رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من قلاع الستينيات إلى رؤية 2030.. المشروعات القومية ترسم خريطة الاقتصاد


24-7-2026 | 14:06

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

«استطاعت ثورة يوليو أن تغير وجه الحياة فى مصر على نحو جذرى، وقدمت لشعبها العديد من الإنجازات الضخمة، كما أحدثت تحولًا عميقًا فى تاريخ مصر المعاصر مهد الطريق أمام مرحلة جديدة، ولم يقتصر تأثيرها على الداخل المصرى فحسب، بل امتد صداها إلى الشعوب التى كانت تتطلع إلى الحرية والاستقلال».. بهذه الكلمات وصف الرئيس عبد الفتاح السيسى ثورة 23 يوليو المجيدة، التى يحتفل بها المصريون هذا العام فى ظل مسيرة من الإنجازات الاقتصادية والتنموية.

فمنذ انطلاق شرارة الثورة عام 1952، لم يكن بناء المصانع مجرد مشروع اقتصادى، بل كان عنوانًا لمشروع وطنى يستهدف تحقيق الاستقلال وإرساء اقتصاد قادر على الإنتاج، ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصناعة أحد أبرز مؤشرات التحولات التى شهدتها الدولة المصرية، فتبدلت السياسات، وتعاقبت الحكومات، وتغيرت الأولويات، بينما ظل التصنيع حاضرًا فى صدارة خطط التنمية، بدءًا من مصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج فى الستينيات، وصولًا إلى المجمعات الصناعية والمدن الإنتاجية الكبرى فى الجمهورية الجديدة.

 

 

وعلى مدار العقود الماضية، أسست ثورة يوليو لمجالات التصنيع من منطلق أن الصناعة هى الطريق نحو تحقيق النهضة، فكانت المشروعات الصناعية العملاقة فى مجال صناعة الحديد والصلب والكيماويات والدواء والإنتاج الحربى، فتحققت لمصر قاعدة صناعية مكنتها من الوفاء باحتياجاتها المتزايدة من الإنتاج، كما تم الاهتمام بصناعات التعدين والبتروكيماويات.

كما نفذت ثورة يوليو مشروع السد العالى كأحد أهم المشروعات القومية العملاقة فى تاريخ مصر الحديث، بهدف توفير المياه لزيادة الرقعة الزراعية، علاوة على حرصها على توفير الخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية لأهل الريف، فأنشأت الوحدات المجمعة بالريف لرفع الوعى العام بين الفلاحين.

كذلك شهدت البلاد نهضة واسعة وسلسلة من المشروعات القومية العملاقة فى مختلف القطاعات، لاسيما مشروعات البنية التحتية، ومن بينها شبكة الطرق والكبارى الواسعة.

المصانع.. ركيزة الجمهورية الأولى

على مدار نحو 74 عامًا، ظلت الصناعة واحدة من أهم ركائز الاقتصاد المصرى، عاكسة فى مسيرتها تقلبات السياسة وتغير الرؤى الاقتصادية من عهد إلى آخر، ومن رئيس إلى آخر، ولكل منهم سياسته وشعاراته، فمن ثورة التصنيع الكبرى فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إلى سياسة الانفتاح فى عهد الرئيس أنور السادات، ثم مرحلة الخصخصة فى عهد الرئيس حسنى مبارك، وصولًا إلى الطفرة الصناعية فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، بقيت الصناعة مرآة لطموحات الدولة ومحركًا لمحاولاتها لتحقيق النمو والاكتفاء الذاتى.

وتستعرض هذه الرحلة ملامح تطور الصناعة فى مصر منذ خمسينيات القرن الماضى وحتى اليوم، بدءًا من مصانع عبد الناصر التى وُلدت من رحم الحلم القومى بالاستقلال والاكتفاء الذاتى، وصولًا إلى المشروعات الصناعية الحديثة فى عهد الرئيس السيسى، التى تسعى إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمى للإنتاج والتصدير.

ففى إطار التوجه نحو بناء اقتصاد وطنى قوى، أنشأ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مئات المصانع فى مختلف القطاعات، بدءًا من الصناعات الثقيلة، مثل الحديد والصلب فى حلوان، وصولًا إلى الصناعات التحويلية والغذائية، ومصانع الغزل والنسيج فى المحلة الكبرى وكفر الدوار.

وقد ارتفع عدد المصانع الكبرى من نحو 1400 مصنع عام 1952 إلى أكثر من 3000 مصنع بحلول عام 1970، مما ساهم فى توفير فرص عمل لمئات الآلاف من المصريين وتعزيز الناتج المحلى، كان من أبرز المشروعات الصناعية فى عهد عبد الناصر؛ شركة الحديد والصلب المصرية فى حلوان، التى افتتحها فى 27 يوليو 1958، لتصبح أحد أهم معاقل الصناعة الثقيلة فى الشرق الأوسط، ولتلبية احتياجات الدولة من الحديد فى مشروعات البنية التحتية الكبرى.

