبر يمنحه الدقة، بينما تمنحه الملاحظة القدرة على الفهم العميق. وأكد أن كل إنسان في نظره هو لوحة فنية، وأن المرض جزء من هذه اللوحة، قد تكون مؤلمة أو صادمة، لكنها تظل تعبيرًا عن حياة كاملة.

وحول الصدق مع المريض، شدّد طاهر على أن الحقيقة جزء أساسي من الرعاية، وأن الحكاية تمثل عنصرًا مهمًا في العلاج، مشيرًا إلى ضرورة الصدق المصحوب بالأمل، لأن المريض يحتاج إلى من يسانده ويمنحه الشعور بالدعم. وأوضح أن كرامة الإنسان تبدأ عندما لا يتم اختزاله في ضعفه أو مرضه، محذرًا من أن اختزال الإنسان في هشاشته يفقده إنسانيته.

وأضاف أن التعاطف هو أعلى درجات الاحترام، وأن استغلال ضعف المريض يُفقد العلاقة معناها الأخلاقي، مؤكدًا أن المريض الذي لا يشعر بالأمان لمشاركة حكايته، لن يتمكن من الاستمرار في رحلة العلاج.

وتطرق الحوار إلى دور الفن بوصفه مساحة للقاء والاستمرارية، حيث أشار طاهر إلى أن الفن ليس حدثًا عابرًا، بل مساحة للتنفس والتأمل، معتبرًا أن «آرت فير كايرو» يمثل مكانًا حيًا للحوار المستمر بين الإنسان والثقافة.

وفي حديثه عن الصمت، قال طاهر إن الصمت أحيانًا أعمق من الكلام، سواء في الفن أو الطب، موضحًا أن الصمت المسؤول أداة تواصل، بينما الصمت الهارب هو انسحاب من المسؤولية.

وأضاف أن الهدف في النهاية هو إنقاذ الإنسان دون المساس بكرامته، مشددًا على أن الضعف لا يمنح أحدًا الحق في التسلط على الآخر. كما أوضح أن التعامل مع أهل المرضى يختلف من حالة لأخرى، ويتطلب قدرًا كبيرًا من القرب والمرونة، مؤكدًا أهمية تبسيط المعلومات ومشاركة الألم الإنساني، لا الاكتفاء بالدور المهني.

وعن علاقته بالفن، قال طاهر إن الفن علّمه التواضع، وجعله يشعر بأنه في بداياته دائمًا، مشيرًا إلى أن بعض الفنانين يشبهون الأطباء في قسوتهم، وبعض الأطباء يشبهون الفنانين في هدوئهم، وأن الإنسانية تشكل الجسر الحقيقي بين العالمين.

وأضاف أن الفن ساعده على التحرر من الأحكام المسبقة، وعلى تنمية العين التي ترى الجمال والقيمة فيما تحبه، معتبرًا أن امتلاك القلب والعين معًا يمنح الإنسان قدرة أعمق على الإحساس بالعالم من حوله.

وفي حديثه عن مفهوم الشفاء، أشار الطبيب اللبناني البارز إلى أنه لا يقتصر على التعافي الجسدي، بل يشمل استعادة هوية الإنسان والتصالح مع الذات، حتى في حالات المرض المزمن أو الاقتراب من الموت، مؤكدًا أن رحلة العلاج بحد ذاتها تحمل معنى الشفاء.

وعن التطور التكنولوجي، لفت إلى أن عصر الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يُقصي الفن، موضحًا أن التكنولوجيا أداة مفيدة، لكنها لا تستطيع تعويض الطبيعة الإنسانية، ولا أن تحل محل التعاطف والإحساس البشري.

وفي ختام الحوار، شدّد الدكتور علي طاهر على أن القيمة الوحيدة التي لا يساوم عليها في الطب والفن هي الإصغاء، سواء كان ذلك بالصمت في الفن، أو بالإنصات لألم المريض.

وأكد أن قبول الآخر وعدم القسوة على الإنسان الهش من أهم الدروس الإنسانية، مشيرًا إلى أن المرضى علموه أن لكل إنسان حكاية، وأن هذه الحكايات كانت السبب الأكبر في تعميق إنسانيته.

الاكثر قراءة