الأمساخ تلتهم صانعيها؛ فالصهاينة لا يفتكون بالفلسطينى فقط، بل يفتكون بأنفسهم ويدمرون مجتمعهم، فيما تلتزم النخبة الأخلاقية الصمت، أو تنعزل، أو تهاجر إلى الخارج!
نواصل حديثنا عن الأمساخ الأخلاقية، ونتوقف فى هذا المقال عند تحول المسخ داخل المجتمع الصهيوني، أو ديناميكية التآكل الداخلي، وقانون الارتداد؛ لأن الأخطر من وجود الأمساخ بحد ذاته هو أن عملية إنتاجها وتحويلها إلى جزء طبيعى من النسيج الاجتماعى لاتتوقف عند حدود الضحية الفلسطينية واللبنانية، بل ترتد، كالسم الزعاف، إلى الداخل الصهيوني، مسببة تحولات عميقة فى بنية المجتمع وقيمه وسلوك أفراده. وهذه الديناميكية تظهر فى أربعة مظاهر رئيسية، وهى ما سنتناوله بالتفصيل فى السطور القادمة.
المظهر الأول: تطبيع التوحش، بما يعنى انخفاض العتبة الأخلاقية، فعندما يصبح قتل الآخر الفلسطيني، أو سحقه، أو تجريده من إنسانيته، فعلًا يوميًا مبررًا ومقبولًا من قبل المؤسسات الرسمية والإعلام والرأى العام، فإن العتبة الأخلاقية للمجتمع تنخفض بشكل خطير ومطرد، ويتحول العنف من كونه أداة عسكرية وأمنية تستخدم فى حالات استثنائية إلى لغة اجتماعية سائدة، وإلى وسيلة مقبولة لفض النزاعات والتعبير عن الذات.
وهذا ما نراه بوضوح فى المجتمع الإسرائيلى المعاصر، حيث توجد زيادة خطيرة فى العنف الداخلى بين العصابات الإجرامية، وتصاعد فى خطاب الكراهية والعنصرية بين الفئات المختلفة (العلمانيون ضد الحريديم، واليهود الشرقيون ضد الإشكناز، والقادمون الجدد ضد القدامى)، فالمجتمع الذى يربى أفراده على أن القوة هى الحق فى التعامل مع الفلسطيني، وأن العنف هو الحل الوحيد، يبدأ أفراده، بوعى أو من دونه، باستخدام القوة والعنف معيارًا وحيدًا لفض نزاعاتهم الداخلية أيضًا. وهكذا يبدأ المسخ، الذى صُنع ليفتك بالفلسطيني، بالفتك بالمجتمع الصهيونى نفسه.
ثانيًا: ظاهرة الفصام الجماعي، أو تآكل الشخصية الوطنية يعيش المجتمع الصهيوني كما شخصنا سابقًا من خلال ما طرحه طلال أسد وغيره، حالة انفصام مريعة ومستدامة؛ فهو يرى نفسه، ويريد من العالم أن يراه، ديمقراطية غربية متطورة، ودولة تكنولوجية ناهضة، وواحة للحضارة فى قلب الشرق الأوسط، لكنه، فى الوقت نفسه، يمارس يوميًا، وعلى مرأى من العالم، إبادة جماعية ونظام فصل عنصرى (أبارتهايد) لا يختلف فى جوهره عن أحلك فترات التاريخ البشري.
هذا الفصام ليس مجرد تناقض فى السياسات يمكن حله ببعض التعديلات، بل إنه فى العمق، يؤدى إلى تآكل الشخصية الوطنية الإسرائيلية؛ فلا يمكن بناء هوية مستقرة وصحية على أساس الإنكار الدائم لحقيقة الأفعال. وهذا الإنكار، كما شرح «بابيه»، يولد قلقًا وجوديًا مزمنًا وشعورًا بعدم الاستقرار النفسى والهوياتي. والمجتمع الذى يعانى من هذا القلق المزمن يعبر عنه عادة بمزيد من التطرف والعدوانية والعنف، فى حلقة مفرغة تدمر الذات قبل الآخر. وهكذا يلتهم المسخ الأخلاقي، الذى صنعته الصهيونية، الروح الإسرائيلية من الداخل.