الجمهورية الجديدة.. الصناعة تعود إلى الواجهة

أما فى الجمهورية الجديدة، فمع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم فى 2014، شهدت مصر طفرة غير مسبوقة على كافة المستويات والقطاعات، ففى قلب الصحراء المصرية كانت الأراضى القاحلة شاهدة على صمت الزمن قبل أن تتفتح فيها مدن جديدة ومصانع عملاقة ومزارع خضراء، لتروى قصة نهضة وطنية غير مسبوقة، وأصبحت مصر مسرحًا لتحولات جذرية، حيث تتشابك المشروعات الصناعية الكبرى مع التنمية الزراعية والعمرانية فى إطار رؤية طموحة تهدف إلى بناء الإنسان المصرى وتأمين مستقبله.

ومن بين أبرز هذه المشروعات، يبرز مشروع تطوير صناعة الغزل والنسيج، الذى يُعد أحد أكبر المشروعات الصناعية فى الشرق الأوسط، ويأتى فى مقدمته مصنع «غزل 1» بالمحلة الكبرى، الذى يُوصف بأنه الأكبر عالميًا، إذ ينتج 15 طنًا من الغزل يوميًا، بما يعزز مكانة مصر مركزًا إقليميًا للصناعات النسيجية.

من الاكتفاء الذاتى إلى التصدير

كما تم إنشاء 12 منطقة صناعية جديدة بمساحة 42 مليون متر مربع، ومنح تراخيص لـ6223 منشأة صناعية باستثمارات تصل إلى 225 مليار جنيه، مما ساهم فى توفير 370 ألف فرصة عمل بحلول أبريل 2022، وفى مدينة العاشر من رمضان، تم إنشاء مجمع صناعى يضم 384 ورشة بتكلفة 386 مليون جنيه، بينما تعد مدينة دمياط للأثاث قلعة صناعية جديدة توفر 100 ألف فرصة عمل مؤقتة و30 ألف فرصة دائمة.

وتأتى هذه المشروعات إلى جانب تطوير مصنع النصر للأدوية بالتعاون مع مستثمرين هنود لإنتاج المواد الخام الدوائية، تعكس التزام الدولة بتحقيق الاكتفاء الذاتى وتعزيز الصادرات، كما يعد القطاع الزراعى ركيزة أساسية فى رؤية السيسى لتحقيق الأمن الغذائى، والذى تجلى بمشروع «الدلتا الجديدة»، أكبر مشروع زراعى فى تاريخ مصر، الذى يستهدف استصلاح 2.2 مليون فدان، أى ما يعادل ثلث الرقعة الزراعية الحالية، بتكلفة 300 مليار جنيه، الذى يعتمد على المياه الجوفية والصرف الزراعى المعالج، يهدف إلى زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والعنب والقطن، مع تحقيق طفرة فى الصادرات الزراعية التى تجاوزت 5.2 مليون طن.

كما شهدت الثروة الحيوانية والسمكية تطورًا ملحوظًا، حيث حققت مصر المرتبة الثالثة عالميًا فى إنتاج السمك البلطى والأولى إفريقيًا فى الاستزراع السمكى.

وفى إطار التنمية العمرانية، أطلقت مصر سلسلة من المدن الذكية مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، وتوشكى الجديدة، بهدف تخفيف الضغط السكانى على المدن الكبرى وتوفير بيئة حضارية، كما يأتى مشروع «حياة كريمة»، الذى يستهدف تحسين حياة 60 مليون مواطن فى الريف، أحد أكبر المبادرات التنموية عالميًا، حيث شمل تطوير 332 مركزًا للخدمات الزراعية و967 مشروع نفع عام بتكلفة مليارى جنيه، وهذه المشروعات ساهمت فى إزالة العشوائيات وتحسين البنية التحتية، مما عزز جودة الحياة فى القرى المصرية.

إحياء فلسفة المشروعات الكبرى

يرى الدكتور طارق عوض، خبير شؤون المبادرات والمشروعات القومية، أن مصر شهدت خلال السنوات الماضية، منذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكم، اهتمامًا غير مسبوق بالمشروعات القومية الوطنية، لم تشهده منذ الطفرة الصناعية فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وأوضح أن المواطن المصرى لمس آثار الإنجازات التى تحققت عقب ثورة 30 يونيو، ولا سيما مع انطلاق الجمهورية الجديدة منذ عام 2014، من خلال تنفيذ مشروعات قومية وإطلاق مبادرات وطنية واسعة.

ولفت إلى أن مصر واجهت قبل ثورة 30 يونيو تحديات اقتصادية ومعيشية كبيرة فاقت إمكانات الدولة والمواطن، وأشار إلى أن معدلات البطالة بين الشباب كانت تقترب من 60 فى المائة، قبل أن تسهم المشروعات القومية والمبادرات الوطنية فى توفير مجالات عمل جديدة، بما انعكس على خفض معدلات البطالة والحد من الهجرة غير الشرعية.