ثالثًا: سيادة العقلية العسكرية، بما يعنى بلادة المشاعر وتفكك الأواصر فالمسخ الأخلاقى فى المجتمع الصهيوني، الذى نفذ المجازر فى غزة، وهدم المنازل فى الضفة الغربية، وقلع أشجار الزيتون، وجرف الأرض، واعتقل الأطفال، واحتجز النساء خلف الحواجز، هو نفسه «البطل القومي» الذى يُكرَّم ويُقدَّم نموذجًا للشباب. وعندئذ يصبح القاتل قدوة، والمجرم مثالًا أعلى، وبذلك تسقط البوصلة التربوية والأخلاقية للمجتمع كله.
فالأطفال والناشئة يولدون فى بيئة تمجد السلاح، وتحتفى بالقوة، وتنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينى بشكل ممنهج ومستمر ويومى عبر الإعلام والتعليم والثقافة الشعبية. وهنا يكبر الأطفال وهم يعانون من بلادة فى المشاعر تجاه معاناة الآخرين، التى تبدأ بالفلسطينى ولا تتوقف عنده، بل تمتد كالنار فى الهشيم لتنال من الأواصر الإنسانية بين الصهاينة أنفسهم. فمن فقد القدرة على التعاطف مع ألم الفلسطينيين سيفقد، تدريجيًا، القدرة على التعاطف مع ألم أخيه أو جاره أو زميله. وهذا يؤدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وزيادة الأنانية والفردية والعدوانية، وانهيار الثقة بين أفراد المجتمع الصهيوني. إن المسخ الأخلاقي، فى النهاية، يجعل المجتمع بأسره غير قادر على التعاطف الإنساني.
رابعًا: هروب النخب الأخلاقية، حيث نزيف الضمير وتسريع الانهيار كرد فعل طبيعى على تحول المجتمع إلى كتلة من الأمساخ، التى يقودها المسوخ التكنولوجيون والعقائديون والقانونيون، تبدأ القلة من أصحاب الضمائر الحية فى المجتمع الصهيونى بالانعزال أو الهجرة إلى الخارج. فحركات مثل «كسر الصمت» تجمع شهادات جنود سابقين عن فظائع الاحتلال، ويمثل هذا التيار الضئيل محاولة لمقاومة التحول إلى مسوخ.
ولكن هذا التيار مهمش ومضطهد، وأفراده إما أن ينعزلوا فى جزر صغيرة من الوعى النقدى داخل المجتمع، أو يختاروا الهجرة إلى الخارج، مفضلين العيش فى مجتمعات أكثر صحة أخلاقية. وهذا النزيف الأخلاقى له نتائج كارثية على المجتمع الصهيوني؛ فهو يترك الساحة بالكامل للأمساخ الأكثر تطرفًا وعنفًا ودموية لقيادة الدولة وتوجيه مسارها. ومع هروب النخب الأخلاقية تتسارع عملية الانهيار الوظيفى التى تحدثنا عنها سابقًا، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للانفجار من الداخل.
وخلاصة قانون الارتداد التاريخى أن الأمساخ تلتهم صانعيها؛ فالتاريخ، بكل تجاربه القاسية، يخبرنا بقانون ثابت لا يتغير، مفاده أن من يصنع أمساخًا أخلاقية لقتل الآخرين وقمعهم ينتهى به الأمر إلى أن تلتهمه تلك الأمساخ من الداخل. إن العنف الذى يمارسه الكيان الصهيونى فى غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان ليس مجرد سياسة أو رد فعل أمني، بل هو، فى العمق، مادة سامة تتسرب يوميًا إلى شرايين المجتمع الصهيونى نفسه، فتسمم خلاياه وتدمر جهازه المناعى والأخلاقي.
ومن يزرع المسخ الأخلاقى ليحصد الأمن سيجني، فى النهاية، مجتمعًا ممزقًا، خائفًا، فاقدًا لأى مبرر أخلاقى للبقاء. إن المراهنة على الكيان الصهيوني، سواء من قبل الصهاينة الوظيفيين فى الخارج أو الأمساخ الأخلاقية فى الداخل، هى مراهنة على مجتمع قرر أن ينهار ماديًا. وكل مَن يتماهى مع هذا المشروع، أو يبرره، أو يدافع عنه، هو شريك كامل فى هذه الخسارة الوجودية الكبرى، وفى هذه الجريمة المزدوجة: ضد الفلسطينى أولًا، وضد الإنسان الصهيونى نفسه ثانيًا.