وأوضح د. عوض أن الاستثمار فى البنية التحتية جاء فى مقدمة الأولويات بهدف فتح مجالات تنموية جديدة وربط المناطق البعيدة، مثل سيناء، بباقى أنحاء الجمهورية، مؤكدًا أن إنشاء نحو 1000 كوبرى ونفق وفر وسائل اتصال ومواصلات سهلت وصول المستثمرين إلى مناطق كانت بعيدة عن التنمية، ما عزز فرص الاستثمار المحلى والأجنبى.

وأضاف أن الحماية الاجتماعية كانت على رأس أولويات الدولة، من خلال مبادرات مثل «حياة كريمة» و«تكافل وكرامة»، التى استهدفت الفئات الأكثر احتياجًا عبر تقديم الدعم النقدى والعينى، وإتاحة القروض الميسرة، وتمويل المشروعات الصغيرة، لا سيما فى القرى التى ارتفعت فيها معدلات الفقر.

مؤشرات الاقتصاد المصرى

من جانبه، أكد الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادى، أن مؤشرات الاقتصاد المصرى شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالفترة بين عامى 2014 و2015، مشيرًا إلى تراجع معدل البطالة وارتفاع احتياطى النقد الأجنبى، بالتزامن مع تنفيذ مشروعات كبرى فى البنية التحتية. وأوضح أن معدل البطالة بلغ نحو 13.5 فى المائة عام 2015، قبل أن ينخفض إلى نحو 6.2 فى المائة حاليًا، وهو ما يعكس قدرة المشروعات القومية والاستثمارات على توفير فرص عمل فى القطاعين الحكومى والخاص.

وأضاف أن هذا التحسن جاء نتيجة المشروعات القومية الكبرى التى استهدفت إحداث تنمية حقيقية ترتكز على أسس وطنية، وتمثل امتدادًا لنهج التصنيع الذى تبنته ثورة 23 يوليو فى ستينيات القرن الماضى، من خلال إقامة صناعة وطنية تسهم فى تحقيق الاستقلال الاقتصادى والاكتفاء الذاتى، بما يتوافق مع الأهداف التى قامت عليها الثورة عام 1952.

وتابع د. شعيب أن الدولة أنفقت خلال السنوات العشر الماضية أكثر من 10 تريليونات جنيه على تطوير ورفع كفاءة البنية التحتية، وهو ما أسهم فى تنشيط الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة. وأشار إلى أن احتياطى النقد الأجنبى ارتفع من نحو 13 مليار دولار عام 2015 إلى أكثر من 55 مليار دولار حاليًا.

وأوضح أن ذلك جاء نتيجة تنفيذ مشروعات استهدفت جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلى جانب دعم مختلف الأنشطة الاقتصادية. ولفت إلى أن مصر، التى يتجاوز عدد سكانها 110 ملايين نسمة، تحتاج إلى توفير نحو مليون فرصة عمل سنويًا، وهو ما يتطلب استثمارات لا تقل عن 100 مليار جنيه كل عام.

المشروعات القومية قاطرة النمو

الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، قال إن الدولة المصرية انتهجت منذ عام 2014 سياسة اقتصادية توسعية استهدفت تنشيط الاقتصاد، عقب فترة من الاضطرابات السياسية التى انعكست بصورة مباشرة على المؤشرات الاقتصادية الكلية، من خلال تراجع معدلات النمو، وارتفاع عجز الموازنة، وزيادة معدلات البطالة.

وأوضح أن هذا الواقع استلزم التدخل السريع عبر تنفيذ المشروعات القومية، التى جاءت امتدادًا للأهداف التى تبنتها الدولة خلال ستينيات القرن الماضى، عندما اتجهت إلى إنشاء مصانع وطنية، وهذه السياسة استهدفت تحقيق عدة أهداف متوازية، فى مقدمتها زيادة الناتج المحلى الإجمالى، ورفع معدلات النمو الاقتصادى، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة تسهم فى خفض البطالة، إلى جانب إنشاء بنية تحتية قوية تُعد من أهم المقومات لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأكد الخبير الاقتصادى أن المشروعات القومية كان لها دور محورى فى نجاح تنفيذ المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادى، الذى أُطلق فى نوفمبر 2016، وأسهم فى تحقيق معدل نمو اقتصادى بلغ 5.6 فى المائة خلال العام المالى 2018/2019، مع تراجع معدل البطالة إلى 7.4 فى المائة.

وأوضح د. الشافعى أن المشروعات القومية وفرت أكثر من خمسة ملايين فرصة عمل، كما ساهمت فى خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى العمود الفقرى لتنشيط الاقتصاد المصرى، إلى جانب ما وفرته الدولة من تيسيرات وحوافز استثمارية أسهمت فى جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته فى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة